“البحر الأحمر الحوثي”.. ماذا وراء استهداف ميناء المخا؟


تسفي برئيل

تقول الأسطورة إن راعياً إثيوبياً لاحظ سلوكاً غريباً لدى الماعز وهي تمضغ أشجار البن التي تنمو على الهضبة الإثيوبية. نقل الراعي الخبر إلى عالم دين محلي، فحضّر الأخير مشروباً لنفسه بمزج الثمار المطحونة، والباقي معروف تقريباً.

ينسب إلى إثيوبيا اكتشاف القهوة كمشروب منبه، لكن حبوب البن الثمينة في اليمن تحولت إلى منتج صناعي وتجاري وتطورت لتصبح أحد أهم منتجات الإمبراطورية العثمانية وأكثر ربحاً. كانت السفن المحملة بحبوب البن الثمينة تغادر ميناء المخا قرب الحديدة شمالاً إلى الحدود المصرية، ومن هناك براً على ظهور الجمال إلى ميناء الإسكندرية ومنها إلى أوروبا. ويرجح أن شركة الهند الشرقية الهولندية هي التي أطلقت على القهوة التي استوردتها اسم “المخا” نسبة لميناء المنشأ في اليمن. وهكذا خلد التجار في هولندا ميناء المخا أينما يقدم هذا المشروب الداكن.

أما هذا الميناء الرائع والنابض بالحياة، الذي يقع على بعد 75 كم عن باب المندب، هو اليوم مهجور وساحة للقتال، وتدور حوله مواجهات عنيفة بين القوات العسكرية للحكومة المعترف بها وبين الحوثيين. وتسببت عشرات الصواريخ والمسيرات التي أطلقها الحوثيون في الشهر الماضي على الميناء والمدينة حوله بأضرار بالغة تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات، وجبت حياة 20 شخصاً وشلت نشاطه.

ولكن إلى جانب الأضرار المباشرة والخسائر في الأرواح فإن لحملة الحوثيين في المخا تداعيات استراتيجية خطيرة تنذر بتجديد الحرب الشاملة في اليمن، وإشعال فتيل الصراع على جبهة البحر الأحمر، ونقل الصراع العسكري من مضيق هرمز إلى ساحة جديدة.

إلى جانب الأضرار المباشرة والخسائر في الأرواح فإن لحملة الحوثيين في المخا تداعيات استراتيجية خطيرة تنذر بتجديد الحرب الشاملة في اليمن

وقد نجح الحوثيون بالفعل بإلحاق ضرر كبير بصادرات النفط السعودية عندما فرضوا حصاراً بحرياً خانقاً على تجارتها البحرية في البحر الأحمر في تموز. وكان من المفروض أن يخدم هذا الطريق السعودية كطريق إلى مضيق هرمز عبر أنبوب النفط الذي يربط البقيق شرق البلاد بميناء ينبع غرباً. وقد أصبح هذا الأنبوب الذي لم يستخدم إلا جزئياً قبل الحرب، القناة الرئيسية التي كان يمر فيها حتى فترة قريبة حوالي 4.5 مليون برميل نفط كل يوم، مقارنة مع أقل من مليون برميل قبل الحرب.

لكن ما ظهر وكأنه بديل فعال، حوله الحوثيون إلى طريق مهدد سيواجه صعوبة في تحقيق غايته. ففي تموز عندما أعلن الحصار، تمكنت السعودية من تصدير 3.7 مليون برميل في اليوم. ولكن الكمية انخفضت في الشهر الماضي إلى 2.25 مليون برميل يومياً، التي اتجهت في معظمها شمالاً إلى قناة السويس، في حين أغلقت طرق الشحن المتوجهة إلى آسيا بشكل كامل.

ومثلما هي الحال في مضيق هرمز، حيث لا تحتاج إيران إلى احتلال أراض أو سيطرة فعلية على الممر لوقف الملاحة، فالحال على هذا النحو أيضاً في البحر الأحمر. يكفي الحوثيون امتلاك عدد قليل من المسيرات أو الصواريخ لتبرر رفض شركات تأمين السفن المارة في الممر، حتى لو لم تكن وجهتها السعودية.

لكن يبدو أن طموحات الحوثيين تتجاوز ذلك. إن طبيعة المعارك التي يخوضونها في محافظة تعز، الخاضعة لسيطرة الحكومة، وسيطرتهم الجديدة على معابر برية كثيرة وبلدات في المحافظة، تثير مخاوف، من نيتهم توسيع سيطرتهم البرية في البلاد والتوغل جنوباً في اليمن.

يرى محللون يمنيون أن الهجوم على ميناء المخا ومحيطه ليس إلا مناورة تضليل تهدف إلى إشغال الجيش اليمني في المنطقة وتشتيت قواته في محافظات أخرى، يسعى الحوثيون إلى انتزاعها من الحكومة المعترف بها. وحسب تفسير آخر، يخشى الحوثيون من أن أي اتفاق أو أي ترتيب بين الولايات المتحدة وإيران قد يأتي على حسابهم. لذلك، سيسعون بجهد لتحقيق المزيد من الانتصارات الآن قبل أن تجبرهم طهران على التساوق معها. ولكن هذا التفسير يستند إلى تصور يفيد بأن الحوثيين ذراع تنفيذية لإيران ويخضعون لأوامرها، وهذا تصور لم تثبت صحته تماماً في سنوات الحرب.

وقد أعلن الجيش اليمني أن قواته استعادت عدة مواقع كانت تحت سيطرة الحوثيين وأضرت بقواعدهم العسكرية. مع ذلك، مجرد تمكن الحوثيين من السيطرة على مواقع تخضع لسيطرة الحكومة يشير إلى مستوى قدرة الدولة على إدارة حرب فعالة ضد الحوثيين. وقد شهد الجيش اليمني بعض الإصلاحات، حيث تم استبدال بعض القادة ووصول معدات عسكرية وسلاح، خاصة مسيرات، من السعودية، ويبدو أن القيادة العليا أصبحت أكثر كفاءة وتماسكاً. كما أن انسحاب الإمارات من الساحة عقب ضغوط سعودية كثيفة، شملت مواجهات عسكرية بين القوات السعودية والقوات التي تدعمها الإمارات، يساهم في ترسيخ “وحدة الصفوف”. ولكن قدرة الجيش اليمني وكفاءته ليست سوى عنصر واحد في منظومة الاعتبارات الإقليمية.

لقد علمت السنوات السبع من الحرب بين السعودية والحوثيين درساً قاسياً لن ترغب في تكراره. لقد أثبت وقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين في 2022 هشاشته عندما أشعل حادث واحد منع هبوط طائرة مسافرين إيرانية في مطار صنعاء في تموز، فتيل التوتر من جديد. تتعرض منشآت النفط والتكرير في السعودية لهجمات صواريخ وطائرات الحوثيين المسيرة، وكذلك مطاراتها وبنيتها التحتية المدنية. بعد الحصار المفروض على البحر الأحمر والخسائر الاقتصادية التي تكبدتها المملكة بسبب حصار مضيق هرمز، فإن آخر ما تحتاجه المملكة هو تجدد المواجهة مع الحوثيين.

ويتضح أيضاً ضعف التحالفات العسكرية التي شكلتها السعودية لتأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر. فالتحالف الذي أعلنت عنه بقوة في بداية الحرب في اليمن في 2015، لم يبق منه الكثير، أما التحالف الجديد المخصص للدفاع في البحر الأحمر، الذي أعلنت عنه في تموز وانضمت إليه 14 دولة رسمياً، فقد بقي حبراً على ورق، ولم يدفع التحالف الاستراتيجي الذي وقعت عليه مع باكستان في السنة الماضية، إسلام أباد إلى إرسال مقاتلات وطائرات إلى اليمن، في حين أن التحالف الثلاثي الذي وقعته الشهر الماضي مع تركيا وباكستان ما زال قيد التخطيط.

في الوقت الراهن، تبدو احتمالية إشراك الولايات المتحدة في حرب جديدة ضد الحوثيين غير واقعية. إن الرئيس الأمريكي ترامب الذي وقع على اتفاق وقف إطلاق النار مع الحوثيين في أيار 2015، لم يعد يرى في البحر الأحمر مشكلة، وربما يفقد مضيق هرمز اهتمامه به أيضاً. قبل يومين، صرح: “لم يعد مضيق هرمز كما كان، فثمة بدائل كثيرة تظهر”.

يكمن الخطر الفعلي الذي يهدد السعودية والولايات المتحدة، بل وإيران، في أن اليمن لم يعد فقط ساحة ثانوية ناتجة عن حملة مضيق هرمز، بل جبهة مستقلة تستطيع العمل بمعزل عن ساحة الخليج.

حتى لو أعيد فتح مضيق هرمز وهدأت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، فبإمكان الحوثيين احتكار البحر الأحمر وتهديد ميناء المخا وتعطيل طريق ينبع والضغط على السعودية وفرض تحركات عسكرية وسياسية عليها وعلى الحكومة اليمنية، قد لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الإيرانية الأوسع. بهذا المعنى، قد يتحول اليمن من أداة ضغط إيرانية إلى جبهة لها منطقها الخاص، وسيبقى حاضراً في الساحة الإقليمية ويعيق أي محاولة لتحقيق الاستقرار في المنظومة كلها.

 هآرتس 6/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *