الانتقال من 64 مدرسة إلى 1600 مدرسة تسرّع



حوار سعيد أبو معلا

رام الله – «القدس العربي»: دافع مدير عام «مركز إبداع المعلم» رفعت صباح عن فكرة اعتماد «مصادر التعلم المفتوحة» في المدارس الفلسطينية، معتبرا أنها تشكل مدخلا لتطوير العملية التعليمية وتنويع مصادر المعرفة، لكنه انتقد التوسع السريع في تطبيقها من 64 إلى 1600 مدرسة، مؤكدا أن التطبيق المتدرج كان سيتيح تقييم التجربة بصورة أفضل.
وفي حوار مع «القدس العربي»، تحدث صباح عن متطلبات نجاح النظام الجديد، والجدل بشأن توقيت تطبيقه وعلاقته بالضغوط الخارجية على المناهج الفلسطينية، إلى جانب جاهزية المدارس والمعلمين، معتبرا أن ضعف إشراك المجتمع وشرح رؤية المشروع قبل الإعلان عنه أسهما في تصاعد الشكوك والانتقادات.
وفيما يلي نص الحوار:
□ كخبير تربوي وعلى تماس مع كافة أطراف العملية التربوية، وفي ضوء ما صرحت به وزارة التربية والتعليم حول النظام الجديد، كيف تقيّم نظام التعليم المفتوح؟
■ لقد كنت على علم مسبق بالمشروع عند طرح الفكرة، حيث بدأوا بالتجريب على 64 مدرسة، وهي عينة ممثلة من كل الجوانب. لقد حاولت الوزارة معرفة ما إذا ساروا بهذا المشروع سيُكتب له النجاح أم لا، وتحدثوا عن دراسة تقييمية يفترض أن تنشر قريبا، حيث طالبنا الوزارة بضرورة نشرها حتى تكون بين أيدي الجميع، وكي يتمكن المجتمع من النقاش بناء على دراسة تقييمية، وليس بناء على ما سمعه. يا للأسف، هناك الكثير من المواطنين لا يقرأون، وتكون مواقفهم بناء على ما يسمعون.
رأيي الخاص مفاده أن هذا المنهج التعليمي القائم على مصادر التعلم المفتوحة ليس جديدا، ولم نخترعه نحن، فهو نظام موجود في دول كثيرة. هذا المنهج لا يستبعد الكتاب المقرر، بل يضيف مصادر جديدة إلى جانب الكتاب. بالتالي، يقع العبء على عملية التقييم، بمعنى أنه إذا تم تحديد المنهج، فيجب أن يكون المنهج مكتوبا، وأن تظهر فيه بوضوح المخرجات التي يريد تحقيقها في نهاية كل سنة، ومن ثم يجب أن يهدف التقييم إلى قياس تحقق المخرجات بعد كل سنة، وفي كل مدرسة، بحيث لا يكون التقييم عاما.
فعلينا معرفة أين تكمن المشكلة في نهاية المطاف، فمثلا، إذا أبدعت مدرسة فيما لم تبدع أخرى، فعلينا معرفة الأسباب: فهل المشكلة عند المعلم أم في المصادر أم في الأهالي… إلخ.
□ يبدو منهجا تشاركيا أكثر من كونه مرتبطا بالمدرسة وحدها؟
■ صحيح، هذا النهج تشاركي، ويتشارك فيه كل من الأهالي والطلاب والمعلمين والمجتمع. إنه منهج مصادر مفتوحة، وفيه مصادر متنوعة، وهو يختلف عن التعليم المفتوح، فالمصادر المفتوحة تكون منضبطة، بحيث تُعطى المدارس مصادر محددة، وتكون قادرة على تطويعها وتغييرها وتبديلها.
ما أقوله هنا هو أن هذا التوجه يحتاج إلى تقييم جدي لكل مدرسة. هذا النهج جُرّب في بريطانيا، ويتم تحفيز المدارس التي تنجز، وهذا يحتاج إلى بنية تحتية بالطبع، ويحتاج إلى الوصول إلى مصادر من الإنترنت، وهو يتطلب أن تكون بنية الإنترنت قوية، كما يجب أن يكون الناس متمكنين من آليات البحث، فالأساس في هذا المنهج هو تعزيز عملية البحث لدى المدرسين والطلاب والأهالي.
□ لكن هناك مشكلة حقيقية في موضوع القراءة، كما أن موضوع التمويل والضغوط الخارجية يمنح مشروعية للطرح والتساؤل؟
■ يا للأسف، نحن شعب لا يقرأ. الناس يفضلون الحفظ من مكان محدد، أما تلقي المعرفة من خارج الكتاب المقرر فهو مسألة غير مرغوبة، وهذا المنهج يفرض على الناس القراءة.
مسألة ثانية ترتبط بالمخاوف المشروعة التي تتحدث عن أن هذا المنهج جاء لتجاوز أزمة انتقاد المناهج الفلسطينية من قبل الممولين، وتحديدا الاتحاد الأوروبي وغيره. المؤكد هنا أن المواطنين يمتلكون مشروعية السؤال، لكن في المقابل، تقول الوزارة، وأنا أؤكد هذا، أنه لن يتم استبعاد الكتاب المقرر، وأنا غير متأكد من أن الوزارة ذهبت إلى هذا الخيار لتتجنب الضغوط الدولية، فالكتب المقررة من الصف الأول إلى الصف الرابع لا توجد عليها إشكالية من الممولين.
باعتقادي أن الفكرة تطورت من النقاش خلال الحرب على غزة، حيث كانت طباعة الكتب صعبة، وهناك مخازن كتب أُحرقت، والمواطنون نزحوا من دون أن يأخذوا معهم كتبهم، وبقوا على صلة بالإنترنت… إلخ. كما أن الاحتلال يمنع إدخال الكتب. من هنا كان يجري نقاش الفكرة، وهو أمر تعزز في ضوء ما يحدث في الضفة، وبالتالي كان السؤال: ما الحل، وما إطار العمل في ظروف كالتي نمر بها، وكيف ندير العملية التعليمية؟ وكان الجواب عبر خلق منهاج متنوع ومتعدد المصادر سُمي مصادر التعلم المفتوحة.
السؤال: هل ينجح أم لا؟ الجواب له علاقة بثقافة الناس واستعداداتهم، ومن المؤكد أن هناك انتقادات كثيرة حول هذا الموضوع، لكن معظم الانتقادات مدخلها سياسي. لقد تحدثت مؤخرا مع الوزارة، ولم أشعر أن السبب الذي جعلهم يعتمدون النظام الجديد مرتبط بأمور سياسية. المؤكد أن النظام فكرة قديمة كانت تناقش سابقا، لكن لماذا جاءت في هذه الفترة تحديدا، فأنا لا أعلم السبب.
□ بعيدا عن السياسة، فإن النظام الجديد يحتاج إلى إمكانيات، سواء في المدارس، وكذلك يتطلب أن يكون المدرس في وضع مريح بحيث يمكنه أن يبتكر ويؤلف وينوع في المصادر، وهذا غير موات، ومع دوام ثلاثة أيام في الأسبوع تصبح المسألة أكثر إشكالية، كما أن لدينا نظاما تعليميا يعاني من مشاكل كثيرة، من ضمنها فاقد تعليمي، وبالتالي، يقول البعض إن التجربة في هذه اللحظة تزيد من الأسئلة والصعوبة؟
■ حسب قول الوزارة، فقد تمكنوا من جلب تمويل لهذه المدارس. لقد بدأوا بـ64 مدرسة، ومن ثم انتقلوا إلى 1600 مدرسة. أنا، برأيي، كان يجب أن ينتقلوا إلى 400 مدرسة، وفي عام آخر إلى 400 أخرى، بحيث يكون الانتقال تدريجيا. حينها، ما كان المجتمع سيثير القضية كما هو الحال اليوم، وأيضا كان يمكن أن يجربوا المشروع بهدوء، وبعدها يتم التقييم.
لكن، حسب تصريحات الوزارة، فإن كل المدرسين تم تدريبهم، أو سيتم تدريبهم، وطلبوا منا أن نتدخل في عملية التدريب. لقد وجهوا دعوات إلى المؤسسات التربوية كي تقدم المساعدة. كما طالبوا المجتمع بتقديم المساعدة، مثل توزيع الشاشات الذكية وآلات الطباعة… إلخ. في مثل الأزمات التي نمر بها، أنت لا تسأل نفسك هل تمتلك النقود أم لا. في حال كان لديك الأساس، فعليك الانطلاق، وهو ما فعلته الوزارة، ولاحقا لديها الأمل في أن تمتد يد المساعدة إليها من فلسطينيي الخارج والممولين والمجتمع المحلي.
□ لكن، كما بدا للجميع، أنهم أعلنوا عن النظام قبل الحديث مع أي من الأطراف؟ لقد صعّب ذلك المسألة عليهم؟
■ لو أنهم بدأوا بطرح الفكرة كرؤية، لكان أفضل لهم. مصادر التعلم المفتوحة تقع بين مسارين، المسار الأول: أنت تقترحها لتجديد العلاقة ما بين المعلم والطالب والأهل والمعرفة، وهذه الفكرة والرؤية الأساسية. أما المسار الثاني: فأنت تستخدم المصادر كأدوات لإثراء الكتاب المقرر.
الرؤية وتقديمها أهم مسألة، أي تجديد العلاقة بين المعلم والطالب والأهل والمعرفة. لا يعقل أن نعتمد على كتب مقررة لا نزال نحفظها، وكلها نصوص قديمة. المشكلة أنه بدلا من أن تتم مناقشة الموضوع بطريقة تربوية، يظهر التفاعل مليئا بالظنون والشكوك، وهذا يعود إلى عدم ثقة الناس بالسلطة الفلسطينية، وهذا جزء من المشكلة. شكوك المواطنين تتعاظم في ظل مرورنا بأزمات كثيرة تعصف بالفلسطينيين.
□ المشكلة بدت لنا أن المشروع أُعلن عنه من دون أن تقوم وزارة التربية والتعليم بحملة إعلامية للتوضيح، وبالتالي حصل ما حصل؟
■ صحيح، لكنهم عقدوا إحاطة إعلامية قبل أيام. الصحافة لم تنشر بشكل واسع، لكن كثرا أجروا مقابلات للحصول على وجهات نظر متخصصة حول الموضوع. بالتأكيد، هناك ملاحظات، وأنا انتقدت الوزارة من جانب الانتقال من 64 إلى 1600 مدرسة، فهذا تسرع وقفزة كبيرة. التطبيق المتدرج أفضل الطرق، وفي حال لم ينجح الأمر، عندها يمكن التراجع عن المشروع.
المسلمة الثابتة هي أنه إذا لم يفهم المجتمع رؤية المشروع وطبيعة هذا المنهج، فإنه لن يساعد في عملية إنجاحه، وسيفشل، رغم أنها رؤية صحيحة. الوزارة دعت مؤسسات المجتمع المدني خلال الأسبوع الماضي، وستتم دعوة الخبراء والمؤسسات والجامعات من أجل وضعهم في صورة النظام الجديد، والحقيقة أنه كان يجب أن يتم ذلك قبل عملية الإعلان، وهذا من الأخطاء التي وقعت فيها الوزارة. طرح المشروع على الناس وإجراء نقاش حوله مسألة مهمة، وكان من الممكن أن تكون أفضل بكثير من أن تذهب في الخطوة، ومن ثم تأخذ رأي الناس.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *