الإيماجي عزرا باوند ومن معه


كلما ذُكر تاريخ الحداثة الشعرية في الغرب ذُكرت هذه المدارس، أو الاتجاهات الفنية التي نهضت بها وأعلت من قيمتها في وجه من عارضوها؛ وهي: الرومانسية، والرمزية والسريالية. وكانت كل مدرسة، على التوالي، تمثل حقبة مشهودة من سيرورة تطورها الجمالي على أصعدة شتى، سواء في ألمانيا أو فرنسا أو إنكلترا. لكن قل من يذكر اتجاها آخر غيرها، عُرف على وجه الخصوص في إنكلترا وأمريكا، ولكن كان له تأثير كبير على إبدال الكتابة الشعرية وتقنياتها الجديدة، طوال القرن العشرين. وهذا هو الاتجاه التصويري الذي لُقب أصحابه بـ»الإيماجيين» Imagists، الذين برزوا ما بين سنتي 1909 و1917، واعتبر معظمهم في ما بعد من أهم ما أنجبت الحداثة الغربية في النصف الأول من القرن الفائت، مثل الشعراء عزرا باوند، وهـ. د (هيلدا دوليتل)، وريتشارد ألدنجتون، وإيمي لويل، وويليام كارلوس ويليامز، ود. هـ. لورانس، وفورد مادوكس فورد، وجيمس جويس، وغيرهم.

إبدال التشكيل بالصورة

يخصص الشاعر والمترجم نور الدين الزويتني في كتابه الترجمي الجديد أنطولوجيا تضم مختارات شعرية لأبرز شعراء هذا الاتجاه، تحت عنوان: «مَنْسِيو الحداثة في الشعر- أنطولوجيا الشعراء الإماجيين» (منشورات بيت الشعر في المغرب 2025). وقد صدر الكتاب بتقديم تعريفي يلقي الضوء على أصل تسمية الاتجاه الشعري، وعوامل نشأته، وخصائصه الفنية والجمالية، وأبرز شعرائه المؤثرين وما اختصوا به عن نظرائهم، قبل أن يترجم لكل واحد منهم طائفة من القصائد الموحية بأسلوبه ورؤيته للعالم.
قد يكون اندلاع شرارة الحرب العالمية الأولى، وما تركته من رعب ودمار ومن مجازر فظيعة، وراء ميل شعراء الشباب، من أوروبا أو أمريكا، إلى اكتشاف الوجه الآخر للحياة الإنسانية في هشاشتها وتفككها وقابليتها السريعة للتفتت، ومن ثمة إدراكهم زيف الخطاب المثالي عن الحرب والبطولة والمجد. كما كان للتقدم التكنولوجي السريع الذي شهده العالم في تلك الحقبة، أكبر الأثر في خلخلة البنى الفكرية والروحية للإنسان من خلال تصوراته عن الكون والخلق والحياة والموت وغيرها من مُسلمات عالم ما قبل الحداثة. وفي خضم هذا التحول وما ألقاه من أبعاد فلسفية وجمالية على الآداب الغربية في سعيها لمجابهة الصدمة الحضارية وتمثلها فكريا من جهة، والتقاط روح العصر والتعبير عنه بجلاء ضمن مغامرة الحداثة، انطلقت «التجربة الإيماجية» في كل من إنجلترا وأمريكا، وقدمت نفسها باعتبارها أحد التجارب الأساسية للحداثة الشعرية، بحيث استبدلت حساسيتها الجديدة بحساسية الشعر الرومانسي السائد آنذاك، والذي عُرف بضبابيته وذاتيته المفرطة واجتراره الصور والمواضيع الشعرية المكرورة.

لجأ الشعراء الإيماجيون – كما يذكر الكاتب- إلى استخدام اللغة اليومية في أشعارهم والابتعاد عن اللغة الفضفاضة والأفكار المجردة لشعراء الفترة السابقة عليهم، مثلما تميز شعرهم بتوظيف مواضيع جديدة وإيقاعات شعرية مبتكرة، وباستخدام مفردات دقيقة وصور ملموسة، صلبة وصادمة القوة. فقد كانت تحذوهم رغبة واحدة مشتركة تتمثل في البحث عن طرائق وتقنيات جديدة لكتابة شعر بديل يكون جديرا بالقراءة، وكانت مرجعياتهم الكتابية تتراوح بين الشعر الحر كشكل شعري، والاتجاهات الأدبية والفنية الثورية التي سادت آنذاك، وفي طليعتها الاتجاه الرمزي مع شارل بودلير وستيفان مالارميه وغيرهما. وإذا كان هذا الأخير قد أولى عنايته بالبعد الموسيقي وبـ»تراسل الحواس» على وجه خاص، فإن الإيماجيين قد قصروا اهتمامهم بالبعد التشكيلي عبر تجسيد الكلمات، لا سيما الكلمة الصلبة لا الرخوة والفضفاضة، في شكل صور، وقدرة كل كلمة منها على التحول إلى صورة في ذهن القارئ، ونقل انطباعات المعيش اليومي نقلا دقيقا. يذهب نور الدين الزويتني إلى أن الاتجاه الإيماجي يمكن توزيع مراحل تطوره الفني إلى ثلاث:

*تبدأ المرحلة الأولى مع الشاعر ت. هـ. هيوم T. E. Hulme وناديه في حي سوهو اللندني، وهي مرحلة بحث عن الصوت الخاص من خلال العودة إلى المنابع الإغريقية والرومانية للشعر، إلى جانب استلهام تجارب شعرية حديثة ومختلفة حتى تلك التي تنشط خارج حدود أوروبا، مثل الشعر الصيني القديم والهايكو الياباني.
*تتحدد المرحلة الثانية بانضمام الشاعر الأمريكي عزرا باوند Ezra Pound إلى الحركة وتزعمه لها بين سنتي 1912 و1914. فهو الذي سماها «الحركة الإيماجية» ومنح لها هويتها الأعمق وشخصيتها التي ميزتها عن نظيراتها، لا سيما من خلال تنظيره للصورة الشعرية بأنها عرض لبناء فكري وشعوري مركب خلال برهة من الزمن. وفي هذا السياق، حدد مبادئ الحركة في التعامل بشكل مباشر مع «الشيء» بغض النظر عن كونه ذاتيا أو موضوعيا، وعدم استخدام أي لفظة لا تضيف شيئا في عملية عرض «الشيء»، ثم مراعاة الكتابة حسب متواليات جمل موسيقية، لا حسب أي ضابط نظمي أو وزني.
*تميزت المرحلة الثالثة بانصراف الشاعر عزرا باوند عن الحركة، فيما آلت زعامتها إلى الشاعرة الأمريكية إيمي لويل Amy Lowell، التي عملت على طرح تصورها الجديد بإصدارها أنطولوجيا إيماجية ثانية، بعد أنطولوجيا عزرا باوند. وقد انبنى تصورها الذي لا يختلف جوهريا عن تصور باوند، على ستة مبادئ ذكرتها في تقديم الأنطولوجيا وهي: اعتماد مفردات لغة التخاطب اليومي بدقة، وخلق إيقاعات جديدة للتعبير عن حالات مزاجية جديدة انطلاقا من اعتماد الشعر الحر كأسلوب ملائم، واعتماد الحرية المطلقة في اختيار الموضوع، واعتماد الصورة أثناء التقاط التفاصيل بشكل دقيق ومحكم يجانب العموميات الغامضة ويتطلب التركيز الذي يمثل جوهر الشعر.
بعد سنة 1917 انفرط عقد الإيماجيين، وتوقفت الحركة عن التطور باعتبارها حركة قائمة الذات، لكن أثرها لم ينقطع في سياق تطور الحداثة الأدبية والشعرية في إنكلترا وأمريكا، بل كان أثرها واضحا على سبيل المثال في كتابات ممثلي «جيل البيت» The Beat Generation مثل هارت كرين، آلن غنسبرغ، ووليم كالوس وليم وغيرهم، وعلى أجناس أدبية مثل الرواية، كما في أعمال جيمس جويس الذي بدأ شاعرا إيماجيا. يقول المترجم: «لقد كان عمر الحركة قصيرا بسبب افتقارها لسند نظري فلسفي قوي، وهو السند الذي كان متوفرا لديها في بداياتها في شخص الشاعر والمفكر الإنكليزي ت. أ. هيوم الذي رزئت فيه الحركة عند تطوعه للقتال في الحرب العالمية الأولى ومقتله على أرض المعركة وعمره لم يتجاوز الرابعة والثلاثين. كما ترك انصراف الشاعر عزرا باوند عن تزعمها شرخا نظريا وكاريزميا لم يستطع أحد من الإيماجيين مَلْأَهُ. لكن الحركة مع ذلك ظلت ليس فقط رافدا شعرا حداثيا مهما، بل مَعْبَرا شعريا أساسيا في حركة الشعر الحديث، إذ ما من شاعر أساسي على مستوى الحداثة الشعرية في بريطانيا وأمريكا إلا ومر من هناك أولا».

شعراء إيماجيون

اختار المترجم نور الدين الزويتني، بعناية خاصة ومقدرة ترجمية فائقة، تلك القصائد المعبرة عن تجربة الحركة الإيماجية لأبرز شعرائها الأساسيين، وهم: عزرا باوند، وت. إ. هيوم، ريتشارد ألدينغتون، ف. س. فلينت، هيلدا دوليتل (هـ. د)، ألن أبوارد، سكيبويد كانيل، جون غولد فليتشر، جون كورنوس، إيمي لويل، وليام كارلوس وليامز، جيمس جويس، فورد مادوكس فورد، د. هـ. لورنس. فكل شاعر من هؤلاء الشعراء، رغم اجتماعهم على تجديد الشكل الفني للقصيدة وإيلاء القيمة للبعد التصويري- التشكيلي لها، إلا أنه كان لكل واحد منهم ما يتفرد به عن نظرائه داخل الحركة؛ فهذا زعيمهم عزرا باوند أحس بضرورة التفكير في شكل جديد للقصيدة كما مقالته الشهيرة «بضعة محاذير من شاعر إيماجي». وهذا هيوم كان يدعو إلى الصرامة الموضوعية والضبط والصلابة والإحكام في كتابة الشعر مع الانفتاح على جميع الفنون، وهذا ف. س. فلينت الذي تعكس نصوصه الصرامة الفنية لهذه الحركة وحرصها الشديد على الاقتصاد اللغوي، وعمل وليام كارلوس وليامز على تطوير خصوصية أمريكية في التعبير الشعري، فيما آمنت إيمي لويل بالشعر الحر للتعبير بشكل أفضل من أي أشكال تقليدية، لأن استخدام إيقاع جديد في الشعر يعني التعبير عن أفكار جديدة وجريئة؛ وهي تلك الأفكار التي دافع عنها شعراء الحركة ولم يتنازلوا عن حريتهم فيها قيد أنملة.

ميثاق عزرا باوند
أبرمُ معك هذه الهدنة يا والت ويتمان-
لقد أبغضْتُك كفاية.
وها أنذا آتيك اليوم مثل ابن بلغ الرشد
لأب صعب المراس؛
بالغٌ رشدي كفاية لأقيم صداقات مع آخرين.
كنت أنت قاطع الخشب الخام
وها حان وقت النقش عليه.
نسغ واحد يجمعنا، جذر واحد-
فلنتبادل الأخذ والعطاء.

الشاعر ت. إ. هيوم
على طاولة كبيرة، ملساء، انحنى نشوان،
من حلم ما.
لقد تحادث ومشى مع الأشجار في الغابة.
كان قد ترك العالم
ثم عاد بعوالمَ دائرية الشكل، وبصور من حجر،
بأحجار كريمة وألوان، صلبة وواضحة.
بهذه على الطاولة الملساء
كان يلهو في حلمه.

خاتمة ريتشارد ألدينغتون
نحن بعض من أولئك الذين شاهدهم دانتي
فرحين، بسبب الحب، وسط حمم الجحيم،
جسورين بقبلة الغضب الجبارة.
لأننا عبرنا جحيما أشد ضراوة،
بين مدارات أشد وحشة ويأسا
مما تخيله دانتي أبدا:
سوى أن المحبة رغم ذلك صانت الفرح داخلنا.

الخزاف ألن أبوارد
رمى الخزاف الذي كان منهمكا في خلق العالم،
بشيء بدا له كتلة طين عديمة الفائدة،
ثم انتبه أن الشيء الذي رمى به لم يكن سوى يده اليسرى.

أغنية ما: وليام كارلوس وليامز
للأفعى أن تنتظر
تحت الحشائش
وللكتابة أن تكون
كلمات بطيئة وسريعة، حادة
الضربات، هادئة الانتظار،
يقظة.
– تُصالح عبر المجاز
الحجارة والناس.
تؤلف. (لا أفكارا
بل أشياء) تبتكر!
زهرة «كاسر الحجر» هي زهرتي التي تشق
الصخر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *