لندن-وكالات-دويتشه فيله »القدس العربي»: تخطت موجة الحر التي اجتاحت أوروبا 35 درجة مئوية، وطالت 150 مليون شخص على الأقلّ، بينهم أكثر من 50 مليونا في ألمانيا و30 مليونا في فرنسا.
وأشارت تحليلات وبيانات إلى أن الحرارة تخطت30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا وحدها (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها طالت حوالي سبعة أشخاص من كلّ عشرة.
ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليونا في إيطاليا و15 مليونا في هولندا.
وفي البلدان التي تعاني من هذه الموجة منذ أيام عدة كفرنسا وبريطانيا، بدأت المستشفيات تستنفد قدراتها الاستيعابية، وأُعيد إحياء خلايا الأزمات، وبدأ إحصاء الوفيات بين كبار السن وذوي الأمراض المزمنة والأطفال والمراهقين والمشرّدين، إذ أن الحرّ يتسبب بالموت، إن غرقا، أو جرّاء فرط الحرارة، أو بفعل النوبات القلبية الناجمة عنه.
وفي بريطانيا، باتت المنظومة الصحية «على مشارف الانهيار»، وفق ما لاحظت نائبة رئيس الكلية الملكية للجراحين الدكتورة هيلاري وليامز.
وقالت الطبيبة «نحن جميعا مندهشون إلى حدّ كبير من مدى ارتفاع الحرارة». وأضافت «مرضانا يشعرون بحر شديد… والطاقم الطبي أيضا في الواقع، أعتقد أن هذه الحوادث الحرجة أظهرت لنا أن الآلات عاجزة عن مواكبة الوضع».
اليونيسف تحذر
لا تقتصر عواقب تغير المناخ على الطقس فقط، بل يعاني منها الأطفال بشكل كبير. وحذرت اليونيسف في أحدث دراساتها من أن طفلا من بين كل طفلين على وجه الأرض مُعرّض لمخاطر متعددة مرتبطة بالمناخ.
ويعيش حوالي 2.4 مليار طفل في العالم، نصفهم تقريبا يُعاني من مخاطر مناخية متعددة، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف، أو مخاطر أخرى كالتلوث الهوائي والملاريا.
ويرسم تقرير اليونسيف مخاطر المناخ على الأطفال للعام 2026، مستنداً إلى أحدث البيانات المتاحة، تعنى بانكشاف الأطفال على ثمانية من أكثر التهديدات المناخية شيوعاً، وهي: الفيضانات الساحلية، وموجات الجفاف، والحر الشديد، والحرائق، وموجات الحر، والفيضانات النهرية، والعواصف الرملية والترابية، والعواصف الاستوائية.
ويكشف التقرير للمرة الأولى عن المواقع الدقيقة لتأثير هذه التهديدات المناخية المتعددة والمتداخلة على الأطفال والخدمات الاجتماعية الأساسية التي يعتمدون عليها، مبيّنا مدى شدتها والإجراءات الملموسة التي اتخذتها الحكومات للاستجابة لها.
جغرافية الأزمة
في منطقة الساحل الأفريقية، وهي إحدى أكثر المناطق تضرراً، يواجه ما يربو على 4 ملايين طفل خطرا ثلاثيا إذ يجتمع عليهم الحر الشديد وموجات الحر والعواصف الرملية والترابية؛ بينما يواجه أقرانهم في بلدان آسيوية عدة، مثل بنغلاديش وميانمار وباكستان، أعداداً أكبر من الأخطار المناخية المتزامنة، بكثافة تفوق أي مكان آخر في العالم.
ولا تعدَ البلدان مرتفعة الدخل بمنأى عن هذه الصدمات المناخية المتداخلة؛ إذ تبيّن البيانات، على سبيل المثال، أن أكثر من 6 ملايين طفل في إيطاليا تهددهم موجات حر وجفاف طويلة.
بيد أن تجربة هذا البلد توضح كيف يمكن للاستثمار في التكيف مع تغير المناخ أن يخفف من وطأة بعض المخاطر التي يواجهها الأطفال، مع تسليط الضوء في الوقت ذاته على ضرورة اتخاذ خطوات إضافية مع اشتداد أزمة المناخ.
وقد حللت اليونيسف ثمانية مخاطر مناخية في تقريرها الذي نشرته على موقعها الرسمي، مستندة إلى بيانات من جميع دول العالم تقريبا. ويُعدّ الوضع بالغ الخطورة في منطقة الساحل، في دول مثل تشاد ومالي والسودان. وتقول كاتيا سودومان، المتحدثة باسم اليونيسف: «يتعرض أكثر من مليار طفل لثلاثة مخاطر مناخية في آن واحد».
ويشكل الحر خطرا كبيرا على أجسام الأطفال، إذ تُعدّ الظواهر الجوية المتطرفة، كموجات الحر، من أبرز المخاطر التي تُصيب الأطفال، نظرا لضعف قدرة أجسامهم على تحمّل الحرارة.
ويقول كريستوف فيتاش، المتحدث باسم لجنة صحة الطفل وتغير المناخ التابعة للجمعية الألمانية لأطباء الأطفال والمراهقين: «يتعرق الأطفال بشكل أقل، ولا يملكون قدرة كافية على تبديد الحرارة مقارنةً بالبالغين».
ويزداد هذا الضغط على الأطفال الصغار والرضع، إذ يحتاج الأطفال إلى كميات أكبر من الطعام والماء لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وهم عموما أكثر عرضة للظواهر الجوية المتطرفة كالعواصف والفيضانات. وكلما صغر سن الطفل، ازداد اعتماده على حماية البالغين.
ففي عام 2025 وحده، شهد العالم 157 ظاهرة جوية متطرفة، كالفيضانات في جنوب شرق آسيا وحرائق الغابات في جنوب أوروبا. ولا تقتصر هذه الظواهر على كونها تهديدا مباشرا لحياة الأطفال فحسب، بل إن تغير المناخ يُفاقم أيضا من حدة المناخات الحارة والرطبة في بعض المناطق، مما يؤدي إلى زيادة أعداد البعوض الناقل لمرض الملاريا الذي قد يكون مميتا.
تغير المناخ وعدم المساواة
تتأثر العديد من الدول الناشئة والنامية بشدة بتغير المناخ، لكن القدرة على التكيف مع تغير المناخ تُعدّ أيضا مسألة مالية: فالذين يستطيعون تحمل تكلفة تكييف الهواء في منازلهم مثلا، يتأقلمون بشكل أفضل مع موجات الحر، كما توضح ستيفاني بوسرهوف، رئيسة قسم طب الأطفال والمراهقين في مستشفى ماريان في فيزل.
تُجري المتحدثة أيضا دراسات حول الآثار الصحية لتغير المناخ، وتشرح بوسرهوف عبر تقرير لموقع تاغسشاو الألماني أن الأطفال الذين يعانون من أمراض أو إعاقات سابقة، وكذلك الأطفال الذين يتناولون أدوية، يتأثرون بشكل أكبر بموجات الحر: «إذا كان الطفل يتناول دواء لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فإن عطشه يقل، ما قد يؤدي إلى مشاكل حتى في ساحة المدرسة عندما ترتفع درجة الحرارة بشدة».
ويشير طبيب الأطفال فيتاش إلى أنه حتى في ألمانيا، فإن مراكز رعاية الأطفال ورياض الأطفال غير مجهزة هيكليا للتعامل مع الأيام الحارة المتزايدة. فحتى مراكز رعاية الأطفال التي تم بناؤها حديثا «يتم بناؤها ببساطة دون أي تخطيط مسبق، وهذا أمر مثير للاستغراب».
ويقول المتحدث باسم اليونيسف، سودومان، إن تقرير اليونيسف يجب أن يكون بمثابة إشارة تحذير، مؤكدا على الحاجة المُلحة لخفض الانبعاثات الضارة بالمناخ.
وأضاف المتحدث أنه «إلى جانب تدابير حماية المناخ، ثمة عدد من التعديلات الضرورية. ويشمل ذلك بناء رياض أطفال ومدارس ومنازل مقاومة لتغير المناخ، ولكن ينبغي أيضا منح الأطفال والشباب أولوية سياسية أكبر. ويحتاج الأطفال إلى أن يكون لهم صوت مسموع في سياسات المناخ. فهم أقلّهم مسؤولية، لكنهم الأكثر تضررا».