الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يطالبون بتوفير الشروط العملية لممارسة حقوقهم



 الطاهر الطويل

الرباط ـ «القدس العربي»: أكد بحث ميداني حول الإعاقة في المغرب أن انتظارات الأشخاص في وضعية الاحتياجات الخاصة تعكس الحاجة إلى الانتقال من مجرد الاعتراف بالحقوق إلى توفير الشروط العملية لممارستها على قدم المساواة. وأبرزت نتائج البحث المطالبة بضمان الولوج الفعلي إلى الحقوق والخدمات الأساسية، ولا سيما في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف.
ففي مجال الصحة، تتركز الأولويات حول تخفيف العبء المالي وتحسين جودة التكفل وتوفير خدمات متخصّصة وميسّرة وقريبة. وفي مجال التعليم، تتجه الانتظارات نحو الدعم المالي وتيسير الولوج والاستقبال ومواكبة الأسر وتوفير شروط التربية الدامجة والاستمرار والنجاح الدراسي. أما في مجال التوظيف، فتتمحور المطالب حول توسيع فرص العمل والتدريب وتعزيز المواكبة والتوظيف الذاتي وتهيئة بيئة العمل.
وتكشف هذه الأولويات أن الطلب الاجتماعي للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يتجاوز منطق المساعدة إلى منطق التمكين والاستقلالية؛ أي توفير منظومة متكاملة تزيل العوائق الاقتصادية والمؤسسية والبيئية، وتتيح لهم الولوج إلى الصحة والتعليم والعمل، باعتبارها حقوقًا أساسية ومرتكزات للمشاركة الكاملة في المجتمع.
ويكشف البحث الميداني الذي تلقّت «القدس العربي» نسخة منه، أن الانتظارات في مجال التعليم لا تقتصر على إتاحة مقعد دراسي، بل تمتد إلى توفير شروط الاستمرار والنجاح والإنصاف وتأتي المنحة الدراسية أو التدريبية في مقدمة المطالب، بما يعكس أهمية العامل الاقتصادي في تمكين الأطفال والشباب في وضعية إعاقة من الولوج إلى التعليم ومواصلة مسارهم الدراسي أو التدريبي.

مواكبة الأسر الفقيرة

ويبرز مطلب تيسير التسجيل والاستقبال، وهو ما يشير إلى استمرار وجود عوائق في الولوج إلى المؤسسات التعليمية والإجراءات المرتبطة بهذا المطلب. كما يطالب مستجوبون في البحث الميداني بمواكبة الأسر الفقيرة، ما يؤكد أن كلفة الإعاقة ومتطلبات التعليم قد تشكل عبئًا إضافيًا على الأسر ذات الدخل المحدود.
وتكشف المطالب الأخرى عن الحاجة إلى منظومة دعم متكاملة داخل المؤسسة التعليمية، ما يؤكد أن الإدماج الفعلي لا يتحقق بمجرد الولوج إلى المدرسة، بل يتطلب تكييف طرق التعليم والتقييم وفق حاجات المتعلمين.
وتكشف النتائج أن رفض التسجيل بسبب الإعاقة يأتي في المرتبة الأولى ضمن أسباب عدم الولوج إلى المدرسة، بنسبة 42.4 في المئة، يليه عدم قدرة الأسرة على توفير خدمة المرافقة بنسبة 26.9 في المئة.
على صعيد آخر، تكشف انتظارات «الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة» في مجال التوظيف عن أولوية واضحة للانتقال من المبادئ والحقوق إلى آليات فعلية تضمن الولوج إلى سوق العمل. ويأتي تفعيل حصة التوظيف المخصصة في مقدمة الانتظارات، بما يعكس الحاجة إلى جعل التدابير القانونية المتعلقة بالتوظيف أكثر فعالية وأثرًا في الواقع.
ويبرز في المرتبة الثانية ضمان مواكبة التوظيف الذاتي، إلى جانب المطالبة بالمزيد من فرص العمل والتدريب، وهو ما يعكس تنوع المسارات التي يتطلع إليها الأشخاص في وضعية إعاقة بين العمل كأجراء والمبادرة الذاتية. كما يظهر طلب واضح على خدمات مخصصة داخل «الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل» (مؤسسة رسمية للوساطة في الحصول على وظائف)، وعلى تهيئة «الولوجيات» وتحسينها، بما يؤكد أن الإدماج المهني لا يرتبط فقط بتوفير منصب عمل، بل كذلك بوجود خدمات للتوجيه والمواكبة وبيئة عمل ميسرة.
وتشير هذه الانتظارات إلى أن الرهان الأساسي هو الانتقال من سياسة توفير فرص محدودة إلى منظومة متكاملة للإدماج الاقتصادي، تجمع بين تطبيق حصة التوظيف والتدريب والمواكبة وتيسير التوظيف الذاتي، وتهيئة أماكن العمل، وتحفيز القطاع الخاص. فالعمل بالنسبة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ليس فقط مصدرًا للدخل، بل مدخل أساسي للاستقلالية والكرامة والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية

وسعى البحث الميداني حول الإعاقة الذي انطلق منذ مطلع العام الجاري، وعرضت نتائجه منذ أيام قلائل، إلى تعزيز المعرفة العلمية بقضايا الإعاقة في المغرب، وتوفير المعطيات الدقيقة والمحيّنة المبنية على الأدلة لتوجيه السياسات والبرامج العمومية للنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
كما هدف إلى ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية (تقليص الفوارق بين الأقاليم) والمساواة في الولوج إلى الحقوق والخدمات، وضمان المشاركة الكاملة والفعالة للأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارهم فاعلين وشركاء في التنمية.
وسجل البحث معدل انتشار وطني للإعاقة بلغ 8.7 في المئة، سنة 2026، مقابل النسبة المسجلة سنة 2014 والتي تقدر بـ 6.8 في المئة أي بارتفاع قدره 1.9 نقطة مئوية.
ويعود قياس الزيادة البالغة 1.9 نقطة مئوية إلى كون البحث الجديد اعتمد منهجية موسعة وأدوات قياس أكثر دقة، بما عزز القدرة على التقاط الصعوبات الوظيفية والحالات الأقل ظهورًا، بما فيها الحالات التي قد لا تكون مشخّصة أو مصرحًا بها بالطرق التقليدية.
ومن أبرز المعطيات التي ينبغي الوقوف عندها أن نحو 29 في المئة من الأسر المغربية معنية بالإعاقة أي ما يقارب أسرة واحدة من كل ثلاث أسر، مقابل نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر سنة 2014.
وتحمل نسبة الأسر المعنية بالإعاقة دلالة اجتماعية مهمة، لأنها تظهر أن آثار الإعاقة لا تقتصر على الشخص المعني، وإنما تمتد إلى الأسرة من خلال الرعاية والمواكبة والتكاليف المباشرة وغير المباشرة، وتأثير الإعاقة في الدراسة والعمل والدخل والحياة الأسرية والاجتماعية؛ ما يبرز اتساع نطاق الأسر التي ينبغي أن تراعيها السياسات العمومية عند تصميم برامج الحماية الاجتماعية والدعم والمواكبة والخدمات.
على صعيد آخر، أفرز البحث معطيات حول شدة الإعاقة، حيث بلغت نسبة الإعاقة الشديدة حوالي 2.3 في المئة، وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة للسياسات العمومية، لأن الأشخاص الذين يواجهون صعوبات شديدة قد يحتاجون إلى مستويات أكبر من الدعم والمواكبة والخدمات المتخصصة والمساعدات التقنية والترتيبات التيسيرية.
وتظهر النتائج أن النساء أكثر عرضة نسبيًا للإعاقة من الرجال، وتستدعي هذه النتيجة قراءة خاصة من منظور النوع الاجتماعي، لأن النساء في وضعية إعاقة قد يواجهن وضعية تقاطع بين عدة عوامل من عدم المساواة، سواء في الولوج إلى التعليم أو الصحة أو العمل أو الخدمات الاجتماعية.
ومن ثم، فإن السياسات العمومية المتعلقة بالإعاقة تحتاج إلى مراعاة البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي وعدم التعامل مع الأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارهم فئة متجانسة.
كما تؤكد النتائج وجود ارتباط واضح بين التقدم في السن وارتفاع الإعاقة، ذلك أن نسبة الأشخاص المسنين الذين لديهم إعاقة متوسطة إلى شديدة تقدر بحوالي 26 في المئة.
وتبرز هذه المعطيات أهمية تطوير سياسات متكاملة للشيخوخة والإعاقة، تقوم على الوقاية والرعاية الصحية والاجتماعية، وإعادة التأهيل الوظيفي، ودعم الاستقلالية، وخدمات المساعدة والمواكبة في المنزل. كما تؤكد أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع سيجعل من تقاطع الشيخوخة والإعاقة والنوع الاجتماعي تحديا متزايدا أمام السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة.

تفاوتات بين المدن والأرياف

وتكشف النتائج أيضًا عن تفاوتات بين المدن والأرياف، إذ يسجل ارتفاع طفيف في نسبة انتشار الإعاقة في القرى مقارنة بسنة 2014. ولا يمكن فصل هذه النتيجة عن طبيعة الظروف الاجتماعية والمجالية، وعن تفاوت الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية والتأهيلية، وكذلك إلى وسائل النقل والبنيات والخدمات المتخصصة. وتؤكد معطيات البحث أهمية الانتقال من سياسة موحدة إلى سياسات أكثر استهدافًا، تراعي الحاجات الفعلية لكل إقليم.
على مستوى أنواع الإعاقة، تشكل الإعاقة الحركية أعلى نسبة في المغرب ككل، متبوعًا بالإعاقة البصرية والإعاقة المرتبط بقصور العناية الذاتية. وتكتسي هذه النتيجة أهمية عملية، لأنها تساعد على تحديد طبيعة الخدمات والتجهيزات التي ينبغي تطويرها، سواء تعلق الأمر بـ«الولوجيات» أو الأجهزة والمساعدات التقنية أو إعادة التأهيل أو خدمات المرافقة.
من جهة أخرى، تشير النتائج إلى أن ما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة يتوفرون على حماية اجتماعية. ويمثل ذلك تقدمًا مهمًا في سياق تعميم «الحماية الاجتماعية»، غير أن المعطى يعني في الوقت نفسه أن جزءًا مهمًا من الأشخاص لا يزال خارج التغطية.
وتظهر النتائج استفادة نسبة تقارب النصف من التأمين الإجباري على المرض، ما يعكس الدور المتزايد لمنظومة الحماية الاجتماعية في تسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية.
وبين البحث الوطني أن عدم استفادة الثلث المتبقي من الحماية الاجتماعية يرتبط بعدة عوامل، من بينها ضعف القدرة على أداء الاشتراك والصعوبات الإدارية و«عتبة مؤشر» الدعم الاجتماعي المباشر.
وتشير النتائج إلى أن 65.6 في المئة من ذوي الاحتياجات الخاصة يصرحون بأن مصاريف الأدوية والصيدلة تبقى على عاتق الأسرة وتكشف هذه النتيجة عن وجود فجوة بين الاستفادة من التغطية الصحية وبين القدرة الفعلية على تحمل مختلف النفقات المرتبطة بالإعاقة. فالتكلفة لا تقتصر على العلاج، وإنما قد تشمل الأدوية والتنقل وإعادة التأهيل والمساعدات التقنية والمستلزمات الخاصة وخدمات المرافقة. ومن ثم، فإن الرعاية الصحية للأشخاص في وضعية إعاقة تحتاج إلى مقاربة متكاملة تتجاوز التغطية الطبية المباشرة إلى مختلف مكونات الرعاية والدعم.
وتبيّن المعطيات أن أبرز الصعوبات المرتبطة بولوج المسكن في المدن تتمثل في صعوبة اجتياز ممر الولوج، وجود درج يصعب صعوده، غياب ممرات مهيأة وآمنة، وصعوبة الدخول عبر الباب الرئيسي، غياب المصعد، وجود مصعد غير ملائم. وتكشف هذه النتائج أن العوائق المعمارية داخل وحول المسكن تشكل أحد أبرز التحديات أمام الاستقلالية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالممرات والدرج ومداخل المباني.
تكشف هذه المؤشرات أن الولوجية ما تزال شرطًا غير مكتمل للاستقلالية؛ فالعائق قد يبدأ من باب المسكن وممره، ويمتد إلى التنقل والمشاركة في الحياة اليومية. ولذلك، فإن تعزيز الولوجيات لا ينبغي أن ينظر إليه كإجراء تقني فقط، بل كمدخل أساسي لضمان الاستقلالية والكرامة والمشاركة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة.
وتعمّق الإعاقة الحركية فجوة التنقل والاستقلالية، ذلك أن صعوبة التنقل لدى الأشخاص ذوي القصور الحركي لا تبدأ عند استخدام وسيلة النقل، بل قد تبدأ قبل ذلك، من القدرة على مغادرة المنزل والوصول إلى وسيلة النقل أصلاً. وتؤكد هذه النتائج أن تحسين الولوجية يتطلب معالجة سلسلة التنقل بأكملها، من المسكن والفضاء العام إلى محطات النقل ووسائله، بما يضمن الاستقلالية والحق الفعلي في التنقل والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *