متابعة/المدى
يتجدد الجدل بين بغداد وأربيل حول كلفة إدارة مخيمات النازحين، بعدما طالبت حكومة إقليم كردستان بمستحقات مالية تقارب مليارَي دينار عراقي مقابل خدمات المياه والكهرباء المقدمة لعشرات الآلاف من العائلات التي لا تزال تقيم في المخيمات منذ سنوات.
وبحسب وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، فإن حكومة الإقليم تقدمت بطلب لتغطية هذه النفقات، في وقت أُحيل فيه الملف إلى لجنة حكومية مختصة لدراسته.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة علي عباس أن المبلغ المطلوب لا يمثل سوى جزء من كلفة أوسع تراكمت على مدى سنوات، تشمل أيضاً أجور الأراضي المقامة عليها المخيمات وتعويضات يطالب بها مالكوها نتيجة الاستخدام الطويل.
في محافظتي دهوك وأربيل، لا تزال 22 مخيماً قائمة، تحولت تدريجياً إلى ما يشبه “مدناً غير رسمية” تعتمد بالكامل على التمويل الحكومي والدعم الإنساني، في ظل غياب حلول نهائية لملف النزوح. وبينما تبدو خدمات الماء والكهرباء من أساسيات الحياة، إلا أنها أصبحت جزءاً من معادلة مالية وسياسية معقدة.
من جهتها، ترى حكومة الإقليم أنها تحملت أعباء إنسانية كبيرة تفوق إمكاناتها، إذ أكد عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني كاوه الريكاني، في حديث تابعته(المدى) أن الإقليم استمر لسنوات في تقديم الخدمات الأساسية رغم أزماته المالية، مشيراً إلى أن المطالبة بالمستحقات لا تقتصر على الكهرباء والمياه، بل تشمل منظومة متكاملة من الخدمات الممتدة لأكثر من عقد.
في المقابل، تتعامل الحكومة الاتحادية مع الملف من زاوية إدارية ومالية تتطلب التدقيق قبل صرف أي مبالغ، ما يعكس تداخلاً بين الاعتبارات الإنسانية والحسابات السياسية.
بعيداً عن هذا السجال، يعيش النازحون واقعاً مختلفاً، إذ تحولت الخيام إلى مساكن شبه دائمة، وسط بنية تحتية محدودة وفرص عمل نادرة. ويقول أحمد علي، في حديث تابعته(المدى) وهو نازح من سنجار يقيم في أحد مخيمات دهوك، إن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الخدمات، بل تشمل شعوراً عاماً بانسداد الأفق.
ويضيف أن المياه والكهرباء غير مستقرتين، إذ تنقطع الكهرباء لساعات طويلة في الصيف، فيما تتفاقم معاناة البرد والرطوبة خلال الشتاء، ما يعكس واقعاً معيشياً صعباً مستمراً منذ سنوات.
هذا الواقع يعكس تحول النزوح من حالة طارئة إلى نمط حياة دائم لآلاف العائلات، في ظل استمرار التحديات الأمنية وضعف الخدمات في مناطقهم الأصلية، ما يعرقل عودتهم.
وكانت السلطات العراقية قد طرحت أمام النازحين ثلاثة خيارات: العودة إلى مناطقهم، أو البقاء في الإقليم، أو الانتقال إلى محافظات أخرى، إلا أن ناشطين يرون أن هذه الخيارات تبقى نظرية أكثر من كونها قابلة للتطبيق.
وفي هذا السياق، يؤكد الناشط الحقوقي حسام علي، خلال حديث تابعته(المدى) أن العودة تتطلب بيئة آمنة وخدمات متكاملة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، مشيراً إلى أن الاستقرار في الإقليم يواجه تحديات قانونية واقتصادية، في حين لا توجد برامج واضحة لإعادة التوطين.
ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى نشوء جيل كامل داخل المخيمات، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية ونفسية طويلة الأمد.
ويعكس الخلاف حول المستحقات المالية جانباً من التوتر المزمن بين بغداد وأربيل، حيث يتداخل الملف الإنساني مع ملفات أخرى تتعلق بتقاسم الموارد والصلاحيات، في ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة ملف النزوح.
وتعود جذور الأزمة إلى صيف عام 2014، حين اجتاح تنظيم “داعش” مناطق واسعة من العراق، ما أجبر ملايين المواطنين على النزوح. ورغم إعلان هزيمة التنظيم لاحقاً، إلا أن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة، خصوصاً في المناطق التي تعرضت لدمار واسع.
ومع إغلاق العديد من المخيمات في محافظات الوسط والجنوب، بقيت مخيمات إقليم كردستان تستقبل عشرات الآلاف من النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة، لتبقى هذه المخيمات شاهداً على أزمة لم تجد طريقها إلى الحل بعد.
وفي ظل استمرار الخلافات حول الكلفة والمسؤولية، يبقى ملف النزوح مفتوحاً على احتمالات متعددة، فيما يواصل النازحون دفع الثمن الأكبر، بين نقص الخدمات وطول الانتظار، دون مؤشرات واضحة على نهاية قريبة لهذه الأزمة.