فرنسا- “القدس العربي”: قالت ريما حسن، السياسية والمحامية الفرنسية اليسارية من أصول فلسطينية، وعضو البرلمان الأوروبي عن حزب “فرنسا الأبية”، إنه في غضون عامين، رفعت ضدها 22 دعوى قضائية بسبب مواقفها السياسية، فيما لا يكترث القضاء الفرنسي بملاحقة المسؤولين عن هذه الإبادة الجماعية، ولا من يبررونها علنا.
وتستعد حسن، التي تعد أول فرنسية من أصل فلسطيني تنتخب للبرلمان الأوروبي، وتعرف بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، لمحاكمة جديدة بعد إحالتها إلى القضاء الفرنسي بتهم تتعلق بـ”تمجيد الإرهاب”.
وفي حديثها الخاص مع صحيفة “القدس العربي”، اعتبرت الإجراءات المتخذة ضدها منذ بداية ولايتها ذات طابع سياسي واضح، وشددت على أنها لا تستهدف إسكاتها فقط، بل تستهدف أيضا كل من يدافع عن فلسطين.
اعتبرت حسن الإجراءات المتخذة ضدها منذ بداية ولايتها ذات طابع سياسي واضح، وشددت على أنها لا تستهدف إسكاتها فقط، بل تستهدف أيضا كل من يدافع عن فلسطين
وتفخر حسن بدور المواطنين والجمعيات والمنظمات والمبادرات المدنية الفرنسية، الذين ينخرطون في النضال لصالح فلسطين رغم التضييق المتزايد على الحريات الأساسية، لكنها تدرك أن الصورة على الصعيد السياسي تثير الكثير من القلق، في ظل أن ما يحدث معها غير مسبوق.
وتضيف: “إنها المرة الأولى التي يوضع فيها نائب في البرلمان الأوروبي رهن الاحتجاز لدى الشرطة بموجب “التلبس بالجرم المشهود” بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، في التفاف واضح على الضمانات التي تكفلها الحصانة البرلمانية”.
وتشدد على أن ما يبعث على القلق هو استخدام القانون بصورة انتقائية لاستهداف مواقف سياسية، ولا سيما تلك التي تندد بانتهاكات القانون الدولي أو تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وهو أمر يترافق مع تنامي تطبيع الخطاب المؤيد لإسرائيل.
وفيما يلي نص الحوار:
تسيرين بثقة نحو المحاكمة.. كيف تديرين هذا الملف، ولا سيما أنه يتجاوز شخصك وموقفك المحدد؟ وهل ترين أن الأمر يتعلق بتأويل قانوني لمنشور محدد، أم بمحاكمة أوسع لموقفك السياسي من فلسطين وغزة؟
منذ انتخابي، أتعرض لحملة استهداف سياسية وإعلامية، بل وقضائية أيضا، لا هدف لها سوى تشويه نضالي من أجل القضية الفلسطينية وإسكات كل من يرفع صوته من أجل فلسطين، مثلي.
حسن: في غضون عامين، رُفعت ضدي 22 دعوى قضائية بسبب مواقفي السياسية التي عبرت عنها في إطار ممارستي لمهامي البرلمانية، أي بمعدل يقارب دعوى واحدة كل شهر
الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح حجم ما أتعرض له. ففي غضون عامين، رفعت ضدي 22 دعوى قضائية بسبب مواقفي السياسية التي عبرت عنها في إطار ممارستي لمهامي البرلمانية، أي بمعدل يقارب دعوى واحدة كل شهر. وقد حفظت 19 منها دون اتخاذ أي إجراء، ولا تزال 3 قيد النظر.
هل تشعرين أن محاكمتك تحمل رسالة ردع إلى الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل أوروبا؟ وما الذي تكشفه، برأيك، عن حدود التضامن مع الفلسطينيين في المجال العام الأوروبي؟
الإجراءات المتخذة ضدي منذ بداية ولايتي ذات طابع سياسي واضح. فهي لا تستهدف إسكاتي فقط، بل تستهدف أيضا كل من يدافع عن فلسطين ويجاهر بدعمه لها. وهي تندرج ضمن سياق أوسع من القمع المتصاعد للأصوات المتضامنة مع فلسطين.
ومنذ بداية الإبادة الجماعية، نشهد تصاعدا غير مسبوق في قمع الأصوات المؤيدة لفلسطين. فقد ارتفع عدد الملاحقات القضائية بشكل غير مسبوق، وتتعرض التحركات الطلابية لتدخلات الشرطة، وتمنع الندوات والمؤتمرات، ويفصل موظفون من أعمالهم، وغيرها من الإجراءات التي تصب جميعها في الاتجاه نفسه.
إن هذا المسار يعكس توجها سياسيا اعتمدته السلطات الفرنسية منذ الأيام الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر. ففي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصدر وزير العدل الفرنسي السابق، إريك دوبون-موريتي، تعميما دعا فيه القضاة إلى الاستناد إلى الترسانة القانونية القائمة، ولا سيما التشريعات المتعلقة بالإرهاب وقانون “الانفصالية”، لملاحقة التصريحات التي تعتبر شديدة التطرف.
ويكشف ذلك بوضوح كيف وظفت السلطة السياسية هذه القضية لفرض قراءتها للأحداث، واستخدمت تهمة “تمجيد الإرهاب” أداة لقمع الأصوات التي تندد بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل، وتواطؤ الحكومة الفرنسية. فالذين ينبغي أن يمثلوا أمام العدالة هم مرتكبو الإبادة الجماعية، لا الذين ينددون بها.
في حال كانت رسالة ردع، كيف تصفين مواقف التيار المؤيد لفلسطين؟ وما حجم التحالف والتضامن معك؟ نريد تسليط الضوء على ذلك كي تصل الوقائع إلى القراء في العالم العربي.
على صعيد المجتمع المدني، تبذل الجمعيات والمنظمات والمبادرات المدنية، إلى جانب المواطنات والمواطنين المنخرطين في هذا النضال، كل ما في وسعها، رغم التضييق المتزايد على الحريات الأساسية، من أجل إدانة الإبادة الجماعية المستمرة والدفاع عن نضال الشعب الفلسطيني. وتستحق هذه التعبئة كل التقدير، رغم ما تواجهه من قمع ومحاولات ترهيب متصاعدة.
أما على الصعيد السياسي، فالصورة أكثر إثارة للقلق. ففي فرنسا، تعد حركة “فرنسا الأبية” من بين القوى السياسية النادرة التي تواصل الدفاع عن هذه القضية بشكل ثابت وواضح. وفي البرلمان الأوروبي، يعد تكتل اليسار، الذي أنتمي إليه، من بين التكتلات القليلة التي ما تزال تبقي القضية الفلسطينية في صلب النقاش السياسي، وتدين الجرائم المرتكبة في غزة ومسؤولية أوروبا السياسية والأخلاقية تجاه ما يجري.
بصفتك نائب في البرلمان الأوروبي، وفي الوقت نفسه ناشطة معروفة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، هل تحمي الصفة البرلمانية حرية الموقف السياسي، أم أنها تجعل صاحبها أكثر عرضة للاستهداف والمساءلة؟
من المفترض أن تكفل الحصانة البرلمانية حماية حرية التعبير واستقلالية النواب الأوروبيين في ممارسة مهامهم أمام ضغوط الدول وتدخلاتها. فجميع الإجراءات التي استهدفتني منذ دخولي العمل السياسي جاءت على خلفية مواقف عبرت عنها أثناء ممارستي لمهامي كنائبة في البرلمان الأوروبي.
غير أن ما يحدث اليوم غير مسبوق. فهذه هي المرة الأولى التي يوضع فيها نائب في البرلمان الأوروبي رهن الاحتجاز لدى الشرطة بموجب “التلبس بالجرم المشهود” بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، في التفاف واضح على الضمانات التي تكفلها الحصانة البرلمانية.
تبعث فرنسا رسالة مقلقة إلى سائر الدول الأعضاء مفادها أن التعبير السياسي لنائب منتخب قد يصبح، بمجرد خروجه عن الخطاب السائد أو إزعاجه للسلطة، سببا للملاحقة القضائية، حتى وإن كان يتمتع بالحصانة البرلمانية.
ما دلالة أن تتحول منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ملفات قضائية، خصوصا حين تصدر عن شخصيات سياسية منتخبة؟ وهل ترين أننا أمام تضييق قانوني على الخطاب السياسي الرقمي؟
إن تحويل منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى قضايا، ولا سيما عندما تصدر عن شخصيات سياسية منتخبة، يثير تساؤلات جدية حول حدود حرية التعبير داخل الفضاء الديمقراطي. ولا خلاف على مشروعية اللجوء إلى القانون عندما يتعلق الأمر بمعاقبة أفعال تشكل جرائم ثابتة لا لبس فيها. لكن الأمر يبعث على القلق حين يستخدم القانون بصورة انتقائية لاستهداف مواقف سياسية، ولا سيما تلك التي تندد بانتهاكات القانون الدولي أو تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني.
يستخدم القانون بصورة انتقائية لاستهداف مواقف سياسية، ولا سيما تلك التي تندد بانتهاكات القانون الدولي أو تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني
ويؤدي هذا المسار إلى ترسيخ مناخ من الرقابة الذاتية، إذ يصبح الخوف من الملاحقة القضائية أو من حملات التشهير عاملا يثني السياسيين والصحافيين والمواطنين عن التعبير بحرية عن آرائهم. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي، الذي بات اليوم أحد أهم ساحات النقاش العام، إلى فضاء تخضع فيه بعض الآراء لرقابة وعقوبات أشد من غيرها.
في رأيك، أين ينتهي الحق في التعبير السياسي عن أحداث ووقائع تاريخية، وأين تبدأ جريمة “تمجيد الإرهاب” كما تستخدم في السياق الفرنسي والأوروبي اليوم؟
أعتقد أن الأهم هو فهم كيف توظف هذه التهمة لأغراض سياسية. فمنذ عدة سنوات، باتت المواقف السياسية المؤيدة لفلسطين تكيف قانونيا على أنها جرائم جنائية، بهدف نزع الشرعية عنها وردع أصحابها عن التعبير عنها.
وقد تضاعف عدد الإدانات الصادرة بتهمة “تمجيد الإرهاب” في فرنسا ثلاث مرات بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، مقارنة بالفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2023. واليوم، يحذر عدد من القضاة المتخصصين، معتبرين أن التوسع في استخدام هذه التهمة بات يشكل تهديدا للحريات العامة.
في ذات السياق، العالم تقريبا يجمع على ارتكاب إسرائيل حرب الإبادة، ومع ذلك يتم الدفاع عن إسرائيل. ألا يجب أن يتم التعامل مع ذلك على أنه جزء من حرب الإبادة وتبريرها؟
في حين أن حكوماتنا ملزمة، بموجب تصديقها على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بمنع وقوع أي إبادة جماعية ووضع حد لها، فإنها تواصل، بعد أكثر من عامين على بدئها في غزة، تواطؤها مع النظام الإسرائيلي.
وفي المقابل، نشهد في أوروبا تناميا في تطبيع الخطاب المؤيد لإسرائيل، بينما تتعرض المواقف الداعمة للشعب الفلسطيني لمزيد من المراقبة والوصم والتجريم في بعض الحالات.
ويتجلى هذا الاختلال بوضوح في طريقة التعامل السياسي والإعلامي والقضائي مع هذه المواقف. فالأصوات التي تندد بالجرائم المرتكبة في غزة تكون أكثر عرضة للتشكيك والتشهير والملاحقة القضائية، في حين تحظى خطابات أخرى بقدر أكبر بكثير من التسامح.
هذا الكيل بمكيالين يسهم في ترسيخ شكل من أشكال التواطؤ الأوروبي، من خلال الحد من إدانة انتهاكات القانون الدولي والتشكيك فيها.
خصومك يقولون إن بعض الخطاب المتعلق بالمقاومة الفلسطينية قد يبرر العنف أو يخفف من وقعه على الضحايا. كيف تردين على هذا الاتهام؟ وكيف تميزين بين الدفاع عن شعب تحت الاحتلال وبين تبرير استهداف المدنيين؟
كثيرا ما حرفت تصريحاتي أو أخرجت من سياقها. لكن موقفي ظل ثابتا: الدفاع، في كل مكان ومن أجل جميع الشعوب، عن احترام القانون الدولي وتطبيق الحقوق الأساسية. وأمام القمع الذي تتعرض له الأصوات المؤيدة لفلسطين، ينبغي ألا نتراجع عن هذا المطلب بالعدالة.
كيف تقرأين موقف المؤسسات الأوروبية من قضيتك؟ هل وجدت تضامنا كافيا من داخل البرلمان الأوروبي، أم أن هناك صمتا أو حذرا يعكس حساسية القضية الفلسطينية أوروبيا؟
باستثناء داخل المجموعة السياسية التي أنتمي إليها في البرلمان الأوروبي، ظلت مواقف التضامن محدودة. وللأسف، فهذه ليست المرة الأولى.
هل تعتقدين أن التعامل القضائي والسياسي في أوروبا مع الخطاب المؤيد لفلسطين يختلف عن التعامل مع الخطاب المؤيد لإسرائيل؟ وإذا نعم، أين يظهر هذا الاختلال بوضوح؟
نعم، بالتأكيد. فالتفاوت في المعاملة واضح. فمن جهة، تجرم بعض أشكال التعبير، ومن جهة أخرى، تتسامح مع خطابات مماثلة، بل وينظر إليها على أنها أمر طبيعي.
وفي فرنسا، لا يبدو أن القضاء يكترث بملاحقة المسؤولين عن هذه الإبادة الجماعية، ولا من يبررونها علنا. فما هي الإجراءات القضائية التي اتخذت، على سبيل المثال، بحق ماير حبيب بعدما وصف الشعب الفلسطيني بأنه “سرطان”؟ وماذا عن تصريحات لويس ساركوزي التي دعا فيها إلى أن “يموت الفلسطينيون جميعا”؟ إن هذا التفاوت في تطبيق القانون يعزز الشعور بوجود ازدواجية في المعايير.
ما الأثر الشخصي والسياسي لهذه القضية عليك وعلى الأصوات المغايرة والمعارضة للنهج الأوروبي؟
لهذه الإجراءات أثر مباشر على عملي البرلماني. فهي تستنزف وقتا وجهدا كبيرين، وتعرقل أداء مهامي، وتمنعني أحيانا من لقاء المواطنات والمواطنين الذين منحوني ثقتهم.
غير أن آثارها تتجاوز وضعي الشخصي. فهي تبعث برسالة ردع إلى كل الأصوات الناقدة، وإلى كل من يجرؤ على معارضة الخط السياسي السائد. وعندما يصبح اللجوء إلى القضاء وسيلة لإسكات المسؤولين السياسيين أو المواطنين، فإن المتضرر الحقيقي هو النقاش الديمقراطي نفسه.
برأيك، لو صدر حكم ضدك، ما التداعيات التي تتوقعينها على عملك البرلماني، وعلى الحركات المتضامنة مع فلسطين في فرنسا وأوروبا؟ ولو انتهت القضية لصالحك، ما الرسالة التي سيحملها ذلك؟
لا أرغب في التعليق على فرضيات. فأنا أثق بأن العدالة ستأخذ مجراها. لقد انتخبني الفرنسيون لأمثلهم في البرلمان الأوروبي، ولأدافع عن العدالة والقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، كما أدافع عن حقوق جميع الشعوب المضطهدة. وسأواصل أداء هذا الواجب بالعزم نفسه، ولن أخضع لأي محاولة لإسكاتي أو ترهيبي.