حكايات الجنوب تنبض في بيت بيروت صوتاً وصورة ورائحة في مواجهة المحو الصهيوني الممنهج
بيروت ـ «القدس العربي»: جهود حثيثة أثمرت معرض «احكيلي يا جنوب» واُفتتح للزوّار في العاشر من حزيران/يونيو. القائمون على مشروع احكيلي كانوا على موعد مع تغيير في بعض المساحات المشغولة في بيت بيروت. أخّر العدوان الصهيوني بعض الالتزامات، فإذ بمسار الهدم والمحو يفرض نفسه عنواناً لتجديد المساحة. كان الزمن قد بلغ منتصف أيار/مايو عندما اُطلقت الخريطة التفاعلية للجنوب، ووجهت الدعوة للناس للمشاركة بصورهم.
وفي مدى زمني قصير كرجت الأفكار، وبات الجنوب ببعض حكاياته وتاريخه مقيماً في المكان، يروي ويسرد ويجتهد لحفظ الذاكرة. وبات «احكيلي يا جنوب» مساحة معرفية تقدّم للمتلقي حكايات ناس بالآلاف اختبروا حياة يجهلها كثرٌ من شركائهم في المواطنية، سواء بتفاصيلها، أو بخطوطها العريضة.
يُسجّل لبيت بيروت ومشروع «احكيلي» سعي صادق لحفظ الذاكرة في أقسى اللحظات التي عاشها الجنوب من قتل وإمعان بالتهجير. وصب حمم الحقد على البشر والحجر. وبمواجهة بربرية غير مسبوقة في التاريخ، مواجهة حضارية عبّر عنها معرض «احكيلي يا جنوب» في محاولة لتعزيز الذاكرة والتصدي للمحو.
هنا حوار عن معرض «احكيلي يا جنوب» مع مخرجة مشروع «احكيلي» دلفين أبي راشد درامنسي:
دلفين أبي راشد درامنسي: بيت بيروت مساحة تعبير عن المحو في جنوب لبنان
○ ما هي نقطة الارتكاز التي انطلقت منها كمخرجة لمعرض»احيكلي يا جنوب»؟
• في بداية نيسان/أبريل الماضي كان علينا الإعداد لمعرض جديد وفق آلية التغيير المعتمدة في مشروع «احكيلي»، وذلك بعد مرور سنة على افتتاحه. تضمن المعرض الذي حكى عن الحرب الأهلية في الطابق الأول من بيت بيروت جزءاً من غرفتين تحكيان عن جنوب لبنان. وحيالهما طرح السؤال «هل نبدّلهما والجنوب تحت دمار متواصل»؟ وولدت فكرة أن نضيف إليهما جديداً. ولأننا كنّا على اتفاق مسبق مع دار قنبز لإقامة معرض «فريدة والحرب»، ولم تُساعد ظروف الحرب على إنجازه في الوقت المحدد، فتأجّل إلى أيلول/سبتمبر المقبل، فلم يكن أمامنا سوى اتخاذ القرار. وهكذا في منتصف أيار/مايو أطلقنا على صفحتنا على انستغرام نداء مفتوحاً إلى كل من لديه صورة أو أي شيء آخر من قريته في الجنوب أن يزودنا به. وصممنا مع المخرج أديب فرحات على ضرورة خلق مساحة خاصة في بيت بيروت عن الجنوب. وتمثّل التنفيذ الأول للفكرة وبالتعاون معه بإطلاق خريطة تفاعلية، ودعونا الناس لأن يوافوننا بصور خاصة بهم، تختلف عن الدمار الحالي. تشغل الخريطة التفاعلية جزءاً من الطابق الأرضي في بيت بيروت، حيث وافانا الجنوبيون بصور عن قراهم كما كانت قبل الحرب.
○ وهل ترين الخريطة التفاعلية هي الأساس الذي استند إليه المعرض؟
• وكانت الفكرة الأولى التي اضيفت إلى الغرفتين الموجودتين اللتين سبق ذكرهما، إضافة إلى تجهيز «مفاتيح بلا بيوت». وفي المقابل عمل أديب فرحات بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة على تجهيز غرفة جمعت أربع نساء يتحدثن عن نزوح سنة 2024. إذاً نواة المعرض تمثّلت بالخريطة التفاعلية وبالغرفتين السابقتين، واضيف إليها الغرفة الجديدة الخاصة بسرد تجربة النزوح. وفي هذا المعرض نسأل الزوّار وننتظر إجاباتهم. والغرفتان الجاهزتان من معرض الحرب الأهلية هما غرفة الـ«تاتا» والصالون، وأضفنا إليهما المطبخ. ومن خلال هذه الأمكنة نسأل الزوّار عن منازلهم وعن الروائح التي تُذكّرهم بالضيعة؟ وعن الفعل الأول الذي يقومون به لدى وصولهم إلى قراهم؟ وما هو الطعام الذي يذكرهم بالضعية وكيف تعلموه؟ قد تبدو الإجابات مشاعر وذكريات بسيطة، إنما من خلالها نفتح الباب لنقاشات متعددة.
○ سألتم وطلبتم صوراً للخريطة التفاعلية. فماذا عن التفاعل وعن بوح ناس الجنوب بمكنوناتهم؟
• أسئلتنا مرفقة بدفاتر تتيح لكل من يرغب تدوين جوابه. وثمة مساحة أخرى تدعو الزوار لكتابة رسائل لقراهم. لدينا إلى حينه ما يفوق الـ30 رسالة، نعمل لإعادة عرضها على الجمهور. التفاعل مستمر والصور الخاصة بالخريطة التفاعلية ما تزال تردنا. الاهتمام والتفاعل الذي ناله المعرض واضح وكبير. وبما أن معرضنا «احكيلي» ليس ثابتاً فإن زميلنا طارق غنّام يعمل حالياً على تجهيز مجموعة جديدة من الصور وردتنا حديثاً من بلدة كفرشوبا.
○ كمخرجة لهذا المعرض كيف وزّعت الأولويات بين البصري والسمعي والتجهيز الثابت؟
• يأخذ المعرض التفاعلي بالاعتبار الحواس الخمس لدى الإنسان، كحاسة الشم. بدخول غرفة الـ«تاتا» من الضروري أن نشُّم رائحة ملابسها، وحتى عطرها القديم. التواصل مع تلك الرائحة قد يعيد المتفرج إلى ذاكرة معينة مع جدّته. نركز على تفاعل الزائر مع المعرض من كافة جنباته بخاصة ما يتعلّق بالحواس.
○ لتكوني مخرجة لمعرض يحكي عن جرح جنوبي مفتوح منذ 80 سنة فكم يفترض ذلك أن تكوني قريبة من هذا الجنوب؟
• لم نقدِّم أي معرض بمفردنا مُطلقاً. تُشرف على المعرض هيئة تجمع مختصين بالتعامل مع الماضي وبناء السلام في لبنان، إلى مختصين بالتاريخ والتأريخ الشفوي. وفي معرض «احكيلي يا جنوب» كان التعاون مع أديب فرحات وفنانين آخرين من الجنوب. نحن لا نملك قدرة الحكي عن الجنوب كما أهله. مهمتنا التشبيك مع عاملين في هذا الميدان والتعاون معهم. ابن الجنوب يُعبّر عن نفسه. هذا المعرض يختلف تماماً عن معرض «ألو بيروت» الذي جرى إنتاجه بين سنتي 2022 و2023، والذي خلقناه ذاتياً. بينما الآن أخذنا وما نزال نأخذ من الناس لإغناء معرض «احكيلي يا جنوب».
○ هل من أمر فاجأك في خلال إعداد «احكيلي يا جنوب»؟
• فاجأتني نُدرة المعلومات حين بدأت البحث الأرشيفي. المفاجأة الأخرى أنه خلال تواصلي مع بعض الأشخاص لتزويدي بما أطلبه منهم كانوا يسألون باستغراب «أكيد ستعرضين هذا في بيت بيروت؟»
○ وما هو سبب استغرابهم برأيك؟
• السبب أن هؤلاء الفنانين الجنوبيين لا يشعرون بوجود مساحة يستطيعون التعبير من خلالها. من هنا كان مفاجأتهم. ونحن في بيت بيروت شعرنا بالمسؤولية عن هذا المعرض، فهو المكان الوحيد في لبنان المعني بالذاكرة. وليس ممكناً أن نشهد هذا المحو في الجنوب بدون أن نخصص له مساحة تعبير. ثمة مسؤولية على عاتق بيروت تجاه الجنوب.
أديب فرحات:
معرض يُغطي 50 سنة من حياة الجنوبيين
○ منذ نشأ الكيان والاعتداءات متواصلة على الجنوب، هل كان تحضير معرض «احكيلي يا جنوب» سهلاً أم صعباً؟
• تغطي الأعمال التي يضمها المعرض حقبا متعددة وليس فقط الحرب المستمرّة الآن والتي سبقتها. ففي المعرض ما يحكي عن تاريخ النبطية كحاضرة في جبل عامل. حكايات تعود للستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كما ويغطي اجتياح سنة 1978 ومن ثمّ اجتياح سنة 1982، وصولاً إلى حرب سنة 2024 والحرب المتواصلة الآن. إذاً هو معرض يتشكّل من طبقات مجتمعة. ويمكن وصفه بخط زمني يغطي كل المراحل التي سبق وذكرتها.
○ زمن التحضير للمعرض كان قصيراً فكيف استجاب هذا العدد الملحوظ من الفنانين للتحضير والمشاركة؟
• الفنانون جنوبيون جميعهم، ومن الطبيعي جداً أن يشاركوا بأعمالهم الخاصة بالجنوب. فهم يحتاجون في هذا الوقت لأن يسردوا القصص ذات الصلة بالجنوب والتي سبق لهم العمل عليها. يتضمّن المعرض مشاريع جرى العمل عليها سابقاً وليست وليدة اللحظة، وقد تلاءمت مع سياق وفكرة المعرض. القسم الوحيد الذي اُنتج حديثاً هي الغرفة التي تحمل عنوان «بعد العشا» والتي تجمع أربع نساء يروين قصصهن، وتمّ تسجيلها قبل شهر ونيف فقط.
○ حين يردد أهل الجنوب قائلين «الجنوب يحرر الوطن». فكيف نلمس هذا في المعرض؟
• برأيي أن محتويات المعرض تعبر عن كافة اللحظات التي مرّ بها الجنوبيون، عن الحزن والفرح، والضعف والقوة. في الخط الزمني الذي يعتمده المعرض مواد مُتصلة بالتحرير. وأخرى عن العودة إلى الجنوب بعد الحرب. إلى مواد لها صلة بالمنازل المُدمّرة. بالتأكيد «احكيلي يا جنوب» يغطي كافة المراحل التي عاشها الجنوبيون في السنوات الخمسين الماضية.
○ من هموم «احكيلي يا جنوب» الحفاظ على الذاكرة. كيف تُحفظ ذاكرة معتقل الخيام الذي مُسح من الخريطة؟
• يعتمد العمل على المادة الأرشيفية وعلى الوثائق الورقية القديمة، وفي الوقت عينه يعتمد على المادة الشفوية. ولدى انعدام الوثيقة، فالتاريخ المحكي يشكل مادة يمكن اعتمادها، كجانب من حفظ الذاكرة للأجيال المقبلة. نعم تمّ تدمير معتقل الخيام، وجرفت بقاياه، لكن الوثائق والصور والمرويات الشفوية تجعل منه مادة محفوظة في الذاكرة. وفي المعرض عدّة مقتنيات كانت لدى المعتقلين في الخيام.
○ تبرز في المعرض أعمال الفيديو كذاكرة حديثة ومعاصرة. هل وحده نداء المشاركة جذب كل هؤلاء الفنانين للمشاركة؟
• لم نكن على معرفة بالعدد الأكبر من الفنانين المشاركين في المعرض. تواصلنا معهم بحثاً في أعمال تتآلف مع السياق المحدد للمعرض، وزودونا بها.
○ وماذا عن الأعمال التي لم تتمكن من المشاركة؟
• السبب الجدول الزمني القصير الذي فرض نفسه إعداداً وتنفيذاً وافتتاحاً للمعرض. والمشاركات في المعرض هنّ روان نازح، بتول فاعور، فرح بروّ، سما بيضون ورباب شمس الدين. وقدّم علي مزرعاني بعضاً من الأرشيف وهو يحترف «التوثيق والأرشفة في مدينة النبطية». وأذكر مشاركتي كفنان إضافة لدوري في الإعداد.
○ كمشارك في الإعداد ما هي المرحلة الأصعب بالنسبة لك؟
• تمثّلت بسعينا الدؤوب لإنجاز المعرض وإطلاقه في 10 حزيران/يونيو فيما كانت الحرب على أوجها على الجنوب. في مراحل سابقة كنّا نحاول استيعاب الأحداث بعد أن تضع الحرب أوزارها، نُلملم الأوجاع، ومن ثمّ نعود لمشروع نقرره أو سبق واتفقنا عليه. كنا في واقع صعب متمثل في استيعاب الحرب المستمرة، والسباق مع الزمن لمواصلة العمل لنقدّم المعرض في موعده.
○ كان لافتاً صمود عدد من المواطنين في قراهم رغم جرائم العدو بحقهم. هل سجلتم صوت أحدهم؟
• إلى حينه لا. لم يكن التواصل معهم سهلاً حتى مع وجود الهواتف. والأهم أن هؤلاء الصامدين لم يكونوا في مزاج يتيح لهم الكلام. وبما أن المعرض يتميز بامكانية التجديد والإضافة لا بد في المرحلة المقبلة من حضور من صمدوا في قراهم، بعد حضور مميز لمن نزحوا.
○ نعرف أن بيت بيروت يُقفل أبوابه في شهر أب/اغسطس ما هو الجديد الذي سيضاف لدى العودة من جديد في ايلول/سبتمبر؟
• الإضافات متواصلة ومنها غرفة خاصة تقوم بمهمة توثيق الحدود الجنوبية والقرى السبع، ونأمل إنجاز هذه المهمة في المرحلة المقبلة. ويستند هذا البحث إلى الخرائط القديمة التي تظهر تطور القرى السبع وحدودها.
○ وماذا عن ذاكرة المدن الكبرى في الجنوب كالنبطية وصور وبنت جبيل؟
• تتشكل من المواد التي أنقذها الناس وحملوها معهم قبل رحيلهم عن أماكنهم. بنت جبيل مدينة لحقها دمار كبير وستبقى الصورة والمادة الشفوية أساساً لذاكرتها، فيما كان الدمار أقل في النبطية وصور.
○ لماذا برأيك هذا الإقبال على المعرض؟
• ثمة من يرغب بالوقوف المباشر على مرويات جنوبية والتفاعل مع ناسها. والجنوبيون بدورهم لديهم رغبة كبيرة بأن يسمعهم من يتشاركون معه المواطنة. ويرغبون بمن يعيش مشاعرهم القاسية حيال التهجير والفقد ودمار الأمكنة والمساكن. الحاجة للتفاعل بين الناس هو الفعل الطبيعي الذي يجب أن يحدث من معرض «احكيلي يا جنوب».
○ أفهم ان إيجابيات المعرض في مشاركة الحكايات والتعرّف إلى الجنوب؟
• صحيح، وهذا ما نلمسه يومياً في المعرض. يقدّم المعرض مادة معرفية لأجيال تجهل وجود احتلال في الجنوب. وتجهل تماماً الحروب التي عاشها الجنوب منذ أكثر من 50 سنة. ثمة من كان غير معني بالجنوب وما يعيشه. ومع هذا انتقل المتلقي إلى مرحلة مختلفة، وشعر بأنه معني بجزء كبير من وطنه يمارس بحقه القتل والتدمير والتهجير.
○ إلى جانب كونك شريك في الإعداد فماذا ستقدم من جديد للمرحلة التالية من المعرض؟
• في بالي العودة إلى بلدتي عرب صاليم والبحث فيها عن مواد يمكنني إضافتها إلى أرشيفي، والتفكير بموضوعات للمرحلة المقبلة. وان استوعب أولاً الدمار الذي حلّ بضيعتي، وخساراتنا الكبرى للكثير من الناس. ننشغل بشكل طبيعي بالجانبين العاطفي والفكري، وفي المقابل علينا عدم التهاون بالحفاظ على الكثير من المواد الموجودة في القرى، وهي تُشكّل جزءاً من ذاكرتنا الجماعية.
○ وماذا تركت في بلدتك قبل الرحيل؟
• بيتي وبعض من أرشيفي استحال نقله، ويتشكل من صحف ومواد خاصة بالأفلام. إلى مشغلي وعدة العمل.