الخرطوم – “القدس العربي”: تتسارع التحولات داخل المشهد السوداني مع تصاعد مؤشرات انقسام جديد داخل قوات “الدعم السريع”، في وقت يتمسك فيه حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بخيار السلام، لكنه يربطه بشروط العدالة والمحاسبة وعدم تجاهل الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في دارفور.
وربط مناوي، خلال مخاطبته دفعة جديدة من المستنفرين – متطوعين للقتال في صفوف الجيش- في إقليم دارفور غرب البلاد، أي عملية سياسية مرتقبة بضرورة تحقيق العدالة للضحايا.
وأشار إلى الانتهاكات التي شهدتها مدن ومعسكرات النازحين في إقليم دارفور، بالإضافة إلى ما وصفها بـ”المعاناة الواسعة” التي تعرض لها سكان الإقليم خلال الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”.
شدد ميناوي على أن أي تسوية مقبلة يجب ألا تقوم على تجاهل الانتهاكات أو إعادة إنتاج الأزمة السودانية
وأكد تمسكه بخيار السلام، وشدد على أن أي تسوية مقبلة يجب ألا تقوم على تجاهل الانتهاكات أو إعادة إنتاج الأزمة السودانية.
وقال إنهم “يمدون أيديهم بيضاء للسلام”، مضيفاً أنه إذا كانت هناك “مليون فرصة لخيارات أخرى وفرصة واحدة للسلام، فسيتم اختيار السلام، حتى ولو كانت نصف فرصة”.
وأوضح أن السلام المنشود “لا ينبغي أن يكون سلاماً لإحياء ما مات، أو لتقسيم السلطة والثروة، أو لإعفاء المجرمين من المحاسبة”، مشدداً على ضرورة عدم تجاهل الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، ومعسكر زمزم للنازحين، ومدينة الفاشر، إلى جانب ما وصفها بالمعاناة التي طالت سكان دارفور عموماً.
وأشار مناوي إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من التماسك والثبات، مؤكداً أن السودان “سيظل عصياً على الانكسار بإرادة أبنائه ووحدة صفهم”.
وتأتي تصريحات مناوي في وقت تشهد فيه قوات “الدعم السريع” حالة من التوتر الداخلي، بعد بروز خلافات ذات طابع قبلي وإثني داخل تكويناتها العسكرية، في ظل تصدع متزايد داخل القوة التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التكهنات بشأن قرب انشقاق قيادات جديدة من “الدعم”، بعد تداول تسجيل صوتي للقيادي الميداني “المك أبو شوتال”، تحدث فيه عن تعرض مجموعته لما وصفها بـ”عنصرية فجة وواضحة” داخل “الدعم”.
ينتمي أبوشوتال إلى قبيلة “الهمج” في إقليم النيل الأزرق، وهي إحدى المجموعات التي شاركت ضمن تشكيلات “الدعم” خلال الحرب الحالية
وينتمي أبوشوتال إلى قبيلة “الهمج” في إقليم النيل الأزرق، وهي إحدى المجموعات التي شاركت ضمن تشكيلات “الدعم” خلال الحرب الحالية، ويعد من القيادات الميدانية التي برزت خلال العمليات العسكرية الأخيرة، خاصة في مناطق وسط السودان وبعض محاور القتال في إقليم النيل الأزرق، حيث لعبت مجموعاته دوراً في الإسناد القتالي والدعم اللوجستي لقوات “حميدتي”.
وقال أبوشوتال في التسجيل المتداول إن مجموعته سمعت “تسجيلات وتصريحات غير مقبولة” من عناصر داخل “الدعم” ، معتبراً أن ما يجري يعكس تمييزاً قبلياً ضد المكونات غير العربية داخل القوات.
وأضاف أن هناك قيادات مؤثرة باتت تؤمن بضرورة “إحداث تغيير حقيقي” في بنية “الدعم”، مشيراً إلى أن الاستمرار في القتال ضمن ما وصفها بـ”منظومة عنصرية” لم يعد مقبولاً بالنسبة لهم.
ويكشف حديث أبو شوتال دلالات تتجاوز البعد الشخصي، ويسلط الضوء على أزمة متنامية داخل تركيبة “الدعم” التي قامت منذ تأسيسها على تحالفات قبلية ومناطقية معقدة، ضمت مجموعات عربية وأخرى إفريقية من إقليم دارفور، ومناطق أخرى في السودان.
ويرى المحلل العسكري حسام الدين محمود، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن الحرب الأخيرة أظهرت هشاشة هذه التحالفات، خصوصاً مع تزايد الشكاوى المتعلقة بتوزيع النفوذ والموارد والتمثيل داخل القيادة الميدانية، فضلاً عن اتهامات لبعض القيادات بتفضيل مجموعات بعينها على حساب أخرى.
الحكومة السودانية فتحت قنوات تفاوض مع أبو شوتال لإقناعه بتسليم نفسه والانضمام إلى صفوف الجيش
وفي السياق ذاته، قالت مصادر مطلعة لـ” القدس العربي” إن الحكومة السودانية فتحت قنوات تفاوض مع أبو شوتال لإقناعه بتسليم نفسه والانضمام إلى صفوف الجيش السوداني.
وأفادت بأن الاتصالات قطعت مراحل متقدمة، وسط توقعات بإعلان انشقاقه رسمياً خلال الأيام المقبلة.
وتوقعت المصادر نفسها أن تشهد الفترة المقبلة انضمام قيادات أخرى من “الدعم” إلى الجيش، في ظل تصاعد الخلافات الداخلية وتراجع الثقة بين المكونات القبلية المنضوية تحت راية القوات.
ولا تعد هذه التطورات الأولى من نوعها داخل “الدعم”، إذ شهدت الأشهر الماضية سلسلة انشقاقات لقيادات ميدانية بارزة، كان أبرزها إعلان اللواء “النور قبة” والعميد علي رزق الله السافنا المعروف بـ”السافنا” انضمامهما إلى الجيش السوداني.
وجاءت تلك الانشقاقات عقب معارك عنيفة شهدتها مناطق في شمال وغرب دارفور، خاصة بعد الهجوم الذي استهدف منطقة مستريحة، المعقل التقليدي لقبيلة المحاميد بزعامة الشيخ موسى هلال.
نقطة تحول
وحسب محمود، ينظر إلى الهجوم على “مستريحة” باعتباره نقطة تحول مهمة داخل التوازنات القبلية المرتبطة بـ”الدعم”، لأن موسى هلال، الذي أعلن دعمه للجيش السوداني قبل الهجوم، يعد من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً تاريخياً في تشكيل الحواضن القبلية للمليشيات المسلحة في دارفور، قبل أن تتطور لاحقاً إلى قوات الدعم السريع بصيغتها الحالية.
ينظر إلى الهجوم على “مستريحة” باعتباره نقطة تحول مهمة داخل التوازنات القبلية المرتبطة بـ”الدعم”
وكانت العلاقة بين هلال و”حميدتي” قد شهدت توترات حادة منذ سنوات، انتهت بإبعاد هلال عن المشهدين العسكري والسياسي لفترة، قبل أن يعود اسمه مجدداً مع تصاعد الحرب الحالية.
ويرى محمود أن محاولة استهداف منطقة نفوذ هلال أثارت حساسيات داخل بعض المكونات العربية الداعمة للدعم السريع، كما فتحت الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات التقليدية التي استندت إليها القوات منذ نشأتها.
وفي المقابل، يسعى الجيش إلى استثمار هذه الانقسامات عبر تشجيع الانشقاقات واستقطاب القيادات الساخطة داخل الدعم السريع، مستفيداً من حالة الإرهاق التي تعيشها القوات بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب.
ومنذ اندلاع القتال في أبريل/ نيسان 2023، تعرضت قوات الدعم السريع لخسائر بشرية وميدانية في عدة جبهات، كما واجهت اتهامات دولية ومحلية بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، خاصة في إقليم دارفور، غرب البلاد.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وقوع عمليات قتل جماعي ونهب وتهجير قسري في عدد من مدن الإقليم، أبرزها الجنينة والفاشر، وهي الأحداث التي دفعت قوى سياسية وحركات مسلحة إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية.
يرى محمود أن مستقبل الصراع في السودان قد يتأثر بشكل مباشر بمدى قدرة الدعم السريع على احتواء التصدعات
وعن تصريحات مناوي، قال محمود إنها مرتبطة بمحاولة رسم ملامح موقف سياسي جديد يقوم على دعم أي عملية سلام مشروطة بالعدالة وعدم الإفلات من العقاب، بالتوازي مع تعزيز التحالفات العسكرية المناهضة للدعم السريع في دارفور.
ومع استمرار الحرب واتساع دائرة الانشقاقات، تبدو قوات الدعم السريع أمام تحديات داخلية متزايدة، قد تؤثر على تماسكها العسكري خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الخلافات القبلية والاتهامات المتعلقة بالتمييز داخل صفوفها.
ويرى محمود أن مستقبل الصراع في السودان قد يتأثر بشكل مباشر بمدى قدرة الدعم السريع على احتواء هذه التصدعات، أو فشلها في منع انتقال المزيد من القيادات والعناصر إلى صفوف الجيش، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية للدفع من أجل إنهاء الحرب المستمرة في البلاد.