صنعاء – «القدس العربي»: يستمر التصعيد الميداني والمواجهات المتواصلة في اليمن، وسط تجاذبات سياسية ودولية معقدة. وفيما تسعى جهود وساطة يقودها الأزهر للتوصل إلى وقف فوري للحرب، تباينت مواقف طرفي الصراع بين الاشتراط والترحيب.
ميدانيًا، تواصلت المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة «أنصار الله» (الحوثيين)، الثلاثاء، على محاور القتال في تعز ومأرب والجوف، تزامنًا مع الغارات الجوية والهجمات بالطائرات المسيّرة والعابرة للحدود.
معارك تتجدد نيرانها
ففي محافظة تعز (جنوب غرب)، وهي تمثل أوسع بؤر الاقتتال، تجددت المعارك في محيط المدينة، حيث أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل للحوثيين في الجبهة الشمالية، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، فيما لا تزال الاشتباكات مستمرة حتى مساء الثلاثاء.
وفي جبهة الشقب جنوبي المدينة، تخوض القوات الحكومية مواجهات عنيفة، كما أعلنت عن إسقاط طائرة مسيّرة انتحارية تابعة للحوثيين صباح الثلاثاء. وأشارت إلى أن الطيران الحربي استهدف بغارتين مواقع الجماعة في «نجد قسيم» بمديرية المسراخ، وهي منطقة استراتيجية تُعد من البوابات الرئيسية لمدينة تعز.
وأفادت قناة «الجمهورية» الفضائية التابعة لقوات المقاومة الوطنية بأن القوات الحكومية خاضت مواجهات ضد الحوثيين في سفوح جبل صبر، الذي يُمثّل الحصن الطبيعي والموقع الحاكم لمدينة تعز وخطوطها الدفاعية.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للحكومة بمقتل طفلة وإصابة 8 آخرين، بينهم أطفال ونساء، فضلًا عن تضرر منزلين جراء قصف قالت إن الحوثيين استهدفوا به مجمعًا سكنيًا وأحياءً مأهولة بالسكان وسط مدينة تعز. ونقلت عن مصدر عسكري قوله إن صاروخ كاتيوشا أُطلق من مواقع تمركزهم في جبل الوعش شمال المحافظة، سقط في منطقة صينة المأهولة بالسكان.
كما أفادت الوكالة باتهام الجماعة باستهداف سيارة إسعاف بقذيفة هاون أثناء محاولتها إسعاف الفتاة طيبة عبدالرقيب (18 عاماً)، التي أُصيبت في منطقة صبر الشقب، ما أدى إلى مقتلها برفقة سائق الإسعاف، فيما أُصيب الطبيب المرافق.
ولم يصدر تعليق فوري من جماعة «أنصار الله» إزاء هذا الاتهام.
أما على الجبهة الغربية، فقد دارت معارك عنيفة في محيط جبل هان على امتداد جبهة الضباب وصولاً إلى المطار القديم، بالتوازي مع مواجهات محتدمة في الجبهة الشرقية للمدينة.
وفي أرياف تعز التي صار معظمها تحت سيطرة الحوثيين، لا تزال بعض الاشتباكات قائمة خاصة في الريف الغربي وتحديدًا في الوازعية وجبل حبشي، حيث استهدف الطيران الحربي مخزن أسلحة للجماعة في جبل حبشي وفق وسائل إعلام حكومية.
وفي جبهة الساحل الغربي، وتحديدًا في مديرية ذوباب ومحيط باب المندب، لم تتوقف المعارك منذ أمس بين قوات الجماعة وألوية العمالقة الجنوبية. كما تتواصل في جبهة المضاربة الاشتباكات والهجمات المتبادلة. وقالت «العمالقة الجنوبية» إن طيران التحالف العربي سبق قوات العمالقة في تدمير مركبة عسكرية حوثية هناك. علمًا أن الحوثيين أعلنوا يوم الإثنين استهداف الجبهة بستة صواريخ باليستية، مؤكدين إصابة أهدافهم بدقة وإيقاع عشرات القتلى والجرحى وتدمير عدد من الآليات.
وتتواصل الاشتباكات والهجمات المتبادلة في جبهات محافظة مأرب (وسط)، لا سيما في جنوب المحافظة وبخاصة مديرية مدغل. وفي محافظة الجوف (شمال شرق)، عرضت قناة «سبأ» الحكومية منتصف ليل الإثنين/الثلاثاء مشاهد توثق استهداف طيران مسيّر تابع للمنطقة العسكرية السادسة لمدرعات وآليات تابعة للحوثيين في جبهات المحافظة.
وفي محافظة شبوة، أعلنت السلطة المحلية ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم الصاروخي على معسكر العلم التدريبي إلى 73 قتيلًا، مع استمرار جهود البحث عن 14 مفقودًا.
وعلى صعيد الغارات الحدودية، ذكرت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للجماعة أن مواطنًا قُتل وأصيب آخر بنيران الجيش السعودي في مديرية شدا بمحافظة صعدة، كما شن «الطيران السعودي» أربع غارات على منطقة بني معاذ بمديرية سحار في المحافظة ذاتها، وفق المصدر نفسه.
في المقابل، أفاد المتحدث باسم التحالف العربي، اللواء تركي المالكي، باعتراض وتدمير صاروخ باليستي قال إن الحوثيين أطلقوه باتجاه الرياض. وكان الدفاع المدني السعودي قد أطلق تحذيراً من الخطر في العاصمة قبل أن يعلن لاحقًا زواله.
مواقف متباينة
وبالتوازي مع التدهور الإنساني وتصاعد الاشتباكات الميدانية، يشهد الملف السياسي والدبلوماسي حراكًا متزامنًا تعكسه تصريحات محلية ودولية وإقليمية تتناول تداعيات الأزمة ومستقبل الصراع.
وفي هذا السياق، صرّح عبدالقادر المرتضى، رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى في حكومة «أنصار الله»، بأن اللجنة تلقت معلومات مؤكدة تُفيد بأن الطرف الآخر في عدن «باع جزءاً من الأسرى الذين احتُجزوا في المعارك الأخيرة للرياض، التي قامت بدورها بنقلهم إلى المكلا ومن ثم إلى السعودية»، واصفًا هذا التصرف بـ «الجريمة بحق الأسرى». وأوضح المرتضى أن هذه الواقعة تثبت أن هؤلاء ليسوا سوى أدوات بيد السعودية، ولا يملكون قراراً مستقلاً حتى في ملف الأسرى، محمّلاً الرياض المسؤولية الكاملة عن حياتهم وسلامتهم.
وهو ما لم يصدر عنه تعليق رسمي حتى اللحظة من الجانب السعودي أو الحكومي.
إلى ذلك، ذكرت وكالة «رويترز» أن وزارة الدفاع البريطانية قررت نشر طائرات مقاتلة من طراز «تايفون» في مهام دفاعية للمساعدة في حماية المدن السعودية والبنية التحتية من هجمات الحوثيين.
وفي السياق ذاته، قال السير جون سويرز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني (إم أي 6)، في منتدى الأمن العالمي بالدوحة، إن «الحوثيين باقون ولن يُهزموا، وسيظلون يسيطرون على جزء كبير من اليمن في المستقبل المنظور».
وذكر موقع «دروب سايت» الأمريكي أن سويرز، الذي ترأس جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية بين عامي 2009 و2014، أشار إلى أن جماعة «أنصار الله» كشفت عن محدودية الخيارات السعودية في التعامل معهم.
وخلال جلسة لتحالف استخبارات «العيون الخمس»، أضاف سويرز أن للحوثيين أجندتهم الوطنية الخاصة في اليمن، مؤكدًا أن مساعي الرياض لدعم حكومة بديلة لم تكلل بالنجاح طوال العقد الماضي.
بدوره، أكّد عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد الفرح، أن السعودية لن تحقق نصرًا في اليمن مهما طال أمد الحرب أو حشدت من الجيوش، مشددًا على أن «الحل الوحيد هو وقف العدوان ورفع الحصار واحترام سيادة اليمن واستقلاله»، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي لن يجلب للرياض أمنًا، وسيؤثر على سمعتها وقدرتها على تصدير ثرواتها، فضلًا عن المعاناة التي ستلحق بها كما لحقت بالشعب اليمني، وفق تدوينة على منصة «إكس».
مبادرة الأزهر لوقف القتال
وفي ظل هذا الانسداد السياسي والتصعيد الميداني، برزت محاولات وساطة دينية وإقليمية لرأب الصدع، تجسدت في المبادرة التي أطلقتها مشيخة الأزهر. وعلى الصعيد اليمنيّ صدرت بشأنها ردود متباينة من طرفي النزاع.
فمن جانب الحكومة المعترف بها دوليًا، قالت هيئة علماء اليمن، في بيان، إن ما يجري في اليمن ليس نزاعًا أو حربًا مع جارٍ، بل هو «انقلاب» على حد تعبيرها، مضيفة أن الهدن السابقة استُغلت من قِبل الحوثيين لترتيب الصفوف وليس لتحقيق السلام، مطالبةً الأزهر وعلماء الأمة ببيان الحكم الشرعي لما اعتبرته الخروج المسلح على الدولة.
فيما أكّدت رابطة علماء اليمن من جانب جماعة «أنصار الله»، في بيان، «حرصها على تلبية الدعوة والنداء والتفاعل الصادق والإيجابي معها والتقدير العالي لمضامينها الإسلامية التي تستدعي المرحلة التاريخية الحرجة الاستجابة لمثل هكذا دعوة»، مضيفةً «أن صدورنا وعاصمة اليمن صنعاء على استعداد لاستقبال اللجنة المقترحة من شيخ الأزهر من العقلاء والحكماء والمخلصين من مختلف الدول العربية والإسلامية لمعرفة الواقع كما هو في اليمن».
وتضمنت مبادرة مشيخة الأزهر الشريف «نداءً أخويًّا عاجلًا بالوقف الفوري والشامل لكل أعمال الحرب والقتال» دون تحديد بلد بعينه. كما دعت إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة، تضم ممثلين من مختلف الدول العربية والإسلامية؛ من العقلاء والحكماء المخلصين، ومن محبِّي الخير والسَّلام والاستقرار، مؤكدةً استعدادها لبذل أقصى ما تستطيع لدعم جهود هذه اللجنة المباركة.
وجاءت مبادرة الأزهر في خضم حراك سياسي مصري بشأن ما سيصدر عن البرلمان من قرار إزاء موافقة مجلس الدفاع الوطني على تقديم كافة أشكال الدعم اللازم للسعودية للدفاع عن أمنها.