«اتفاق الإطار» يضع الجيش أمام مفترق القرار والشيباني يمد الجسور مع المسيحيين


بيروت ـ «القدس العربي»: أبرز ما شهده الأسبوع المنصرم في لبنان هو الانقسام السياسي حول «اتفاق الإطار» الموقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن والزيارة الهامة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان التي تؤسس لفتح صفحة جديدة من العلاقة بين بيروت ودمشق.
وبعد رفع السقف السياسي من الثنائي الشيعي وبعض حلفائه ضد «اتفاق الإطار»، بدا أن المعارضين للاتفاق وفي طليعتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري بدأ يدفع نحو تسوية خلافاً لاستمرار «حزب الله» في مهاجمة ما يسميه «اتفاق الذل والخنوع والاستسلام» وتحريكه الاحتجاجات في الشارع في وجه السلطة قبل تدخل الجيش بشكل حازم وتفريق المحتجين في شوارع بيروت وخصوصاً على طريق المطار، وإصداره بياناً يحذّر من أي مساس بالأمن والسلم الأهلي.
وبعدما راهن «الثنائي» على استمالة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل لتشكيل جبهة سياسية معارضة تمهّد للوقوف ضد «اتفاق الإطار» تمهيداً لإسقاطه، فإن جنبلاط وعلى الرغم من الملاحظات التي أبداها على الاتفاق، وقوله «يا محلا اتفاق 17 أيار/مايو»، إلا أنه أكد أنه لن يكون جزءاً من ائتلاف سياسي لإسقاط هذا الاتفاق، فيما «التيار» الذي تموضع في منطقة وسطى بين إبداء ملاحظات على الاتفاق وبين خيار التفاوض الذي لا بديل عنه، فهو يؤكد ضرورة بسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها بسلاحها الشرعي من دون أن يكون لها شريك.
وفي ضوء هذه المعطيات، كان لافتاً ما نُقل عن الرئيس بري أنه لا يخطط لتشكيل جبهة سياسية مناوئة لـ«اتفاق الإطار» أو تدعو لإسقاطه، على غرار الجبهة التي تشكلت عام 1983 وأدت لإسقاط اتفاق 17 ايار/مايو. وأبدى الرئيس بري الحرص على عدم استدراج البلد إلى «فتنة» واحتواء الاحتجاجات في الشارع وإبقاء وزيري «حركة أمل» في الحكومة، في وقت سعى «حزب الله» إلى محاولة إيجاد شرخ بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل من خلال إطلاق شائعة عن طلب عون من هيكل تقديم استقالته بعد موقف الوفد العسكري في مفاوضات واشنطن وامتناعه عن التقاط صورة تذكارية مع الوفد الإسرائيلي، ما دفع بالرئيس بري إلى القول «لا يمزحنّ أحد في موضوع الاستقالة واللعب بالجيش».
ولكن ما هي إلا أيام قليلة حتى تم نفي هذه الشائعة من خلال زيارة قام بها قائد الجيش إلى القصر الجمهوري حيث ثمّن الرئيس عون «الدور الذي يقوم به الجيش قيادة وضباطاً وأفراداً لبسط سلطة الدولة وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد وضبط الحدود»، مؤكداً «أن ما تتعرض له المؤسسة العسكرية وقيادتها من حين إلى آخر من حملات تشكيك وافتراء لن تؤثر على أدائها الوطني الملتزم قرارات السلطة السياسية أو على ثقة اللبنانيين بها».
والواقع أن قيادة الجيش لطالما أمسكت العصا من الوسط وحاولت التوفيق بين توجهات الدولة لحصرية السلاح بيدها وبين التعامل بحذر مع «حزب الله» تفادياً لمواجهة بين الطرفين. وبعدما نصّ عليه «اتفاق الإطار» من مناطق تجريبية ستكون المؤسسة العسكرية أمام تحد دقيق في تطبيق هذه المناطق النموذجية ولاسيما خارج الخط الأصفر المحتل إسرائيلياً حيث لايزال هناك تواجد عسكري لـ «حزب الله» وخصوصاً في تلة علي الطاهر التي تعتبر قاعدة عملياتية ضخمة لـ «الحزب».
ولفتت زيارة قائد الجيش قبل يومين إلى عين التينة للقاء الرئيس بري والتداول معه في آخر المستجدات الجنوبية حيث يسعى قائد الجيش لتنفيذ قرارات السلطة السياسية وما ورد في «اتفاق الإطار» من دون التسبب بصدام مع «حزب الله» حماية للاستقرار وللبلد، في وقت يرى فريق «الحزب» أن السلطة تدفع لتوريط الجيش مع «الحزب» ورمي كرة النار في أحضانه، ويتوعّد بالدفاع عن السلاح ورفض نزعه.
انطلاقاً من هنا، يسأل البعض هل سيواجه الجيش اللبناني تجربة جديدة تضعه أمام مشكلة الاختيار بين مَن يريد منه تطبيق الاتفاق وبين مَن يريد منه عدم الامتثال للسلطة السياسية ويسعى لدغدغة العماد هيكل واعتباره مرشحاً محتملاً للرئاسة علماً أن أكثر من 4 سنوات تفصلنا عن الاستحقاق الدستوري.
وفي الانتظار، يُستبعد تكرار تجربة انقسام الجيش التي شهدناها في مراحل سابقة وخصوصاً بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 ثم في عام 1983، ولا توجه لإقالة قائد الجيش حالياً الذي اختاره رئيس الجمهورية وهو الأكثر إدراكاً كقائد سابق للجيش بتركيبة المؤسسة العسكرية ونقاط قوتها وضعفها. وقد اتخذ القرار بالتنسيق مع رئيس الحكومة لعدم إبقاء الجنوب ساحة صراع إيرانية إسرائيلية على حساب لبنان، وبات مقتنعاً بعد طول حوار مع «حزب الله» لمدة 13 شهراً أن «الحزب» ليس في وارد التعاون مع الدولة لتسليم سلاحه ويتخذ من إيران مرجعية له.
ويؤشر هذا الكباش الحاد بين الطرفين إلى أن تنفيذ «اتفاق الإطار» بحذافيره سينهي في المستقبل القريب وجود «حزب الله» العسكري ويمهّد للانسحاب الإسرائيلي ويثبّت عهد الرئيس جوزف عون، فيما عدم تنفيذ الاتفاق سيعني احتفاظ «الحزب» بسلاحه وبقاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب وتالياً سيضعف عهد الرئيس عون والدولة.
أما بالنسبة إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني فقد كان لافتاً شمولها لقاءات مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل مع ما يمثله هذا الفريق المسيحي الذي كان في موقع الخصومة والمواجهة العسكرية مع نظام الأسد. وتكفي الصورة في كل من بكركي ومعراب والصيفي للتعبير عن حجم الانتقال من مرحلة إلى أخرى وللتشديد على أن ليس لدى المسيحيين عقدة من سوريا ومن الشعب السوري الذي عانى بدوره من استبداد النظام البعثي السابق الذي سعى لاحتلال لبنان والهيمنة عليه وتطويع القوى المسيحية، بدلاً من التعاطي مع لبنان كدولة ذات سيادة كما يفعل الرئيس الحالي أحمد الشرع.
وما كان ينطبق على نظام الأسد ينطبق حالياً على إيران ونظامها الذي جعل من تصدير الثورة والسلاح إلى جعل لبنان ساحة لمشروعه في المنطقة وضرب هيبة الدولة اللبنانية وإنشاء جيش رديف، ولن تستوي العلاقة بين لبنان وإيران إلا بعد التخلي عن المشروع التوسعي وعن محاولة إلحاق لبنان بالجمهورية الإسلامية التي تستخدمه كمنصة متقدمة وتحاول التفاوض باسمه واستخدام الورقة اللبنانية خدمة لمصالحها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *