ابن المقفع يبدع فنَّا للحرب والغرب يتَّبِعه.. فهل من جديد؟


الأشياء الثمينة غالبًا لا يعبِّر وزنها عن قيمتها؛ ولهذا ينتشر المثل الشعبي: «ما خفّ وزنه وغلا ثمنه»، والذي ينطبق أيضًا على أي شيء، وكل شيء، داخل أو خارج نطاق خيال المرء، والدليل أن كلمة «حرب» في جميع اللغات، بما في ذلك المندثرة منها، دائمًا ما تتألَّف من حروف قليلة، ولكن وقعها المادي عظيم الوطأة على المتلقِّي. وكل حرب يُبتكَر لها ما يسمَّى بـ»كتاب الألعاب»، الذي يضم خططًا واستراتيجيات مكينة من أجل تحقيق الفوز في المعارك، والذي غالبًا ما يُعْتَمد كاستراتيجية لا يمكن إغفالها، إذا ما أثبت فاعليته، وأضحى ضمانًا ساريًا لتحقيق النصر. وأبلغ دليل كتاب «فن الحرب» الذي كتبه القائد العسكري الصيني «سون تزو» في القرن الخامس قبل الميلاد ليهديه للإمبراطور؛ من أجل الحفاظ على الدولة قوية ومتماسكة الأرجاء. وبذلك يتضح أنَّ الكلمة هي الأساس الثابت لشنّ أو إخماد أي حرب، مهما كان نوعها، وهذا لتعدد أنواع الحروب؛ فهناك حروب عسكرية وكلامية ودبلوماسية واجتماعية، وغيرها.
ولقد تنبَّهت جميع حضارات العالم القديم، منذ عصور ما قبل الميلاد، إلى أهمية وجود كتاب ألعاب قائم وثابت، والذي غالبًا ما يكون قائمًا على وقائع يتم تلخيصها في كلمات ويتم تداولها بين الطبقات الحاكمة. لكن هناك أيضًا حضارات أخرى رغبت في تلقين جميع الأجيال، بدءًا من النشء، تلك الحكمة ليكون الاستعداد على أشدُّه وقتما يظهر العدو، أو في الأزمات؛ وجميعها تتشابه أسسها وكتب التنمية البشرية الحديثة.
وتجدر الإشارة إلى أن القائد العسكري والحاكم والفيلسوف الرواقي اليوناني «ماركوس أوريليوس» (121-180م) قد جمَّع فلسفته وحكمته في مخطوطة تروي تفاصيل إرثه الفلسفي. لكن ليس جميع القادة وعامة الشعب لهم القدرة على فهم نصوص أدبية فلسفية الطابع، أو هضم حكم جامد، كما هو الحال بالنسبة لكتاب «فن الحرب». ولهذا، ابتكر المصريون القدماء في عصور ما قبل الميلاد أسلوبًا لا تخيب أهدافه في نقل الحكمة والدروس الأخلاقية من خلال تأليف حكايات تدور على ألسنة الطير والحيوانات. وفيما يبدو أن هذا التقليد قد انتقل للحضارات المجاورة، إلى أن استقر الأمر في العصور المتقدِّمة في بلاد الهند، وبالتحديد في القرن الرَّابع الميلادي، حيثما أمر الملك «دبشليم» معلِّمه الحكيم والفيلسوف «بيدبا» أن يؤلِّف كتابًا في عهده يكون زاخرًا بالحكم والأمثال تتناقله الأجيال التالية كإرث فكري وخطة للحفاظ على كيان الدولة والأفراد. فانبلج ذكاء المُعلِّم الحكيم عندما ألَّف كتابًا يسهل فهمه، وراعى فيه ركيزة التشويق، تمامًا كما كان الأمر في الحضارة المصرية القديمة. وعلى هذا ألَّف كتاب «الفصول الخمسة» الذي تم اعتباره إرثّا قوميًا للهند لا يمكن التفريط فيه، ويتم تداوله فقط بين الملوك والفلاسفة، الذين يحرصون على عدم وقوعه في أيدي الغرباء. والكتاب عبارة عن أسئلة يوجهها الملك «دبشليم» إلى الحكيم «بيدبا»، والذي تكون إجاباته البليغة في شكل حكاية تدور على ألسنة الحيوانات والطير، لكنها تتميَّز بدروسها الأخلاقية العميقة.
وإبَّان أحد عصور القوَّة في حضارة فارس، تولَّى زمام الحكم «الملك كسرى»، الذي سمع الكثير عن ذاك الكتاب وما يحتويه من خبرات وحكمة تُعلي من شأن من يتعلَّم دروسه. ولهذا، أصرّ على امتلاك الكتاب، وإن كان على دراية أنه ليس من السهل الحصول عليه. لذا، نفَّذ عملية استخباراتية اقتضت إرسال جاسوس، وهو الطبيب «برزويه»، الذي أمره «كسرى» أن يتواصل ويكوِّن صداقات مع الملوك والنبلاء، وكل من يعمل في بلاط الحاكم؛ من أجل الحصول على الكتاب. وبالفعل، بعد مهمة شاقة استغرق تنفيذها سنوات سبعًا، تمكَّن «برزويه» من الحصول عليه وترجمته من اللغة السنسكريتية إلى الفارسية.
وبينما كانت تتجة الدولة العبَّاسية إلى ذُرى المجد، بالرغم من العواصف السياسية التي قد تقوِّض البلاد، جاء دور زعيم المترجمين من الفارسية للعربية وأحد المؤسسسين الأوائل لفنّ النثر العربي، المفكِّر الفيلسوف «ابن المقفَّع» الذي استشرف خطر التقلُّبات السياسية على استقرار الدولة، ومن ثمَّ، وجد في كتاب «الفصول الخمس» الفارسي اللغة «كتاب الألعاب» المنشود، والذي بالفعل صار سببًا في اكتساب شهرة لا تنطفئ جذوتها بتوالي العصور. ولم يقف دور «ابن المقفَّع» عند النقل والترجمة فقط، بل إنه أيضًا أضاف العديد من الحكايات وعدَّل البعض الآخر لتتناسب والأوضاع السياسية في عصره. ويُذكر أن لترجمة «ابن المقفَّع» تلك لذاك الإرث الاستراتيجي الفلسفي الثمين سببًا مباشرًا في تخليد محتوى الكتاب بعد ضياع كلٍ من الأصول السنسكريتية والترجمة الفارسية للكتاب.
وفي العصر الحديث، لم يجد الكاتب الإنجليزي الشهير «جورج أورويل» George Orwell (1903-1950) وسيلة للتعبير عن خطر تفشِّي تيار الشيوعية في أوروبا بعد أن تمكَّن من مفاصل الدولة في روسيا سوى بكتابة رواية تنتقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية التي تعم أرجاء روسيا بعد اعتناق الشيوعية، وتحذِّر من مغبَّة انتشارها في الدول الأوروبية، وخاصة وأنّ مهدها احتضنته فرنسا عاصمة النور، وهناك آمن به العديد. ولكي ينجو من المُساءلة ويبعد عن تصنيفه كاتبًا سياسيًا، مما قد يعصف بمستقبله الأدبي والنقدي والصحافي، اختار أن يؤلِّف رواية شيِّقة تدور على ألسنة الحيوانات، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لكتاب «كليلة ودمنة»، وأطلق على الرواية اسم «مزرعة الحيوانات» The Animal Farm (1945) وجعل منها رواية تصلح للأطفال لتعلم الدروس الأخلاقية، ويستفيد منها الكبار الذين يفهمون ويدركون خلفيتها السياسية ولمن تشير له بالبنان من أفراد معنيين بداخل الحزب الشيوعي الروسي.
نجحت الرواية نجاحًا فاق كل التوقعات، ولا تزال تحقق نجاحات حتى بعد انهيار النظم الشيوعية وتفتت الاتحاد السوفياتي، بتحويلها لأفلام ومسلسلات كارتون تتناسب والأطفال. بيد أنّ «جورج أورويل» قد عزى الفضل كله للروائي والكاتب الإنجليزي «سومرست موم» Somerset Maugham (1874-1964) الذي، حسب قوله، قد علَّمه استراتيجيات الاسترسال في السرد بقوَّة وأسلوب مباشر مكتمل الأركان، دون إغفال عنصر التشويق.
لكن يبدو أن «أورويل» قد أغفل ركيزة نجاح الرواية؛ وهو ترديد حكايات سياسية على ألسنة الحيوانات، ذاك التكنيك الذي سبقه فيه الروائي الإنجليزي «لويس كارول» Lewis Carroll (1832-1898) في رائعته السياسية وكتاب الأطفال المتميز «أليس في بلاد العجائب» Alice in Wonderland (1865)، والذي بدوره سار على نهج الكاتب والروائي السَّاخر «جوناثان سويفت» Jonathan Swift (1667-1745)، الذي عصفت روايته الشهيرة «رحلات جاليفر» Gulliver’s Travels (1726) أرجاء الساحة السياسية في عصره، ولا تزال الكتاب المفضَّل لدى الصغار والكبار، على حدٍ سواء.
فيما يبدو أن اتصَّال بريطانيا الكولونيالية بعد الحملات الصليبية بآداب الشرق قد منح الأدب الإنجليزي أفكارًا واستراتيجياتٍ سردية جديدة. ومن ثمَّ، يجب البحث في ثنايا التاريخ قبل إطاق الأحكام. قد لا يكون التطور «وضع نفس المعلومة في قوالب جديدة»، كما كان يردد «سقراط»، لكن يجب العلم أن بصمات وشفرات الحضارات القديمة تنتقل عبر الأجيال وتتخطى حدود الزمان والمكان، والأذكياء فقط هم من يلتقطون تلك الروح ويعدِّلون فيها؛ لانتاح الأعمال الخالدة التي تتشابه وكتب الألعاب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *