إنهاء الصراع أو تركه يتلاشى؟


لندن ـ «القدس العربي»: يرسم مؤشر مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعودا وهبوطا يتحرك بحدة تجاه مستقبل الحرب ضد إيران حيث قال ترامب يوم الجمعة 23 تشرين الأول/اكتوبر الحالي: “يمكننا إنهاء الحرب بسرعة كبيرة… والسؤال هو: هل نريد حسم الصراع أم نتركه يتلاشى تدريجيا؟”.
وفي حديثه للصحافيين في البيت الأبيض قبيل مغادرته إلى فلوريدا، قال ترامب إن النفط يمر عبر مضيق هرمز، وأضاف “نحن نحصل على كل ما نريده”.

كابوس الناقلات

لكن الرئيس الأمريكي لم يوضح عما إذا كان ما يحصل عليه هو ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية فقط، أو ما يهم العالم ومستقبله الاقتصادي وشريان الطاقة الحياتي الذي يمر من مضيق هرمز حيث تقول إيران إنها ما زالت تمسك بمفاتيح إقفاله.
ولهذا الكلام ما يؤيده في بيانات المنظمة البحرية الدولية التي أفادت بأن شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي سجّل حتى يوم الجمعة وقوع ما لا يقل عن 28 هجوما موثقا على سفن في المضيق.
ووفقا لحسابات وكالة رويترز المستندة إلى بيانات المنظمة البحرية الدولية، فقد تعرض حوالي 3.5 في المئة من أسطول الناقلات العملاقة للهجوم، فيما قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن البيانات المبلغ عنها قد لا تشمل جميع الهجمات.
وأظهرت بيانات جمعها مركز أبحاث مقره واشنطن يتتبع حوادث الأمن البحري في جميع أنحاء العالم منذ عام 2017 أن شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي كان أسوأ شهر من حيث الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز والممرات المائية المجاورة.
وقالت نُعام رايدان، وهي باحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى وتتولى إدارة الخريطة التفاعلية لحوادث الشحن التابعة للمعهد: “هناك 28 هجوما مؤكدا جرى الإبلاغ عنها في مضيق هرمز والممرات المائية المحيطة به خلال تشرين الأول/أكتوبر، و113 هجوما منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026”.
وتظهر خريطة المعهد أن معظم الهجمات التي وقعت في شهري أيلول/سبتمبر، وتشرين الأول/أكتوبر كانت في مضيق هرمز.
وتضيف رويترز أن ذلك العدد يتوافق بشكل عام مع بيانات المنظمة البحرية الدولية، التي سجلت ما مجموعه 120 حادثة في مضيق هرمز ومنطقة الشرق الأوسط على النطاق الأوسع منذ بدء حرب إيران.
وتشير سجلات المنظمة البحرية الدولية إلى أن أكثر من 30 ناقلة عملاقة تعرضت لأضرار خلال الهجمات، بما في ذلك 11 ناقلة في شهر تشرين الأول/أكتوبر وحده، وذلك وفق مراجعة لقائمة المنظمة البحرية الدولية وبيانات تتبع السفن الصادرة عن منصة مارين ترافيك.
ويمكن لكل ناقلة عملاقة أن تحمل حوالي مليوني برميل من النفط الخام. وتمثل السفن المدرجة في القائمة حوالي 3.5 في المئة من إجمالي أسطول ناقلات النفط الخام العملاقة العالمي، الذي يتجاوز 900 سفينة.
وتعرضت المزيد من الناقلات للهجوم مع تزايد استعداد مالكي السفن لتحميل البضائع داخل الخليج، مدفوعين بأسعار الشحن اليومية التي تتجاوز مليون دولار والخصومات الأكبر التي يقدمها المنتجون الإقليميون مقارنة بخام برنت المؤرخ.
وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، وهي هيئة الأمن البحري البريطانية التي سجلت 135 واقعة متعلقة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران حتى 16 تشرين الأول/أكتوبر، إنها تواجه صعوبة في تكوين الصورة الكاملة بسبب عدم كفاية التقارير الطوعية الواردة من شركات الشحن.
كما أظهرت بيانات الهيئة ارتفاعا حادا في حجم الأضرار التي لحقت بالسفن جراء الهجمات في تشرين الأول/أكتوبر.
وقالت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الجمعة إن جهودا تبذل لاحتواء تسرب نفطي من ناقلة قبالة سواحلها دفع السلطات لإغلاق شواطئ وإصدار تحذير للصيادين ينصحهم بتجنب المنطقة.
وجاء في البيان “أكدت وزارة التغير المناخي والبيئة أن منظومة الرصد الفني والتقييم البيئي في الدولة رصدت تلوثا بحريا ناتجا عن تسرب نفطي من إحدى الناقلات البحرية امتدت آثاره إلى شواطئ إمارة أم القيوين”.
وذكر البيان “فور رصد التلوث، باشرت الفرق المختصة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتواء التلوث وتطويق المناطق المتأثرة، والبدء بأعمال التنظيف والمعالجة للحد من آثاره البيئية”.
وقالت الوزارة “وفي إطار التدابير الاحترازية، قامت الوزارة بإغلاق جميع الشواطئ والمناطق الساحلية بالإمارة مؤقتا، لحين استكمال الأعمال وتحديد الإجراءات اللازمة. كما تهيب بالصيادين ومرتادي البحر الالتزام بالتعليمات والامتناع عن الصيد في المواقع المتأثرة”.
وفي وقت لاحق، أعلن المكتب الإعلامي لحكومة إمارة الشارقة “إغلاق شاطئ الحمرية في الشارقة مؤقتا، وذلك في إطار التدابير الاحترازية الاستباقية لتجنب وصول التلوث البحري الناتج عن تسرب نفطي من إحدى الناقلات البحرية”. ويقع شاطئ الحمرية على الساحل الشمالي للإمارات بالقرب من الحدود مع أم القيوين.
لم تذكر السلطات الإماراتية اسم الناقلة المعنية أو سبب التسرب النفطي ، لكن مارتن كيلي الرئيس التنفيذي لشركة “أوربيتال ريسك إنتيليجنس” قال لرويترز إن التسرب مصدره الناقلة “جيم نمبر2”. ويقول محللون إن صورا التقطتها أقمار اصطناعية بين يومي 19 و21 تشرين الأول/أكتوبر تظهر على ما يبدو تسربا نفطيا كبيرا من تلك الناقلة.
وقال ليون مورلاند الباحث في “مرصد الصراع والبيئة”، “البقعة النفطية كبيرة، إذ تغطي مساحة تقارب 160 كيلومترا مربعا، ويبدو أن مصدرها الناقلة”.
وأضاف “علاوة على ذلك، يزيد وجود بقعة نفطية بهذا القرب من الشاطئ من احتمالية تأثر الشواطئ المجاورة وموائل الكائنات الحية شديدة التأثر بيئيا”.

أسعار النفط تغلي

ووسط ذلك المشهد ارتفعت أسعار النفط، الجمعة، ليصل خام برنت إلى 117.17 دولار للبرميل لأول مرة منذ آذار/مارس الماضي، أي منذ ما بعد اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير 2026.
وبحلول الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش يوم الجمعة صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 3.5 في المئة إلى 117.17 دولار للبرميل، فيما ارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي بنسبة 3.6 في المئة إلى نحو 103 دولارات.
وهدد الحرس الثوري الإيراني بتوسيع نطاق الحرب وباستهداف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، في حال واصل الجيش الأمريكي مواكبة السفن عبر مضيق هرمز.
وقال الحرس الثوري في بيان يوم الخميس الماضي “على الجيش الأمريكي أن يعلم أنه إذا مضى في نهجه، فإن الصراع سيمتدّ إلى قواعده في المنطقة”.
هذا الواقع يشكل هاجسا للرئيس ترامب الذي اتهم طهران يوم الخميس برفع أسعار النفط عمدا قبيل انتخابات منتصف الولاية المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر2026.
وأكد ترامب عبر منصته “تروث سوشال” أن إيران “تفعل كل ما في وسعها لرفع أسعار النفط قبيل انتخابات منتصف الولاية”.
واتهم طهران بـ”ادعاء هجمات زائفة” في مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل الحرب خُمس إمدادات الطاقة العالمية، مؤكدا أن “كميات أكبر من النفط تمر حاليا عبر مضيق هرمز مقارنة بما كانت عليه قبل” اندلاع الحرب.
وتزداد مخاوف ترامب في وقت تشير استطلاعات الرأي إلى أن حزبه الجمهوري قد يفقد السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما خلال انتخابات منتصف الولاية، بسبب أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار.
وتباطأ النشاط التجاري في الولايات المتحدة قليلا في تشرين الأول/أكتوبر، وأتاح الطلب القوي للشركات فرصة زيادة أسعار السلع والخدمات، في إشارة إلى أن التضخم قد يرتفع أكثر ويبقى عند مستويات مرتفعة خلال الشهور المقبلة.
وقالت شركة “ستاندرد اند بورز غلوبال” الجمعة إن مؤشرها الأولي المركب لمديري المشتريات، الذي يتتبع قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات، في الولايات المتحدة انخفض هذا الشهر إلى 57.6 نقطة بعد أن وصل في أيلول/سبتمبر إلى أعلى مستوى له في خمس سنوات عند 58.4 نقطة.
وحذر خبراء اقتصاد من أن تداعيات التضخم الناجمة عن طول فترة الصراع في الشرق الأوسط من المرجح أن تؤدي إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي هذا الربع من العام .

عراقجي ودافع الضرائب الأمريكي

وتراهن القيادة الإيرانية على سقوط ترامب وحزبه في الانتخابات النصفية، حتى أن وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، تقدم للأمريكيين عبر إحدى تغريداته، بحصيلة عن كلفة تبلغ 11 مليار دولار قال إن المواطنين الأمريكيين دفعوها بسبب الدفاع الصاروخي الأمريكي عن إسرائيل.
وأفادت وكالة “إرنا” الرسمية، بأن وزير الخارجية الإيراني أشار يوم الجمعة، في تدوینة على حسابه بمنصة “إكس”، إلى تلك التكاليف قائلا: لقد أنفقت الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الماضية 11 مليار دولار من ضرائب الشعب الأمريكي على الدفاع الصاروخي عن إسرائيل. وفي الواقع، أطلقت أمريكا صواريخ اعتراضية للدفاع عن إسرائيل أكثر مما أطلقته إسرائيل نفسها، وأضاف: “لم تعد هذه علاقة قائمة على أساس المصالح المتبادلة، بل هي علاقة طفيلية أحادية الجانب”. وأفادت “إرنا”، بأن وزير الخارجية أشار في هذه الرسالة إلى جدول يتضمن تقديرات منشورة بشأن عدد وتكلفة صواريخ الاعتراض الأمريكية التي أُطلقت للدفاع عن إسرائيل في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى حزيران/يونيو 2026.
وتقول طهران بأنها جاهزة لأي سيناريو محتمل بشأن مستقبل الحرب، لكن محمد مخبر وهو مستشار ومساعد المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي يعتبر: “أن الحرب النفسية وتهديدات ترامپ ونتنياهو، تدل على العجز واليأس أكثر مما تعكس قوة “.
وأضاف في تغريدة على موقع إكس: “إن إيران تعرف نقاط ضعف العدو، وإن المفاجآت الميدانية وأداة النفط والطاقة قادرتان على قلب المعادلات”. وختم قائلا: “سيتبقى في هذه المنطقة شعب (إيران) سكنها آلاف السنين، وإن الكيان الصهيوني لا يمكنه سوى التفكير في عدم وجوده”، على حد تعبيره.
وبالتوازي قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي: لقد وعد الأمريكيون بانهيار الاقتصاد الإيراني خلال أسبوعين من خلال عمليات الإقصاء الاقتصادي وتشديد الحصار على إيران، إلا أنهم على الرغم من الضغوط الاقتصادية الشديدة التي تعرض لها الشعب الإيراني لم ينجحوا في تحقيق هدفهم الأساسي، مما أظهر أن هذه الفكرة لم تكن سوى وهم.
وأفادت “إرنا” أن همتي كتب على قناته في تطبيق “تلغرام”: أن العائدات النفطية لا تشكل حصة رئيسية من الموازنة، وأن الحكومة عازمة على تغطية عجز الموازنة عبر مصادر أخرى بالعملة المحلية؛ مثل بيع الأصول وإجراء الإصلاحات اللازمة في قطاع الطاقة وتصدير المنتجات النفطية. أما فيما يتعلق بالجانب الخاص بالعملات الأجنبية، فلا نزال نتلقى عائدات صادرات النفط بالعملات الأجنبية، وقد اتخذنا التدابير اللازمة للمرحلة القادمة أيضاً.

دعوات لحل سلمي

وسط كل ذلك ارتفعت الأصوات الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي، حيث قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الجمعة إن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفا أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.
وفي تصريحات له عقب اجتماعه مع نظرائه من مصر وباكستان والسعودية وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا في إسطنبول، قال فيدان إن أيا من الدول المشاركة في الاجتماع لم توافق على تدخل عسكري آخر أو هجوم على إيران.
كذلك قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الجمعة إن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الجمعة إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يخلف سوى خاسرين، وسيرفع أسعار النفط. وأضاف بارو للصحافيين في إسطنبول “أي تصعيد آخر بين إيران والولايات المتحدة لن يحقق أي مكاسب، ومن المرجح أن تكون له عواقب بالغة الخطورة على أسعار المحروقات”.
أما نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني فاعتبر في حديث للأناضول أن منطقة الخليج تمر بمرحلة حرجة، مضيفًا: “على الرغم من الخلافات الواضحة بين إيران والولايات المتحدة، ينبغي اعتبار الاتصالات غير المباشرة التي جرت بينهما في نيويورك، وما أعقبها من تقديم مقترحات متبادلة للتفاوض، خطوة إيجابية، فالدبلوماسية هي السبيل الوحيد القابل للتطبيق للتوصل إلى حل مستدام… لا نريد استئناف صراع شامل”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *