إلى متى يستطيع العالم تحمل صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران؟


لندن- “القدس العربي”: تساءل المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” مارتن وولف عن قدرة العالم على تحمل صدمة النفط الناجمة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها الثامن من دون أفق واضح لنهايتها.

ويقول وولف إن استنتاجه المبدئي هو أنه “لا ينبغي الاستهانة أبدًا بغباء الإنسان أو بذكائه”، مضيفًا أن الكفة تبدو متعادلة بين الاثنين حتى الآن، لكن السؤال هو إلى متى يمكن أن يستمر ذلك.

وفي تحليل لاذع، يصف جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، الحرب على إيران بأنها “أم الأخطاء الاستراتيجية”. ويشير إلى أن الولايات المتحدة دخلت الحرب استنادًا إلى ادعاء بأن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي، وافترضت أن القوة الجوية وحدها يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام، وهو ما لم ينجح تاريخيًا، فضلًا عن عدم امتلاكها خطة طوارئ للتعامل مع إغلاق إيران مضيق هرمز.

دخلت الولايات المتحدة الحرب استنادًا إلى ادعاء بأن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي، وافترضت أن القوة الجوية وحدها يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام، وهو ما لم ينجح تاريخيًا، فضلًا عن عدم امتلاكها خطة طوارئ للتعامل مع إغلاق إيران مضيق هرمز

ويرى ميرشايمر أن واشنطن أخفقت كذلك في تحقيق أهدافها الرئيسية الأربعة: تغيير النظام الإيراني، وإنهاء قدرته على تخصيب اليورانيوم، وشل قدرته على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، ووقف دعمه لحماس وحزب الله والحوثيين. كما ألحق إغلاق المضيق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد العالمي، وقد يتسبب في أضرار أكبر، فيما تضررت شبكة التحالفات الأمريكية في الخليج وخارجه.

ويعلق وولف بأن هذا المستوى من “الغباء” مثير للدهشة، وأنه لا يمكن حتى الآن التنبؤ إلى أين سيقود الوضع. لكن ثمة رأيًا آخر يرى أن الحرب ربما كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا، إلا أن تداعياتها الاقتصادية لم تكن بالحجم المتوقع.

وكما أشار يوهانس أوربيلينن، من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، في أغسطس/آب، فإن كثيرًا من الخبراء توقعوا في البداية أن تؤدي اضطرابات الإمدادات إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، بما يسبب تضخمًا هائلًا وركودًا عالميًا. لكن الأسعار بلغت ذروة عند نحو 126 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان 2026، قبل أن تتراجع، فيما لا يزال السعر الحقيقي للنفط الخام قريبًا من متوسطه طويل الأجل منذ عام 1972.

ويتساءل وولف عن كيفية حدوث ذلك، خصوصًا أن فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، حذر في مارس/آذار من أن اضطراب الإمدادات يمثل “أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ”. ويرى أن الإجابة تكمن في “الإبداع”.

ويحدد أوربيلينن أربعة عوامل أساسية ساعدت في احتواء الصدمة: تراجع اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط بفعل التحول في قطاع الطاقة، ومرونة سلاسل الإمداد وقدرتها على التكيف، وزيادة إنتاج النفط والغاز خارج الشرق الأوسط، فضلًا عن استخدام مخزونات النفط العالمية لسد جزء من الفجوة.

وتبرز هذه المرونة بصورة خاصة في منطقة الخليج. وبحسب الدبلوماسي السابق محمد السكري، بلغت صادرات النفط الخام الإقليمية، وفق تقديرات أولية حتى نهاية سبتمبر/أيلول، نحو 16.3 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ19.5 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط، بينها نحو 9.7 مليون برميل عبر مضيق هرمز.

لكن وولف يحذر من أن العالم لا يستهلك النفط الخام بحد ذاته، بل المنتجات المصنوعة منه. وقد تعرضت مصافي النفط الخليجية لأضرار كبيرة، فضلًا عن كونها مصممة لمعالجة أنواع محددة من الخام، ما أدى إلى نقص في بعض المنتجات، ولا سيما الديزل. ودفع ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دراسة خطة، تراجع عنها لاحقًا، لوقف صادرات الوقود الأمريكية.

كما ارتفعت أسعار بعض المنتجات الأخرى بصورة أكبر من أسعار النفط الخام، خصوصًا الغاز الطبيعي والكبريت. ومع ذلك، جرى احتواء اضطرابات إمدادات النفط والأسعار والاقتصاد العالمي عمومًا، ويربط نوريل روبيني، في “بروجكت سنديكيت”، جانبًا من ذلك بطفرة الاستثمار الهائلة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد العالمي، يقول وولف إن المهم ليس مستوى الاستثمار بحد ذاته، وإنما معدل نموه، فضلًا عن الأثر الاقتصادي النهائي للذكاء الاصطناعي. ومن المؤكد أن الاستثمار سيتباطأ في مرحلة ما، أما حجم مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، أو حتى آثاره المدمرة، فلا أحد يستطيع معرفته على وجه اليقين.

وهناك مصادر أخرى للهشاشة، من بينها قدرة الدول على إدارة ديونها في ظل ارتفاع أسعار الفائدة. وتواجه فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة في هذا المجال، فيما يبرز خطر خاص على الدول التي تتميز ديونها العامة بآجال استحقاق قصيرة، إذ تتمتع بحماية محدودة من تأثير التضخم المرتفع على تكاليف الاقتراض.

ومن هنا، يطرح وولف السؤال عما إذا كانت الحرب على إيران ستواصل المراوحة بين الحماقة والإبداع. فإذا استمرت، فقد تبقى صدمة الطاقة محدودة، لكن لا يمكن اعتبار ذلك أمرًا مضمونًا؛ فالوضع الحالي، ولا سيما انخفاض مخزونات النفط، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. كما أن انخفاض الطلب المحلي في الصين قد لا يدوم، وإذا تغير ذلك فقد تقفز أسعار النفط الخام إلى مستويات مقلقة.

والأهم من ذلك هو مسار الحرب نفسها. ويتساءل وولف عما إذا كان ترامب سيرى في نتيجة انتخابات التجديد النصفي فرصة لإطلاق العنان لمزيد من التصعيد، خصوصًا إذا كان في نهاية ولايته واعتقد أن الوقت حان للتخلص من “الإيرانيين المزعجين”، بحسب تعبيره.

وفي هذه الحالة، يطرح السؤال عن مدى قدرة إيران، أو رغبتها، في إلحاق المزيد من الضرر بالبنية التحتية النفطية لجيرانها، وما إذا كان تدفق النفط الخليجي، الذي استمر رغم الحرب، يمكن أن يتعرض لتعطيل جديد.

يرى وولف أن من مزايا الحكام المستبدين أنهم قد يصابون بالملل سريعًا، وهو لا يعتقد أن ترامب يجد الحرب مع إيران ممتعة بعد الآن، كما أنه يجد صعوبة، في قرارة نفسه، في الاقتناع بأنها كانت “انتصارًا عظيمًا”

كما يتساءل وولف عما إذا كان الكونغرس سيكون قادرًا أو راغبًا، بعد انتخابات التجديد النصفي، في وقف الحرب، أو ما إذا كان ترامب قد يمل من الصراع ويترك الأعمال العدائية تتراجع تدريجيًا إلى هدنة متوترة، وربما غير رسمية.

ويرى وولف أن من مزايا الحكام المستبدين أنهم قد يصابون بالملل سريعًا، وهو لا يعتقد أن ترامب يجد الحرب مع إيران ممتعة بعد الآن، كما أنه يجد صعوبة، في قرارة نفسه، في الاقتناع بأنها كانت “انتصارًا عظيمًا”. فإيران، وفق ميرشايمر، لم تتراجع عن أهدافها الرئيسية؛ صحيح أنها منهكة، لكن نظامها ونفوذها في الخليج لا يزالان راسخين.

وقد يُغرى ترامب، في نهاية المطاف، بإعلان النصر والمضي قدمًا، وهو ما قد يلقى ترحيبًا لدى الأمريكيين. ويبقى السؤال: هل ينتهي كل هذا بانفجار هائل، أم بمجرد أنين ضعيف؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *