الأمم المتحدة- «القدس العربي»: قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، باولا غافيريا بيتانكور، إن إعادة إعمار قطاع غزة «لن تبدأ إلا عندما ينتهي الاحتلال»، مشددة على ضرورة أن يمتلك الفلسطينيون قرار مستقبلهم وأن يشاركوا بصورة فعلية في تحديد مسار التعافي وإعادة البناء.
وجاءت تصريحات غافيريا بيتانكور خلال مؤتمر صحافي عقدته في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عقب عرض تقريرها الجديد أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة، المعنية بالقضايا الاجتماعية والإنسانية وحقوق الإنسان. ويناقش التقرير ما إذا كانت عمليات إعادة الإعمار تساعد على إنهاء النزوح، أم تؤدي، في حال استبعاد المتضررين منها، إلى تكريس آثاره.
وقدّرت المقررة الأممية احتياجات إعادة إعمار غزة بأكثر من 71 مليار دولار، موضحة أن إعادة البناء لا ينبغي أن تقتصر على ترميم المنازل والطرق والمنشآت المدمرة، بل يجب أن تشمل استعادة الحقوق والخدمات وسبل العيش، وإعادة بناء المؤسسات والثقة العامة، وتهيئة الظروف التي تسمح للنازحين بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة.
وأضافت أن النازحين داخلياً يجب أن يكونوا في صلب القرارات المرتبطة بإعادة الإعمار، باعتبارهم أصحاب حقوق وشركاء في رسم مستقبل مجتمعاتهم. وحذرت من أن المضي في مشروعات التعافي من دون مشاركة المجتمعات النازحة قد يعيد إنتاج أنماط الإقصاء وعدم المساواة التي أسهمت في النزوح.
ورداً على سؤال خلال المؤتمر بشأن إمكان تنفيذ إعادة الإعمار في ظل استمرار النزاعات، قالت غافيريا بيتانكور إن وقف العنف يمثل الشرط الأول لأي عملية بناء، مضيفة: «يجب أن يتوقف الاحتلال في غزة». وأكدت أن المجتمع الفلسطيني ينبغي أن يقود عملية تحديد مستقبله، وأن تكون له ملكية فعلية لمسار إعادة إعمار القطاع، بدلاً من التعامل معه بوصفه مجرد متلقٍ للخطط والمساعدات.
وأشارت كذلك إلى أنها لم تطّلع بعد بصورة معمقة على خريطة الطريق المطروحة لتنفيذ إعادة إعمار غزة، لكنها قالت إن المقررين الخاصين سبق أن دعوا، منذ طرح خطة السلام عام 2025، إلى ضمان ملكية الفلسطينيين للعملية السياسية ومسار التعافي.
وأثارت «القدس العربي» خلال المؤتمر مسألة الظروف الراهنة في غزة، حيث يعيش السكان ضمن مساحة تُقدّر بنحو 30 في المئة من أراضي القطاع، وربطت ذلك بإحاطة قدمها، الاثنين، كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، بشأن اضطرار البرنامج إلى خفض المساعدات المقدمة لنحو نصف مليون شخص بسبب نقص التمويل، ولا سيما ما يترتب على ذلك بالنسبة إلى النساء والأطفال.
وفي ردها، قالت غافيريا بيتانكور إنها تتابع الوضع في غزة منذ صدور أوامر الإخلاء الأولى عقب 9 تشرين الأول/أكتوبر، وإنها تحدثت، إلى جانب عدد من المقررين الخاصين، عن عدم قانونية تلك الأوامر. وأوضحت أن التقرير يتناول غزة من زاوية إعادة الإعمار وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وامتلاك قرار مستقبلهم.
وفي ما يتعلق بالضفة الغربية، أشارت المقررة الخاصة إلى مشاركتها مع خبراء أمميين آخرين في تناول عدد من التطورات المرتبطة بالنزوح وحقوق الفلسطينيين، وكان أحدثها الوضع المحيط بموسم قطف الزيتون. ولم تدخل في تفاصيل إضافية بشأن هذه المسألة خلال المؤتمر.
وفي سؤال متابعة، أثارت «القدس العربي» مصطلح «الإبادة التعليمية» أو «Scholasticide»، الذي يستخدمه بعض الباحثين لوصف التدمير المنهجي للمؤسسات التعليمية وحرمان مجتمع بأكمله من التعليم، وسألت عما إذا كان التقرير يتعامل مع تدمير المنظومة التعليمية في غزة بوصفه عائقاً أمام إعادة الإعمار.
وقالت غافيريا بيتانكور إن التعليم جزء أساسي من الحقوق التي يجب أن تستعيدها المجتمعات النازحة، مضيفة أن عدم قدرة الأطفال على العودة إلى مدارسهم يعني أن العائلات لم تصل بعد إلى حل حقيقي ودائم للنزوح. وأوضحت أن التقرير لا يتناول غزة بصورة منفردة لأنه ليس تقريراً مخصصاً لدولة أو منطقة بعينها، لكنه يدرج التعليم ضمن العناصر الضرورية لعملية إعادة الإعمار.
وأضافت أن القضية لا تقتصر على العودة إلى الصفوف، بل تشمل أيضاً الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، أي مساعدة الأطفال على التعامل مع الخوف والصدمات واستعادة الشعور بالأمان والانتماء. وقالت إن المدرسة تمنح الطفل مساحة آمنة للوجود مع أقرانه والتعلم والنمو، بدلاً من قضاء سنوات طفولته داخل خيمة أو في حالة نزوح متواصل.
وأشارت إلى أن نحو 95 في المئة من سكان غزة تعرضوا للنزوح، وفق التقدير الذي أوردته، وأن بعض الأشخاص اضطروا إلى الانتقال من مكان إلى آخر قرابة عشر مرات خلال السنوات الأخيرة. كما أعربت عن اهتمامها بإعداد تقرير لاحق يركز على الصدمات الممتدة بين الأجيال، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال الذين لم يعرفوا سوى النزوح وعدم الاستقرار.
وأكدت المقررة الأممية أن نجاح إعادة الإعمار لا يُقاس بعدد المباني والطرق التي يعاد بناؤها، بل بقدرة النازحين على استعادة مساكنهم وأراضيهم وخدماتهم وفرص التعليم والعمل، والعيش بأمان وكرامة من دون تمييز أو خوف من نزوح جديد.