نظام صواريخ إيراني معروض في ساحة آزادي بطهران، إيران، 30 يوليو 2026
خلال الأسبوع الماضي، شنت ميليشيات شيعية في العراق عشرات الهجمات على القوات الأمريكية وعلى البنية التحتية للطاقة في السعودية، بينما جدد الحوثيون في اليمن هجماتهم على ناقلات النفط السعودية ومنشآت حيوية لشركة أرامكو. كما يهددون الممرات الملاحية في البحر الأحمر. ردًا على نشاط الميليشيات العراقية، شنت الولايات المتحدة والسعودية غارات جوية على مواقع الميليشيات، ما أسفر عن مقتل عشرات العناصر. وأمس، صرح مسؤولان من دول الخليج لوكالة “رويترز” بأن المتمردين الحوثيين في اليمن هم من هاجموا السعودية من العراق، وليس إيران. وفي الوقت نفسه، وردت أنباء عن هجوم آخر على السعودية من اليمن الليلة الماضية.
من وجهة نظر إيران، التصعيد الإقليمي يسمح لها بمواصلة حرب الاستنزاف عبر وكلائها. ففهي تسعى إلى إظهار قدرتها على إلحاق ضرر دائم، ورفع تكلفة الصراع على خصومها، وتحسين موقفها التفاوضي تمهيدًا لاستئناف المفاوضات. وتؤكد وسائل الإعلام الإيرانية على أهمية نشاط المحور الموالي لإيران في إطار مفهوم “وحدة الساحات”.
ليس هذا مفهومًا جديدًا. فقد استثمرت إيران لسنوات موارد هائلة في بناء “محور المقاومة” الذي يضم حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وحماس، والجهاد الإسلامي، انطلاقًا من إيمانها بأن جميع هذه المكونات ستعمل معًا في أوقات الشدة، لردع إسرائيل والولايات المتحدة عن شن هجوم مباشر على إيران. وتجسيدًا لهذا المفهوم، تبنت إيران استراتيجية “الدفاع أولا” خلال العقد الماضي، التي تعني الدفاع من خلال الهجوم بهدف ردع التهديدات بعيدًا عن حدودها قدر الإمكان.
لقد قوضت التطورات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة هذا التصور، وأثارت شكوكًا في إيران حول فعالية المحور، الأمر الذي لم يمنع إسرائيل والولايات المتحدة من شن هجمات مباشرة على إيران. ولهذا السبب تحديدًا، شكّلت حملة “زئير الأسد” نقطة تحول في الخطاب الإيراني. فمنذ اندلاع الحملة، أكد كبار مسؤولي النظام والمعلقون الموالون له أن الدرس الأهم من الحرب ليس تقليص الاستثمار في الوكلاء، بل تعزيزهم. وقد أكد المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، في أول رسالة له إلى الشعب الإيراني بعد انتخابه مرشدًا، أن إيران تعتبر الجبهة جزءًا لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية. هذا لا يعني أن إيران نجحت في إعادة “محور المقاومة” إلى وضعه السابق. ففي لبنان، يتعرض حزب الله لضغوط عسكرية وسياسية متواصلة، ويواجه مطالب متزايدة بنزع سلاحه. وفي العراق، تمارس الحكومة الجديدة ضغوطًا للحد من سلطة الميليشيات ودمجها في جهاز الدولة، بل إن بعض المنظمات تبدي استعدادها لدراسة هذه الخطوات. وأبرزت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى إيران في الأيام الأخيرة الخلافات بين البلدين.
وفي ختام الزيارة، صرّح مسؤول عراقي رفيع المستوى بأن طهران تعتبر الزيدي منحرفاً عن الخط الإيراني منذ إعلانه في أيار 2026 عن تشكيل حكومته التي تقترب من “الروح الأمريكية”. وفي الوقت نفسه، أفاد مسؤول أمني عراقي بأن قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، أبلغ قادة الفصائل الموالية لإيران بإنهاء آلية التنسيق معهم نظراً لاختلاف وجهات النظر حول قضية نزع السلاح.
لذا، يُمكن التشكيك في مدى سيطرة إيران على كلٍّ من مكونات المحور. كما أن التطورات في العراق واليمن تنبع إلى حد كبير من الديناميكيات الداخلية في هاتين المنطقتين. ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بأهمية التطورات الأخيرة. إن قدرة إيران على إدارة وكلائها ضمن إطار حرب الاستنزاف الحالية تمنحها وسيلة أخرى لتحقيق أهدافها، لا سيما من خلال استغلال المفاوضات لترسيخ مكاسبها في الحملة وفرض تكاليف عسكرية وسياسية واقتصادية باهظة على الولايات المتحدة، ما سيجبر الرئيس ترامب (مجددًا) على التراجع.
وكلما زاد نجاح طهران في هذا المسعى، ازدادت ثقة القيادة الجديدة، فتتبنى نهجًا أكثر تحديًا، وأكثر استعدادًا للمخاطرة، بل وحتى تجديد المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة. هدفها هو ضمان خروج الجمهورية الإسلامية من الصراع الحالي ليس فقط كقوة ناجية، بل أيضاً كقوة فاعلة في صياغة نظام إقليمي جديد يُقر بمكانتها المتميزة في المنطقة، وقدرتها على إلحاق الضرر، وضرورة توفير الضمانات اللازمة لها لردع أي هجمات أخرى في المستقبل المنظور.
د. راز تسيمت
يديعوت أحرونوت/ معهد بحوث الأمن القومي INSS 31/7/2026