هي مغارة علي بابا ولا شك! فقد صور لنا رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أنه أتى بالذئب من ذيله، وهو يوقع مع الحكومة المصرية، في حضور رئيسها خالد الذكر مصطفى مدبولي، تسوية بإسقاط المديونية المقررة على «ماسبيرو»؛ اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقًا، والهيئة الوطنية للإعلام حاليًا، التي شهدت في عهده التليد من الإنجازات الكبرى ما يسكت كل خوان كفور، والتي تمثلت في تغيير اسم مسجد المبنى، من «مسجد التلفزيون» في العهود البائدة، إلى مسجد «الهيئة الوطنية للإعلام» في عهد حسين الزين، قبل أن يتحول إلى مسجد «الليث بن سعد» في عهد عاشق اللقطة، وحبيب الكاميرا، أحمد المسلماني!
كان لا بد من إقامة الأفراح والليالي الملاح، لتوقيع هذا الإنجاز، الذي وصفه رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بـ «التاريخي»، وشكر عليه فخامة الرئيس، وقد قال إن توقيع هذا الاتفاق سالف الوصف هو بناء على توجيهات سيادته.
وبينما أنا أشاهد «اللقطة» الأسطورية، إذ جلس المسلماني على يمين الصورة، وبجواره كل من وزيري المالية والتخطيط، وخلفهم يقف الراعي الرسمي لهم جميعًا، رئيس الحكومة، فقد أدهشني الأمر كله؛ فهناك مخطط حكومي لتدمير الإعلام الرسمي، الذي ترى سلطة 3 يوليو/تموز 2013 أنه عبء عليها، صحافة، وإذاعة، وتلفزيون، وصنعت إعلامها الموازي، ففشل، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وبلغت ديونه الملايين، فخرجت هذه السلطة من حفرة لتهوي في دحديرة.
الديون وعلاقة الحكومة بها
قد يعتقد أحد أن ديون ماسبيرو هي للبنوك العامة، لكن المفيد هنا أن زيت الحكومة في دقيقها، فالبنك الدائن مملوك للحكومة، ويخضع لوزارة التخطيط، وليس بنكًا من البنوك العامة المملوكة للدولة، كالبنك الأهلي وبنك مصر مثلاً، أي بصريح العبارة، فإن المديونية من المبنى المملوك للدولة هي للحكومة، التي هي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أي من ذقنه وافتل له.
وفي هذه التسوية التي وصفها المسلماني بـ «التاريخية» في مقابلة مع «راديو مصر»، هي، حسب قوله، تأكيد على دعم القيادة السياسية للإعلام الوطني، وأن مستقبل ماسبيرو سيكون أكثر قوة.
والمعلن أن الديون التي تم إسقاطها تبلغ 88.3 مليار جنيه، بعد إعفاء المبنى من 51.4 مليار جنيه قيمة الفوائد والغرامات. هكذا الرقم بالمليارات، ففي أي شيء أنفقت هذه المليارات التي تمثل أصل الدين؟!
بالبحث، وجدت نفسي قد دخلت مغارة علي بابا، حيث الداخل مفقود يا ولدي مفقود، بصوت العندليب، والخارج مولود يا ولدي مولود، بمضاهاة صوت العندليب عبر الذكاء الاصطناعي، ذلك بأنني بحاجة لمن يشرح لنا المسألة، والتي تحتاج لوفد رفيع المستوى من علماء الاقتصاد، لهذا التضارب في الأرقام!
ففي أغسطس/آب 2020، أصدرت الهيئة الوطنية للإعلام، برئاسة حسين الزين، بيانًا قالت فيه إن مديونية اتحاد الإذاعة والتلفزيون لبنك الاستثمار القومي باسم «المدينة»، وهي ثلاثة قروض، قيمتها 442.3 مليون جنيه، تراكمت حتى وصلت إلى 947.8 مليون جنيه، حتى عام 2009. وهكذا نحن نلعب في الملايين، فكيف وصلنا للمليارات؟! الشاهد أن بيان الهيئة الوطنية للإعلام أكد أن الهيئة منذ أربع سنوات هي تاريخ تأسيسها، لم تقترض أية مبالغ من بنك الاستثمار القومي. وبعد التسوية المباركة، قال رئيس الهيئة الحالي إن هذه المديونية قديمة منذ الثمانينيات. وما لم يذكره أن بنك الاستثمار القومي تأسس بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات سنة 1980!
ولن نبحث في التضارب بين ما قاله الرئيس السابق للوطنية للإعلام، والرئيس القائم، من حيث تاريخ المديونية، لكن المهم فيما قيل إن الهيئة في العهد الحالي لم تقترض، وأنها مديونية تخص العهد البائد، لكن الخلاف: هل هي بالملايين، أم بالمليارات؟
رقم آخر يختلف مع الرقمين السابقين، وهو ما نشر منسوبًا للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن المديونية لبنك الاستثمار القومي حتى يونيو/حزيران هي 42.6 مليار جنيه «شاكب راكب»، ديونًا وفوائد، فمن أين جاء القول إن أصل الدين هو 88.3 مليار، أسقطها بنك الاستثمار، بجانب مبلغ 51.4 مليار، هي الفوائد والغرامات التي تم الإعفاء منها؟!
المدينة الأزمة.. وعقدة «الجزيرة»!
لقد تم الإعلان عن أن هذه القروض الثلاثة باسم «المدينة»، بدون توضيح، لكن واضح أنها مدينة الإنتاج الإعلامي، ولعل لهذا قام بنك الاستثمار، المملوك للحكومة، برهن حصة الاتحاد سابقًا، والهيئة حاليًا، في مدينة الإنتاج الإعلامي، وحصة ماسبيرو في المدينة 38.17 في المئة من الأسهم، في حين أن حصة بنك الاستثمار نفسه في المدينة 15.28 في المئة، وهي المدينة الخراب، التي حلت بوادينا، وكان صفوت الشريف فيما مضى يخبط خبطًا عشوائيًا، بموافقة النظام، في معركة منافسة «الجزيرة»، فأطلق القنوات المتخصصة، والقنوات الإقليمية، وهو ما علقنا عليه في حينه أن المنافسة لا تكون بالعدد، فالعدد في الليمون!
وبعد هذا كانت مدينة الإنتاج الإعلامي، ليكون القول إن قطر لا تنافسنا في عدد القنوات التلفزيونية، فالجزيرة قناة يتيمة (قبل أن تتحول لشبكة)، ونحن لدينا مدينة للإنتاج الإعلامي، وقطر لا تملك مثلها!
ودخلت مدينة الإنتاج الإعلامي على اتحاد الإذاعة والتلفزيون بالخراب، لأنه تم تدمير قطاع الإنتاج لضمان احتكارها للإنتاج الدرامي، وقد كان يمكن أن تكون فكرة جيدة، إن مثلت مشروعًا حكوميًا مستقلًا لا ينافس ماسبيرو في القطاعات الناجحة لديه، لكن قدر الله وما شاء فعل، ولن نبكي كثيرًا على اللبن المسكوب، فكل هذا كتبته في حينه. وقبل أن نغادر هذه النقطة، نشير إلى أن المعلن أن رأس المال المصدر لمدينة الإنتاج الإعلامي هو 1.9 مليار، فكيف تكون مديونية ماسبيرو من أجلها 88 مليارًا، أو 42.6 مليارًا حسب لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب؟
ما علينا، فالذي حدث أن الاتحاد ساهم بحصته من قروض لم تكن موضوعه، من أجل إنشاء مشروع مدينة الإنتاج الإعلامي، وأن هذه القروض الثلاثة من بنك تملكه الحكومة، وهو أمر لم تحاول الحكومة معالجته من قبل، وعندما تأتي الآن وتقوم بتسويته، فلا يمكن هضمه بسهولة، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل!
والتفاصيل أن بنك الاستثمار القومي المملوك للحكومة حصل على أراض وأملاك للهيئة الوطنية للإعلام مقابل هذه التسوية، والسؤال غير المهم: من قدر قيمة هذه الأراضي، ومن يضمن أن تكون قد قدرت بقيمتها الحقيقية، ولماذا لم تعرض للمزاد العلني؟ فقد تكون قيمتها أكبر من التنازل تحت ضغط الدين، الذي هو هم بالليل ومذلة بالنهار، لنكون أمام تسوية ظيزى.
مستقبل المبنى ومباني الصحف والنقابة
والسؤال المهم: هل من بين هذه الأراضي والأصول مبنى ماسبيرو نفسه؟ ولا يمكن للمرء أن يتفهم هذه التسوية، إلا إذا كانت تستهدف هذا المبنى العريق على كورنيش النيل، ونحن نعلم أن «عليه العين»، وقد يكون تعيين أحمد المسلماني نفسه، بكل ما يعرف عنه من شغف بالسلطة، من أجل الوصول إلى هذه النقطة، التي قد لا يجد من أبناء المبنى الأصلاء قدرة على اتخاذ مثل هذا القرار!
وفي اعتقادي أن هذا لو حدث سيكون مدخلاٍ لصفقات أخرى في مباني المؤسسات الصحافية القومية، التي تقع في الحيز العمراني للمبنى، مثل مؤسسة دار المعارف (على الكورنيش أيضًا)، ومؤسسة «الأهرام»، ودار أخبار اليوم، ضمن سياسة تفريغ منطقة وسط البلد. لذا فقد توقفت هذه المؤسسات الإعلامية، ومعها ماسبيرو، عن التعيين منذ عقد من الزمان، ومع خروج أعداد كبيرة على التقاعد، قد تتسع شقة كبيرة نسبيًا لكل مؤسسة، فهل سنكون في انتظار نقيب جديد للصحافيين في مارس/آذار، يملك خصال أحمد المسلماني، فيمهد لرحيل النقابة من مقرها الحالي في منطقة وسط القاهرة؟ وكل مؤسسة، بما في ذلك النقابة، منحت قطعة أرض هناك، فمن أجل ماذا؟ بناء استراحات؟!
في الفرح الذي أحياه المسلماني، أكد نهاية أزمة ماسبيرو! فكيف انتهت؟ وما هو الضرر الفعلي الذي كان واقعًا على المبنى من جراء هذه المديونية؟ وهل ستحل مشكلة وقف التعيينات، وتوقف صرف مكافآت نهاية الخدمة؟ وهل يعني أننا سنشهد انطلاقة كبرى، من حيث الإنتاج الدرامي والبرامج، بهذه التسوية التاريخية؟
عندما ندرك أن شيئًا من هذا لن يحدث، فلا نلام إذا قلنا: تلك إذًا تسوية ضيزى!
صحافي من مصر