الناصرة- “القدس العربي”:
في يوم الصحافة العالمي، ما زالت سلطات الاحتلال تحظر على الصحافيين الأجانب دخول قطاع غزة منذ بدء الحرب، وفي التزامن تعمل أيضا على تضييق الخناق على عمل الصحافة العبرية بتشريعات غير ديمقراطية تشمل إغلاق مؤسسات بأكملها مثل “إذاعة الجيش” و”هيئة البث الرسمية” بذرائع مختلفة. وتندرج هذه الإجراءات ضمن الانقلاب على النظام السياسي القضائي الذي قادته حكومة الاحتلال منذ يناير 2023، ويتسبب في تعميق الصدع في صفوف الإسرائيليين.
وأما بخصوص محاصرة الصحافة العبرية وتقييد حرية التعبير والنقد، فتقول بهذه المناسبة الصحافية البارزة في القناة 12 العبرية الدكتورة أيلانا ديان إنها ترى “جرافة كبيرة تتقدم بسرعة دون فرامل لهدم حرية العمل الصحافي في إسرائيل”. وترى ديان، الدكتورة في القانون، أن الهجمات المتتالية على الصحافة في البلاد، من خلال تشريعات متتالية ومن خلال شيطنة كل صحافي ينتقد السلطات الحاكمة، تمثل تهديدا “للديمقراطية الإسرائيلية”.
في هذه المناسبة، توضح المديرة العامة لمركز “إعلام” للدفاع عن حقوق الصحافيين داخل أراضي 48، خلود مصالحة، أنه لا يكفي في اليوم العالمي لحرية الصحافة أن نسأل إن كانت الصحافة في إسرائيل حرة أم لا، منوهة إلى أن السؤال الأعمق هو: ما الثمن الذي يدفعه الصحافي كي يصل إلى موقع الحدث، وكي يرى، وكي يسأل، وكي ينقل ما لا تريد القوة أن ينقل؟
تعريف إسرائيلي جديد للصحافي
في حديث لـ”القدس العربي”، توضح مصالحة أن ما نشهده منذ السابع من أكتوبر ليس تراجعا عابرا في حرية الصحافة، بل إعادة تعريف كاملة لمكانة الصحافي. وتتابع: “لم يعد الصحافي يعامل بوصفه حاملا لحق الجمهور في المعرفة، بل بوصفه عنصرا مشبوها، أو شاهدا يجب إبعاده، أو صوتا يجب ضبطه. وهذا ينطبق على غزة، وعلى الضفة، وعلى الصحافيين الفلسطينيين داخل إسرائيل أيضا”.
مصالحة: ما نشهده منذ السابع من أكتوبر ليس تراجعا عابرا في حرية الصحافة، بل إعادة تعريف كاملة لمكانة الصحافي
وردا على سؤال، تؤكد خلود مصالحة أن الخطر الأكبر في غزة أن إسرائيل لا تمنع فقط حرية الحركة، بل تمنع الشهادة المستقلة، منوهة أن منع الصحافة الأجنبية من الدخول الحر إلى القطاع منذ بداية الحرب حول غزة إلى مساحة مغلقة أمام العين الخارجية، وترك الصحافيين الفلسطينيين وحدهم أمام مهمة شبه مستحيلة: أن يكونوا شهودا، وضحايا، وناقلين للحقيقة في الوقت نفسه.
وتؤكد أن هذا ليس تفصيلا مهنيا، بل مساس خطير بحق العالم في أن يعرف ما يجري، مذكّرة بأن مؤسسات إعلامية دولية كبرى طالبت إسرائيل برفع هذا المنع وإتاحة دخول مستقل للصحافيين الأجانب إلى غزة. لكن الخطأ هو الاعتقاد أن غزة حالة منفصلة.
وفي الضفة الغربية المحتلة، توضح مصالحة أنها تشهد إنتاج شكل آخر من التعتيم: الحواجز، الإغلاقات، تطويق المدن والبلدات، وتحويل المسافة القصيرة إلى رحلة يوم كامل، كلها أدوات تمنع الصحافي من الوصول إلى الحدث في الوقت المناسب. وعن ذلك تتابع: “عندما يحتاج صحافي كان يصل إلى طوباس خلال نصف ساعة إلى يوم كامل من الانتظار والتعب والالتفاف، فنحن لا نتحدث عن عرقلة لوجستية، بل عن رقابة ميدانية تمارس عبر الجغرافيا. منع الوصول هنا يصبح شكلا من أشكال منع المعرفة”.
تضييق مزدوج
وتقول إن هذا النمط يطال الصحافيين الفلسطينيين والأجانب داخل إسرائيل أيضا، منوهة أنه في البلدات داخل الـ48، يواجه الصحافي تضييقا مزدوجا: من جهة مؤسسات الدولة، ومن جهة عنف اجتماعي وميداني يتسع في ظل غياب الحماية. منع التصوير في الحيز العام، ملاحقة الطواقم، تهديد الصحافيين، تدخل بعض رؤساء السلطات المحلية، التحريض، واعتداءات المستوطنين، كلها تشير إلى أن الصحافي لم يعد يواجه قيدا واحدا، بل بنية كاملة تسعى إلى إخضاع الصورة وضبط الرواية وإبعاد الشاهد عن المكان.
كما تؤكد مصالحة أن حرية الصحافة لا تقاس فقط بعدد الصحف والقنوات، بل بقدرة الصحافي على الوصول إلى الميدان من دون خوف، وبقدرته على العمل من دون تهديد، وبحق الجمهور في الحصول على رواية لا تمر عبر فلاتر الأمن والسياسة والدعاية. وتشدد على أنه حين يمنع الصحافي الأجنبي من دخول غزة، ويمنع الصحافي الفلسطيني من الوصول إلى بلدات الضفة، ويلاحق الصحافي داخل إسرائيل أثناء تغطية أحداث في بلدته، فنحن أمام منظومة واحدة، وإن اختلفت أدواتها.
من هنا تستنتج أنه في هذا اليوم لا يمكن التعامل مع حرية الصحافة كشعار احتفالي، وتقول إن حرية الصحافة تصبح جوهرية تحديدا في أوقات الحرب والأزمات، لأن السلطة لا تحتاج إلى رقابة عندما تكون مرتاحة، بل عندما تريد أن تدير الواقع بلا شهود. وتتابع: “ما يجري اليوم هو محاولة لإنتاج حدث بلا صورة، وذاكرة بلا أرشيف، ومجتمع بلا قدرة على المساءلة. الصحافي ليس طرفا في الصراع. الصحافي هو من يحمي حق المجتمع في أن يرى. وعندما يتحول الوصول إلى الحدث إلى مخاطرة، والتصوير إلى تهمة، والسؤال إلى اشتباه، فإن الخطر لا يقع على الصحافي وحده، بل على الحق العام في المعرفة”.