إرهاب المستوطنين لم يترك لنا خياراً.. وهاكابي مثل سابقيه


في قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية يتفاقم شعور لم يكن مألوفاً من قبل، وهو أن الوطن لم يعد يضمن الأمان. يتحدث سكان القرية الواقعة شمال شرق رام الله عن مضايقة المستوطنين والتهديدات، وتخريب السيارات والمعدات الزراعية والإحراق المتعمد والكتابة على الجدران. ولكن الأهم أنهم يتحدثون عن تغير مفهوم الأمن. قال أحد السكان لـ “هآرتس”: “كانت الطيبة مكاناً آمناً”. وحتى في أصعب الظروف في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وأثناء الحروب والصراعات، كان الناس يعرفون أن العيش هنا محتمل. في السنوات الثلاث الأخيرة، تغير كل شيء.

تستمر الحياة في القرية، لكن يصعب وصفها بأنها روتينية. في الصباح، يذهب الموظفون، معظمهم من أصحاب الرواتب، إلى رام الله، تفتح المحلات التجارية الأبواب بانتظار الزبائن، وينظر المزارعون إلى المنحدرات وأشجار الزيتون التي رافقت عائلاتهم لأجيال، ويتساءلون إذا كانوا سيتمكنون من الوصول إلى أراضيهم في موسم قطف الزيتون القادم.

أحد السكان المحليين قال: “يأتي المستوطنون ليلاً ونهاراً على تراكتورونات داخل القرية وفي محيطها، ويقتربون من البيوت ويهددون الناس. المزارعون بشكل خاص يعانون من هذه المضايقات”. “حدثت اعتداءات في موسم قطف الزيتون، وتضررت المعدات. بعض الأشخاص ببساطة لا يمكنهم الوصول إلى أراضيهم. أنت تذهب إلى العمل ولا تعرف إذا كنت ستعود معافى”. 

أحد سكان القرية، أب لثلاثة أولاد في الثلاثينيات، وصف كيف أصبح مصدر رزقه مؤخراً مصدراً للخوف. هو يعمل كموظف وله مشروع تجاري خاص ويكسب الرزق في الوقت نفسه من الزراعة – قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون واللوز والرمان. في المرة التي حاول فيها الوصول إلى أرضه، صادفه مستوطن مسلح،حسب أقوال أحد السكان المقرب منه. ومنذ ذلك الحين لم يذهب إلى هناك. “له ولدان، أحدهما عمره 13 والآخر 12 سنة، وهو الآن في الطريق للحصول على تأشيرة مغادرة”. 

تجسد حالته الوضع السائد في الطيبة. فهو ليس شخصاً تدفعه ظروفه الشخصية إلى المغادرة. يقول رئيس المجلس المحلي، سليمان خوري، في حديث مع “هآرتس”: “المشكلة ليست اقتصادية فقط”. ففي حين يمكن احتواء المشكلة الاقتصادية بدرجة معينة، لا يمكن التسامح مع المشكلة الأمنية. فالمواطن يخشى بالفعل على أولاده وعلى مستقبلهم.

وقال إنه منذ 7 أكتوبر، غادرت حوالي 15 عائلة القرية، إضافة إلى عشرات الشباب، ويقدر عددهم 80 – 90 شخصاً. هذه القرية المسيحية الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها 1200 نسمة تقريباً، كل مغادرة فيها تلاحظ. وأضاف خوري: “هناك عائلات أخرى تفكر بالمغادرة. الناس لا يقولون دائماً بأنهم سيهاجرون. ولكن عند التحدث معهم تشعر بأنهم يخشون على أولادهم”. وتحدث عن قصة شخص في الثلاثينيات غادر القرية هو وزوجته وأولاده الثلاثة مؤخراً. “لقد ذهب إلى الأردن بحثاً عن الأمان وعن حياة جديدة هناك”.

السفير الأمريكي في إسرائيل، هاكابي، زار قرية الطيبة في أعقاب هجمات للمستوطنين، والزعم بإلحاق أضرار بالكنيسة في السنة الماضية. وقال رئيس المجلس بغضب: “لقد جاء سفراء ومسؤولون كبار إلى هنا، ولكن بلا فائدة”.

الهجرة لا تعتبر ظاهرة جديدة في القرية، حسب أقوال السكان. فحوالي 16 ألف فلسطيني، عائلاتهم من سكان قرية الطيبة، يعيشون الآن في أمريكا وأوروبا (لا سيما في إسبانيا) وفي أمريكا اللاتينية (خاصة في غواتيمالا وتشيلي). على مدى أجيال، غادر الشباب القرية بحثاً عن العمل والتعليم وفرص جديدة، ولكنهم الآن يهاجرون خوفًا من عدم القدرة على مواصلة الحياة فيها. وقال أحد السكان (37 سنة)، إنه في السنة الماضية، تواصل معه كثير من الشباب وطلبوا مساعدته لتوضيح خيارات الهجرة. وقال: “يتصل معي كثيرون للسؤال عن أماكن تقديم طلبات التأشيرات وأماكن الانتقال، وكيفية إيجاد عمل هناك”. وأشار إلى أن هؤلاء ليسوا بالضرورة من الذين يعانون من ضائقة مالية، هناك من يعملون ولهم أعمال تجارية وأراض، لكنهم يشعرون أنه لا مستقبل لهم هنا”. ويصف معظمهم أنهم في العشرينيات والثلاثينيات. “هذا هو الجيل الذي يجب فيه الزواج وإنجاب الأولاد، وشراء أو بناء بيت، بدلاً من التفكير في كيفية بناء مستقبلهم هنا، يفكرون في كيفية الخروج من الطيبة”، قال.

دخل المستوطنون إلى ساحة منزل على مدخل قرية الطيبة في حزيران الماضي، قال أحد السكان، المستوطنون يأتون في الليل والنهار، ويقتربون من البيوت ويهددون الناس.

وحسب أقواله، كان هناك شعور بأن هذه فترة مؤقتة وستمر مثل غيرها من الفترات. “كانوا يعتقدون أن التوتر والأحداث ستحدث، وبعد ذلك ستنتهي، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها. في مرحلة معينة، عرف الناس أن هذا ربما لم يكن مؤقتاً، وأنه قد يستمر، بل وسيزداد سوءاً. عندما بدأوا يتساءلون: لماذا المخاطرة؟”. نفس الشخص يوضح مستوى عمق هذا التغيير، ويقول: “كان هناك 25 طالباً في صفي في صغري. الآن لم يبق إلا أنا وفتاة أخرى، تزوجت وانتقلت إلى رام الله”.

لم يغب الواقع المتغير في القرية عن الكنيسة المحلية أيضاً. يقول الأب بشار فواضلة، كاهن الطائفة اللاتينية، إن الهجرة أصبحت موضوعاً متكرراً في السنوات الأخيرة، في أحاديثه مع الشباب والعائلات. “أعرف شخصياً بعض الشباب الذين غادروا في السنة الماضية. لم يعد لديهم أفق أو مستقبل أو من يساعدهم”، قال.

لقد أطفأ المستوطنون حريقاً اشتعل قرب بؤرة استيطانية أقاموها قرب الطيبة في الشهر الماضي. أحد السكان المحليين قال: حدثت هجمات في موسم قطف الزيتون، ولم يتمكن الناس من الوصول إلى أراضيهم”.

يمكن للكنيست بالتأكيد تقديم الدعم الاجتماعي والروحي، ويمكن للعائلة الكبيرة المساعدة، ويمكن للمجلس المحلي محاولة تقديم المساعدة، لكن أياً منهم لا يمكنه ضمان قدرة الناس على الخروج إلى الحقول في الصباح والعودة إلى بيوتهم بسلام. ويشير السكان إلى أنهم حاولوا التوصل مع السلك الدبلوماسي الأجنبي في إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية، لكن رئيس المجلس قال بغضب إن كل هذا لم يساعد.

إن أبناء العائلة الذين يعيشون في الخارج هم الذين يصبحون الآن بمثابة البوابة لمن يفكرون في الهجرة: أقارب في الولايات المتحدة، صديق في إسبانيا، ابن عمر في أوروبا، شخص يمكنه المساعدة في إيجاد عمل أو سكن أو معلومات حول التأشيرة. هكذا تتشكل شبكة هجرة صامتة في الطيبة، غير منظمة وغير رسمية، ولكنها موجودة. 

خلال سنوات كانت الطيبة قرية تعتمد على الزراعة والتوظيف والتجارة والسياحة. الآن يقول السكان بأن كل هذه القطاعات تنهار. فالمزارع الذي لا يمكنه الوصول إلى أرضه يفقد مصدر الدخل. والشركات المحلية، التي تعتمد على حركة السكان، تشعر بالشلل، أما السياحة التي كانت من الصفات المميزة للقرية لسنوات فقد تلاشت كلياً مع تدهور الوضع الأمني الذي يجعل المكان أقل استقرارا بالنسبة للزوار.

مؤخراً، تم فرض قيود أمنية على المنطقة، بما في ذلك إعلان مناطق فيها بأنها مناطق عسكرية مغلقة. مع ذلك، يتساءل السكان حول الذين تحميهم هذه القيود. وقالت مديس خوري، التي تعمل في فرع السياحة وفي مصنع البيرة المحلي المشهور: “إذا كان الهدف منع المستوطنين من المجيء ومهاجمتهم، فنحن نرى أن هذه الإجراءات لا فائدة لها. فحتى مع وجود القيود في المنطقة، ما زال المستوطنون في محيط القرية. قبل بضعة أيام فقط وقفوا عند مدخل القرية لساعات. لذلك، يتساءل المرء: من الذي تحميه هذه القيود بالتحديد؟”.

الخلاصة، أن سكان قرية الطيبة لا يتحدثون عن التنازل عن قريتهم أو هويتهم المحلية، بل عن بناء واقع يمكنهم من إرسال أولادهم إلى المدارس وتربيتهم بأمان. وقال خوري: “لا أحد يريد ترك بيته، لكن يجب أن يشعر الشخص بأن له مستقبلاً”. لم يعد السؤال الذي يواجه الطيبة هو كيف يمكن العيش فيها، بل إذاكان من الممكن الاستمرار العيش فيها. والسؤال الصعب هو: كم من الأشخاص سيبقون إذا استمر الخوف من المستقبل يسيطر على المكان؟

جاكي خوري

هآرتس 13/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *