سجن كتسيعوت (أ.ف.ب)
الناصرة – «القدس العربي»: منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، لم تعد هناك هوة حقيقية بين حكومة الاحتلال الحالية وبين مواقف جموع الإسرائيليين حيال جرائم القتل والسلب والنهب واعتداءات المستوطنين اليومية على المدنيين الفلسطينيين العزل.
يرى عضو الكنيست السابق، ورئيس قائمة «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، الدكتور يوسف جبارين، في حديث مع» القدس العربي» أن هذا مخطط إحاطة سجون الأسرى بالتماسيح يكشف مرة أخرى عن الأدوات غير الإنسانية وغير القانونية التي يعتمدها الوزير بن غفير، وهو يعود إلى أساليب وعقوبات تعود إلى العصور الوسطى.
وتدعم حكومة بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير المستوطنين والجنود الذين يواصلون الليل بالنهار سرقة مقدرات الفلسطينيين، واستباحة دمهم وتهجيرهم، فيما يصمت الإسرائيليون، ويبقى الصمت علامة الرضا.
وتشذ عن هذه الحالة بعض الجهات الإسرائيلية التي تبقى أصواتها واضحة، لكنها محدودة.
وكرست صحيفة «هآرتس» العبرية، الجمعة، افتتاحيتها لمبادرة وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير بإحاطة سجون الأسرى الفلسطينيين بالتماسيح. وقالت «هآرتس» إنه إذا كان هناك قرار «يعبّر بوضوح عن سلوك حكومة نتنياهو الحالية غير المنطقي، فهو مبادرة بن غفير بتطويق سجن كتسيعوت بخندق مليء بالتماسيح»، منوهة إلى أن هذا السجن يضم مئات الأسرى الفلسطينيين من غزة المشتبه بمشاركتهم في السابع من تشرين الأول / أكتوبر.
وتابعت: «من المفترض أن هذا المرفق الحساس يتمتع بأفضل الإمكانيات الأمنية لـ»مصلحة السجون»، وأن يكون مزودا بأقوى الحراس وأحدث التقنيات لإحباط محاولات هروب الأسرى الفلسطينيين فيه. لكن يبدو أن بن غفير لا يثق بـ»مصلحة السجون»، التي عين فيها مساعده المقرب كوبي يعقوبي على رأسها، ويسعى لتعزيز رجاله بالتماسيح».
واعتبرت الصحيفة العبرية أن بن غفير برز أكثر من زملائه في حكومة الاحتلال في تحويل أجهزة إنفاذ القانون والسجون التابعة له إلى ميليشيات سياسية.
وأضافت: «تجتاح إسرائيل موجة غير مسبوقة من جرائم القتل، لكن الجثث المتراكمة في الشوارع لا تثير اهتمام الوزير الذي لا يفوت فرصة للظهور الإعلامي والترويج لحملة حزبه الانتخابية. يوفر له المشروع الجديد عائدا مثاليا، فلن تساعد التماسيح في حراسة السجناء، فهي لا تروض ولا تدرب، ولا توجد تماسيح عاملة في سجون العالم، كما لا يسمح بإجراء مقابلات معها أو حتى التذمر من ظروف عملها في السجن مقارنة بالحياة الرغيدة في مزرعة التكاثر».
وتقول «هآرتس»، ساخرة، إن دور التماسيح سيقتصر على التقاط الصور بجانب بن غفير، وتتابع: «يمارس تكاثر التماسيح في إسرائيل منذ سنوات عديدة وسط انتقادات من «سلطة الطبيعة والحدائق» ومنظمات حقوق الحيوان. وقد أدى تدخلهم إلى إصدار المحكمة العليا حكما يحظر «معارك البشر والتماسيح» مقابل المال، ويعدل القانون الذي يعرف التماسيح كحيوانات برية محمية، ويحظر تربيتها لأغراض تجارية، وذبحها، وبيع جلودها. لكن رعاية الحيوان لا تثير اهتمام بن غفير في الأشهر القليلة المتبقية حتى الانتخابات، ولذا وجد شريكا في هذه المزحة، وزيرة حماية البيئة إيديت سيلمان، التي لا تتوانى عن دعم أي مخطط سياسي فاسد».
وقالت «هآرتس» إن سيلمان تجاهلت توصيات المختصين والقانونيين في مكتبها، ووصفت التماسيح بأنها «حيوانات برية تربى لأغراض أمنية»، بل الأصح وصفها بأنها حيوانات تستخدم لأغراض انتخابية.
وخلصت «هآرتس» إلى القول: «سارع بن غفير إلى الإعلان عن بدء حفر قناة للتماسيح حول سجن كتسيعوت بكلفة مالية كبيرة، لن يستفيد من هذا المال المهدر سوى مقاولي الحفر». وأضافت: «من المشكوك فيه جدا أن يجتاز قانون سيلمان الجديد العقبات التشريعية والمحكمة العليا، وعلى أي حال، بعد الانتخابات، سيكون من الممكن إلغاؤه، وسيظل سجناء غزة تحت حراسة حراس مزودين بأبراج مراقبة وكاميرات وأسلحة».
وذهب محرر شؤون البيئة في موقع «زمان إسرائيل»، آفيق لافيه، إلى القول إن بن غفير وسيلمان يقدمان إسرائيل بوصفها دولة من العصور الوسطى، عصر الظلمات، من خلال «مبادرة التماسيح». ويوضح أن التماسيح لا تأكل في الشتاء، وأن تربيتها وصيانتها تحتاجان إلى رعاية مكلفة، فيما يحذر محامون من أن خطة بن غفير وسيلمان ليست قانونية.
ويضيف: «لكن هذه المشاكل تتقزم مقابل الحقيقة أن الحديث يدور عن فكرة تعيد إسرائيل إلى أيام الطاغية عيدي أمين، الذي كان يلقي بخصومه في نهر النيل كي تفترسهم التماسيح». ونبه إلى أن هذه المبادرة تعيد إسرائيل إلى أيام العصور الوسطى، رغم أنها لن تخرج إلى حيز التنفيذ فعلا.
جبارين: عقوبات قروسطية
وفي حديثه لـ»القدس العربي» يقول الدكتور جبارين، الخبير في القانون الدولي: «ما يثير الاستهجان هو هذا الصمت في إسرائيل وفي العالم إزاء هذه المخططات. استعمال خنادق التماسيح هو انتهاك سافر للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خاصة الاتفاقية الرابعة من العام 1949».
كما نبه جبارين إلى أن هذه المبادرة الهمجية تتنافى مع المعايير الدولية للتعامل مع الأسرى عموما، التي تنص على وجوب معاملة الأسرى والمعتقلين بكرامة وإنسانية، وعلى حمايتهم من العقوبات غير الإنسانية أو المعاملة القاسية والمهينة.
وخلص جبارين إلى القول: «لا شك أن استخدام كائنات مفترسة أداة حراسة أو ردع يعرض المسؤولين للملاحقات أمام المؤسسات الدولية بسبب انتهاكات هذه المعايير. الانتخابات البرلمانية القريبة هي فرصة للمواطنين العرب في إسرائيل لسد الطريق أمام عودة بن غفير واليمين المتطرف بمشاريعهم الغوغائية والانتقامية وغير الإنسانية».
بدء الاستعدادات
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الخميس أن أعمال حفر خندق مخصص للتماسيح بدأت بالفعل داخل سجن كتسيعوت في النقب، ضمن مشروع يقوده وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لإدخال هذه الزواحف إلى منشآت احتجاز الأسرى الفلسطينيين.
ونقل موقع الصحيفة عن وزارة الأمن القومي ومسؤولين محليين أن الأعمال انطلقت الأربعاء داخل السجن، الذي يحتجز أسرى فلسطينيين من قطاع غزة ومعتقلين فلسطينيين آخرين تصنفهم إسرائيل على أنهم «أمنيون».
وقال مصدر في المجلس الإقليمي «رمات هنيغف»، الذي تقع ضمن نطاقه منطقة السجن، إن أعمال حفر الخندق تجري حول أحد الأجنحة الخاصة داخل السجن، موضحا أن الخندق يبلغ طوله نحو 170 مترا، ولا يمكن رؤيته من خارج السجن، وأضاف: «لا أحد يعرف بعد ما إذا كانت التماسيح ستوضع فعلا في الخندق، لكن الاستعدادات جارية».
وأكد مكتب بن غفير بدء أعمال الحفر، وقال في بيان: «من ظن أن الأمر مجرد دعاية كان مخطئا».
وأضاف أن «مصلحة السجون» أعدت الخطة بكامل تفاصيلها، بما يشمل رعاية التماسيح وصيانتها وأماكن إيوائها، مشيرا إلى تخصيص ميزانية قدرها 21 مليون شيكل (نحو 7 ملايين دولار) لتنفيذ المشروع.
وحسب التقرير، جاء بدء تنفيذ المشروع بعد قرار أصدرته وزيرة حماية البيئة إيديت سيلمان الأسبوع الماضي، يقضي بإعادة تصنيف تمساح النيل بوصفه «حيوانا بريا خاضعا للرعاية»، بما يسمح باستخدامه داخل المنشآت الأمنية.
غير أن القرار واجه اعتراضات من المستشار القانوني في وزارة حماية البيئة، إضافة إلى مسؤولين مهنيين في «سلطة الطبيعة والحدائق»، الذين أكدوا أنه لا يستند إلى أي أساس علمي أو مهني، ويحمل مخاطر على السجانين والأسرى على حد سواء. وقالت «سلطة الطبيعة والحدائق» إنه لا توجد أي سابقة أو أساس علمي في العالم لاستخدام التماسيح وسيلة أمنية داخل مرافق الاحتجاز، محذرة من أن إدخال حيوان مفترس كبير وغير محلي إلى البيئة قد يخلق مخاطر متعددة على البيئة الطبيعية وعلى الجمهور.
من جهتها، دافعت سيلمان عن القرار، وقالت في مقابلة إذاعية إن إسرائيل «تتحدث بلغة يفهمها أعداؤها»، مضيفة أن الاكتظاظ الكبير في السجون، الذي تفاقم بعد هجوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، يفرض البحث عن وسائل ردع إضافية بحق الأسرى الفلسطينيين.
وأضافت أن مسؤولي «مصلحة السجون» وبن غفير أبلغوها بأن «وجود التماسيح حول السجون يشكل عامل ردع كبيرا».