الجزائر- “القدس العربي”: بعد جدل واسع، أصبح القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، الذي يوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر لتشمل جرائم اختطاف الأطفال وإضرام الحرائق عمدا في حالات محددة، ساري المفعول، عقب صدوره في العدد الأخير من الجريدة الرسمية.
ويأتي دخول القانون حيز التنفيذ بعد نقاشات برلمانية وسياسية رافقت مساره التشريعي، بين أحزاب أيدت تشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم التي تستهدف الأطفال والأرواح والممتلكات، وأخرى عارضت توسيع نطاق عقوبة الإعدام، ودعت إلى نقاش وطني بشأنها.
وينص القانون، من خلال تعديل المادة 291، على معاقبة كل من يخطف طفلا بأي وسيلة كانت، أو يقوم بتعذيبه أو الاعتداء عليه جنسيا أو التنكيل به، بالإعدام، بغض النظر عن العقوبات الأخرى المنصوص عليها في التشريع الساري المفعول. كما يحرم المدانين بهذه الأفعال من الاستفادة من الظروف المخففة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
وفي ما يتعلق بالحرائق، نصت المادة 395 مكرر على معاقبة كل من يضرم النار عمدا في الغابات أو الغيضات أو الحقول المزروعة وغير المزروعة، أو في الأشجار ومقاطع الأشجار والأخشاب الموضوعة في أكوام وعلى هيئة مكعبات داخل الغابات، بالإعدام.
ووسّع القانون الحالات التي تستوجب هذه العقوبة بموجب المادة 396 مكرر 1، لتشمل إضرام النار عمدا في الأملاك العمومية أو الخاصة، إذا ارتكب الفعل بإيعاز من دولة أجنبية أو طرف أجنبي أو لصالحه، أو في إطار جرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية، أو ضمن جماعة إجرامية منظمة.
كما تشمل هذه الحالات الحرائق التي تستهدف الأمن والنظام العموميين، أو الوحدة الوطنية، أو استقرار المؤسسات وسيرها العادي، أو الاقتصاد الوطني، فضلا عن الأفعال التي تستهدف الإضرار بالبيئة والتوازن البيئي والثروة الغابية أو النباتية أو الحيوانية أو الزراعية.
وامتدت العقوبة، بموجب المادة 396 مكرر 2، إلى كل من يحرض على ارتكاب هذه الأفعال أو يشجعها أو يمولها أو يدبرها أو يساهم في ارتكابها أو الإعداد لها أو تسهيلها بأي وسيلة كانت، بما في ذلك استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي. كما تمنع المادة 396 مكرر 3 المدانين بالأفعال المنصوص عليها في المواد ذات الصلة من الاستفادة من الظروف المخففة.
وتنص المادة 399 على تطبيق عقوبة الإعدام في الحالات المنصوص عليها في المواد 395 و396 و396 مكرر و397 و398، إذا أدى الحريق العمدي إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص.
وكان مشروع تعديل قانون العقوبات قد عرض على البرلمان بغرفتيه في سياق الأضرار البشرية والمادية التي خلفتها الحرائق الأخيرة شرق البلاد. وخلال عرضه أمام مجلس الأمة، قال وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، إن التحقيقات الأمنية والقضائية في قضايا الحرائق كشفت، حسب تصريحاته، عن أساليب متطورة لإشعال النيران عمدا، مشيرا إلى تورط جزائريين وأجانب في ارتكاب هذه الأفعال.
وأوضح الوزير أن توسيع نطاق عقوبة الإعدام جاء تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بالنظر إلى خطورة الجرائم المعنية، ووصف القرار بأنه دستوري، مؤكدا أن الدولة ترى في العقوبة إجراء يهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات.
وتطرق بوجمعة إلى الضمانات القضائية المرتبطة بأحكام الإعدام، موضحا أن تنفيذها لا يتم إلا بعد صدور حكم نهائي ورفض طلب العفو. وأشار إلى أن المادة 155 من قانون تنظيم السجون تجعل رفض العفو من طرف رئيس الجمهورية شرطا قبل الشروع في تنفيذ الحكم.
وذكر الوزير أن الإجراءات القضائية تشمل التحقيق، وتشكيلة محكمة الجنايات، ورقابة غرفة الاتهام، والخبرة العقلية والبحث الاجتماعي، إلى جانب درجات التقاضي التي تتيح استئناف الأحكام والطعن بالنقض أمام المحكمة العليا.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد دافع بدوره عن قرار توسيع نطاق العقوبة، في تصريحات ربط فيها الخطوة بخطورة الجرائم المعنية. وردا على اعتراضات بعض الأحزاب، قال إن من يستنكر القرار عليه مواجهة الشعب الجزائري، مضيفا أن عقوبة الإعدام معتمدة في عدة دول وصفها بالديمقراطية، ولا تتعارض، بحسب قوله، مع التقاليد والمعتقدات في الجزائر.
وتحدث تبون عن نتائج التحقيقات في الحرائق، مشيرا إلى استعمال أساليب من بينها إشعال النيران عن بعد وافتعال بؤر للحرائق باستعمال الشموع، كما تحدث عن استغلال أشخاص مختلين عقليا لإضرام النيران، دون أن يقدم في تصريحاته تفاصيل كاملة عن الملفات المعنية.
وعلى المستوى البرلماني، صادقت كتل جبهة التحرير الوطني وجبهة المستقبل والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الوطني وصوت الشعب على مشروع القانون، معتبرة أن تشديد العقوبات يندرج ضمن مواجهة الجرائم الخطيرة وحماية المواطنين والممتلكات.
أما حركة مجتمع السلم، فأعلنت تأييدها حماية الأرواح والأطفال والممتلكات، مع مطالبة الحكومة بتقديم حصيلة شاملة بشأن أسباب الحرائق ومدى جاهزية وسائل الوقاية والإنذار المبكر والتدخل. ودعت الحركة إلى عدم حصر معالجة الظاهرة في تشديد العقوبات، وربط الردع بالتجريم الدقيق والعدالة الناجزة والتنفيذ الفعلي للأحكام النهائية.
في المقابل، رفضت جبهة القوى الاشتراكية العودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، مؤكدة أن موقفها من هذه العقوبة مبدئي وتاريخي. وقال رئيس كتلتها البرلمانية عبد النور درقيني إن الملف كان يستحق نقاشا وطنيا واسعا بعيدا عن الاستعجال، مشددا على أن رفض الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة أو إفلات مرتكبيها من العقاب.
كما عارض التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية توسيع نطاق العقوبة، ودعا ممثله محمد لبدوسي إلى نقاش وطني معمق، مستندا إلى موقف الحزب الرافض لعقوبة الإعدام وإلى حالات قضائية صدرت فيها أحكام بالإعدام ثم نقضت لاحقا.
وتعود خلفية الجدل بشأن عقوبة الإعدام في الجزائر إلى سنة 1993، حين توقف تنفيذها، في سياق الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد، من دون أن يعني ذلك إلغاءها من التشريع الجزائري. فقد استمرت المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مختلفة دون تنفيذ.
وخلال هذه الفترة، ظل موضوع العقوبة محل تباين بين مؤيدين يرون فيها وسيلة لمواجهة الجرائم بالغة الخطورة، ومعارضين يتمسكون برفضها ويدعون إلى عدم توسيع تطبيقها.