أيهما بطل الكتاب: الجزّار أم خادمه اليهودي؟


إن شئت أن تقرأ كتاب يوسف معوّض كرواية، لا مناص لك من اعتبار أحمد باشا الجزّار بطلها. ذلك على الرغم من أن حضوره فيها يغيب ليحلّ محلّه رجلان تعاقبا من بعده على تسلّم ولاية صيدا هما، سليمان باشا ثم عبد الله باشا. الجزّار هو بطل الرواية إذن، وذلك يتبدّى من السطور الأولى لوصفه، حيث حضوره المرعب ومسارعته إلى اتخاذ القرار بالقتل، وبيده أحيانا، أعني بالفأس الذي لا يسقطه منها في أيّ من الظروف. كما إنه يزيد على ترسانته المحمولة مسدّسين وخنجر طويل النصل. لكن هذه ليست كل عدّته لإحراز تلك البطولة، فهناك ارتيابه من كل من يحيطون به، أو ممن يملكون القوّة، أو الحيلة ليستخدموها ضدّه، ومنهم الولاة الآخرون والمرشّحون للولاية، وكذلك الباب العالي والسلطان نفسه في إسطنبول. والجزّار يجيب على تلك الوساوس بسوء الظن والاستعداد الدائم للمواجهة. وفيما خصّ من عيّنَه الجزّار محاسبا أوّل لمدينته، وهو حاييم فارحي، رأى ألا يكتفي بمجازاته وحدها، بل ببثّ الرعب في قلبه، ذاك الذي كانت أوّل نذره قلع عينه وسلخ أذنه وجدع أنفه. وهذا كان كفيلا بإبقاء المحاسب وفيّا ليس للجزّار وحده، بل للرجلين اللذين أعقباه على تسلّم الولاية.

وفي ما من المفترض أن تحكي الرواية عن مأساة فارحي نفسه، وهي تبدأ به وبه تنتهي، ثم إن ما يمكن وصفه بالمأساة ينطبق عليه. فهو المجيد في عمله إلى حدّ أن عكا، في ظلّ إدارته لماليّتها ظلّت من أكثر المدن استقرارا ووفرة، فيما لا يفارق مسؤوليه الولاة الثلاثة، الشكُّ بوفائه. وقد وصل الأمر بآخرهم، وهو عبد الله باشا، إلى إعدامه على مرأى من عائلته. أما السبب الذي استدعى ذلك فلا يزيد عن بقاء اليهودي على رأيه في نصح سيّده. تلك كانت المرة الوحيدة، والأخيرة، التي يخرج بها عما كان قرّر الالتزام به، وهو أن يهوديته تلزمه بأن يكون ذليلا فلا يرفع صوته ووجهه في حضرة رئيسه، وألا يعتدّ بنفسه مزهوّا بنجاح حقّقه.
كان ذلك في زمن عامر بالمكائد والدسائس والتسابق إلى نيل الحظوة، وأيضا بتنازع الأقوام التي تضمّهم السلطنة. وقد بلغ الخطر أوجه مع تضارب المعتقدات الذي استفحل مع تحّول جزء من هؤلاء إلى تفضيل الحياة الأوروبية على تلك التي كانت تدعو السلطنة إلى التزامها. ولم يبق ذلك في حدود التساجل العقلي، فقد بلغ أوجه مع حملة نابوليون بونابرت إلى مصر، وقد وصلت في تمدّدها إلى عكا. في تلك الحرب التي توالت غاراتها أتيح لأحمد باشا الجزار أن يظهر بطولته القتالية هذه المرّة وليس فقط الروائية، إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه والٍ، أو حاكم. لقد أعجز القائد العسكري الأسطوري بونابرت عن دخول مدينته وأخرجه من حولها مهزوما.
بهذا تحقٌّقت للجزار، الذي يصوّره الكتاب مضطرب السلوك والقرار، البطولة التاريخية، إلى جانب تلك الروائية. سليمان باشا الذي أعقبه في تسلّم الولاية، كان حاكما عادلا وحكيما في اتخاذ قراراته، لكن هذا لا يضعه في مصاف التاريخيين، هكذا كما لو أن القيادة تحتاج إلى ما يتعدّى النجاح والتفوّق العاديّين. فالنجاح في تحقيق العدالة، ونزع فتيل المواجهات بين الملل والطوائف لا يحسب من ضمن الأفعال العظيمة.

الكتاب الذي أعطى عنوانه لـ»حاييم صرّاف عكا» واصفا إياه بأنه «يهودي في ذمّة الإسلام»، اتّبع سبيل قومه في تحقيق الثراء مع التزام الرغبة في انطفاء الذكر. وهو تمكن من بلوع ما يصعب بلوغه على آخرين عصفت بهم تلك الأحداث التي لم تحتشد في زمن مثلما احتشدت في سنوات إدارته الثلاثين. كل ما يمكن أن يحصل، حصل. لم تمرّ تلك السنوات من دون ذكر لغزوات البدو على المدن، ومنها عكا. ولم تمرّ من دون أن يحل فيها الوباء والتنازع بين الملل، والصراع بين الشرق والغرب، وتهاوي السلطنة العثمانية، ثم الوقائع الحربية مع الجيش الفرنسي وقائده الأسطوري. قراءة الكتاب هي قراءة لكتابين معا، إحداهما تخصّ الرواية، وثانيتهما تلتزم وقائع التاريخ. وقد أمكن لكاتبه يوسف معوّض أن يضبط إيقاع الجانبين، ما جعل قارئه يشعر بأنه حظي، مستمتعا، بالتعرف إلى كل ما كان جاريا وما كان معتملا في النفوس آنذاك. ثم إن الكاتب أحسن في إبقاء السرد روائيا بأن جعل كلا من فصوله متعدّد طرائق السرد، جاعلا إياه على لسان راوية مجهول، وحينا على لسان حاييم مستعيرا من تدوين ذلك تحت عنوان «يوميات». ثم هناك الانتقال من السرد إلى الحوار القليل عدد كلماته، والذي لا نعرف إن كان مأخوذا كما هو من الكتب والمصنّفات التي جرى تعدادها في الصفحات الأخيرة من الكتاب.
*كتاب يوسف معوّض «حاييم صرّاف عكا- يهودي في ذمّة الإسلام» صدر عن «رياض الريّس للكتب والنشر» في 445 صفحة سنة 2026.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *