تسفي برئيل
انتهت أمس الستون يوماً، المهلة التي حددها ترامب للتفاوض مع إيران. ويبدو أن كل شيء مفتوح الآن مع انتهاء وقف إطلاق النار. مع ذلك، لم يكن هناك وقف حقيقي لإطلاق النار في هذه الفترة. إيران هاجمت سفناً تبحر في الخليج الفارسي، ودول عربية قصفت أهدافاً إيرانية في العراق، والحوثيون يواصلون فرض الحصار في البحر الأحمر ويهاجمون السفن التي يشتبه بأنها تحمل بضائع من السعودية، بل حاصروا ميناء المخا القريب من مضيق باب المندب.
وأطلقت أمس طائرات مسيرة استهدفت مكتب رئيس وزراء إقليم كردستان ومبنى المخابرات التابع للحكومة الكردية في أربيل.
“ترى إيران أن وقف إطلاق النار الذي استمر ستين يوماً فقد جدواه “بعد أن خرقت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار، وبعد توقف المفاوضات بعد بضعة أسابيع”، كما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي. يبدو أن ترامب لا يملك أي حلول حقيقية، فهو يبدو وكأنه ملاكم أعمى يوجه اللكمات في الهواء، عندما هدد أمس بـ “تدمير” سلطنة عمان إذا تدخلت في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وقد أعلن في السابق بأنه يحضّر لإعلان مضيق هرمز كأرض أمريكية، بل ووصف المرحلة التالية من الحرب مع إيران بأنها “حرب اقتصادية”.
من المؤكد أن سيناريوهات تجدد الحرب التي غزت وسائل الإعلام الدولية ليست هي الخطوة التي ينوي ترامب تنفيذها. “لست في عجلة من الأمر”، قال أمس، ليس للمرة الأولى أو الثانية. ففي ذلك الحين، اقترح على مواطنيه الاستعداد لارتفاع أسعار الوقود، واعتبر ذلك تضحية جديرة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. ولكن ملامح هذه الحرب الاقتصادية الكبيرة ما زالت غامضة.
ترامب الذي يجعل بعد الزمن عنصراً استراتيجياً ومحدداً لمصير الحرب، يفترض أن الوقت الاقتصادي لإيران أقصر من الوقت الاقتصادي للولايات المتحدة والعالم، ويعتقد أيضاً أن الوقت ملكه وحده. ولكن، هل الوقت بالنسبة للسعودية، التي تعاني من ضربات اقتصادية بسبب حصار الحوثيين، هو نفس الوقت الأمريكي؟
هل تعمل دول الخليج حسب التوقيت نفسه، أم أنها ستبادر على الأرجح لاتخاذ خطوات أحادية أو متعددة الأطراف ضد إيران، بهدف التوصل إلى اتفاقات معها أو الانضمام إلى الترتيبات التي ستبرم، إذا وجدت، بين إيران وسلطنة عمان؟ يبدو أن تهديد ترامب لسلطنة عمان ينبع من الخشية أن توقيع الدولتين على اتفاق لتنظيم الملاحة البحرية قد يمنح إيران مزايا لم تكن مشمولة في خطة ترامب. والأسوأ أن هذا الاتفاق إذا حصل على دعم دول الخليج الأخرى فقد يستخدم كأداة ضغط على ترامب لتقديم تنازلات تطلبها إيران من أجل السماح بفتح المضيق.
في الوقت نفسه، تواصل إيران التي تتجاهل مهل ترامب، استغلال الوقت لوقف التدهور في جبهات أخرى تراخا مهمة، مثل العراق ولبنان. ففي العراق، يقترب الموعد النهائي في 30 أيلول، وهو التاريخ الذي تعهدت فيه الولايات المتحدة بسحب كل قواتها من البلاد، وقد تعهد رئيس الوزراء علي الزيدي بنزع سلاح المليشيات الشيعية في التاريخ نفسه. في الأسبوع الماضي، زار قائد قوة القدس إسماعيل قاءاني العراق، والتقى رئيس الوزراء في محادثات وصفت بأنها “حازمة ومباشرة”، إضافة إلى سياسيين وقادة من المليشيات الموالية لإيران. وأوضح قاءاني لمستضيفيه ومرؤوسيه أن نزع سلاح المليشيات أمر غير ممكن. وعرض على رئيس الوزراء تخفيف القيود المفروضة على تصدير النفط العراقي عبر المضيق مقابل تنازلات بشأن تسليح المليشيات.
وجد الزيدي، الذي التقى مع ترامب وأصبح أحد أصدقائه الجدد في الشرق الأوسط، نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ فالولايات المتحدة تسيطر على عائدات النفط العراقي، حيث ينص الاتفاق الذي وقع في 2003 على إيداع هذه العائدات في صندوق خاص لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وقد أظهر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نفوذه بالفعل عندما أوقف تحويل 500 مليون دولار للعراق في شهر نيسان. ولم يفرج عن الاموال الا في تموز بعد تعهد العراق بتطبيق آلية رقابة صارمة لمنع تحويل الأموال إلى إيران ووكلائها.
لكن العراق لا يمكنه الانفصال كلياً عن إيران؛ فهو يستورد الغاز منها، الذي هو بحاجة إليه لتوليد الكهرباء، وهو مدين لطهران بمليارات الدولارات مقابل مشتريات سابقة من الغاز والكهرباء. وقد بلغ حجم التجارة بين الدولتين حوالي 12 مليار دولار أمريكي في العام 2025، والأهم أن الائتلاف السياسي الذي يسيطر على العراق والذي انتخب الزيدي كرئيس للوزراء، يعتبر موالياً لإيران بدرجة كبيرة، ويضم هذا الائتلاف قادة سياسيين لبعض المليشيات الشيعية التي تعارض نزع السلاح.
ولتحرير الحكومة من مأزق الضغط، فقد اقترح نوري المالكي، رئيس “ائتلاف دولة القانون”، وهو عنصر اساسي في “الإطار التنسيقي” الذي يقود الحكومة، فصل تاريخ الانسحاب الأمريكي عن تاريخ نزع سلاح المليشيات. وبرر المالكي اقتراحه بأن الانسحاب الأمريكي قبل نزع السلاح قد يحيد الطلب الرئيسي للمليشيات، ويمنح الحكومة نفوذاً قوياً لتنفيذ عملية نزع السلاح، ويمنع اندلاع صراعات سياسية وعسكرية داخل الدولة.
تسود بين أكراد العراق وإيران علاقات يكتنفها التعقيد والتناقض. كانت إيران أول دولة تفتح سفارة لها في إقليم كردستان العراق بعد سقوط نظام صدام حسين. ومنذ ذلك الحين، وسعت حجم التجارة مع الإقليم ليصل إلى مليارات الدولارات في السنة. وقد عاش رئيس الإقليم نيجيرفان برزاني، نجل مسعود برزاني وحفيد الزعيم الراحل الملا مصطفى، ودرس في إيران وهو يتقن اللغة الفارسية، ونسج على مر السنين علاقات وثيقة مع قادة الإقليم وقادة الحرس الثوري. وربما هذا ما دفع الرئيس ترامب إلى الاستعانة به كوسيط بينه وبين قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.
في الوقت نفسه، تتهم إيران قيادة الإقليم بتوفير الملجأ والدعم لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية، التي اتخذت من العراق قاعدة لها. وتشك إيران أيضاً في علاقات ترامب الوثيقة مع القيادة الكردية في العراق، بعد أن تحدث ترامب في آذار مع مسعود برزاني وبافل طالباني، زعيم الفصيل الكردي المنافس، ووجه إليهما إنذاراً نهائياً: “إما معنا أو ضدنا”. وجاء هذا الحديث بعد أقل من شهر على تشكيل التحالف الكردي – الإيراني، الذي كان من المفروض أن يعمل على إسقاط النظام في إيران حسب خطة إسرائيل. ورداً على ذلك، أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيرات على المناطق الكردية، ما أسفر عن قتل عناصر من قوات البشمركة وأكراد مدنيين، وإلحاق أضرار جسيمة بالقواعد الأمريكية هناك.
وما زالت إيران غير مقتنعة بأن خطة استخدام الأكراد ضدها من جديد قد جبت حياة الكثيرين، لكن قصف المناطق الكردية يهدف الآن إلى توجيه رسالة، ليس فقط لقيادة الأكراد والولايات المتحدة، بل أيضاً لحكومة العراق. فإذا صممت الأخيرة على نزع سلاح المليشيات، فيمكن لإيران بسهولة فتح جبهة عنيفة أخرى في العراق، ما يلحق الضرر بالنسيج السياسي الهش القائم بين الحكومة وقيادة الإقليم، ويقوض استقرار البلاد كلها.
تعدّ هذه الجبهة ثانوية مقارنة مع التركيز الرئيسي الذي ينصب على مضيق هرمز. ولكنها تشير إلى الطريقة التي تستغل فيها إيران عامل الوقت. فبالنسبة لها، الوقت مورد مرن يمكن استغلاله وتشتيته لخلق جبهات إضافية، وإشعال صراعات وتعقيد التحركات الأمريكية، وتشكيل “نظام إقليمي” يشكل الأساس لكل المفاوضات في المستقبل.
هآرتس 18/8/2026