أوساط إسرائيلية واسعة ترفض رواية نتنياهو عن الحرب وتتهمه بالكذب والفشل


الناصرة- “القدس العربي”: كذّبت المعارضة وعدد كبير من المراقبين في إسرائيل رئيسَ حكومتها بنيامين نتنياهو، واتهمته بمحاولة تجميل الحالة السيئة التي ورّطها فيها والتستر على فشله في إدارة الحروب في كل الجبهات، وفقدان دعم حتى الرئيس الأمريكي وصولا إلى اتفاق خطير مع إيران.

وكان نتنياهو بعد صمت طويل، عقد مؤتمرا صحافيا في الليلة الماضية خلط فيه الحقائق بأنصافها وبالأكاذيب، وهو يقول إن إسرائيل قد انتصرت، مهاجما كل من يدعي عكس ذلك، مضيفا أن إيران كادت أن تمتلك قنبلة نووية، ولولا التدخل العسكري مع الأمريكيين، لوقف الإسرائيليون أمام خطر إبادة داهم.

نتنياهو الذي لم تخل لهجته ولغة جسده من الارتباك، تحاشى هذه المرة، بعد إعلان الاتفاق بين واشنطن وطهران، استخدام مصطلح “النصر المطلق” واستبدله بالقول: “أبعدنا خطر الإبادة”.

اعترف نتنياهو بأن إسرائيل حُيدت في المفاوضات، وأن ترامب الذي طالما فاخر بأنه صديقه المقرّب وحليفه الاستراتيجي لم يشركه في أسرار الاتفاق

وحاول منع تثبيت رواية إسرائيلية واسعة الانتشار حول نتيجة هذه المنازلة مع إيران، حيث تساءل نتنياهو: “يقولون فشل كبير.. أي فشل؟ إسرائيل في 7 أكتوبر وإسرائيل اليوم.. كيف يمكن أن نقارن؟”. وبذلك يقصد أن إسرائيل اليوم أفضل من ناحية القوة والردع والهيبة والمكانة.

وفي هذا المضمار، وضمن محاولة تسويق بضاعته وروايته، زعم نتنياهو أن حاجز الخوف قد كُسر مقابل إيران، وعاد للتهديد: “إيران لن تحصل على سلاح نووي وأنا موجود، باتفاق أو بدون اتفاق”.

ومع ذلك، اعترف نتنياهو بأن إسرائيل حُيدت في المفاوضات، وأن ترامب الذي طالما فاخر بأنه صديقه المقرّب وحليفه الاستراتيجي لم يشركه في أسرار الاتفاق: “لا نعرف محتويات الاتفاق الذي سيوقع يوم الجمعة في جنيف”.

نتنياهو وترامب

بيد أن خطاب “الساحر” لم يهدئ من روع الإسرائيليين الذين ينظر معظمهم لما يحصل بعيون مشدوهة، ويتابعون بقلق واستياء وهم يرون أن النظام في إيران لم يسقط وربما زاد قوة، وأن الرئيس ترامب يبدي رغبته بلقاء المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.

أما “المساعدات على الطريق” التي وعد بها الإيرانيين، فستصل إلى النظام نفسه الذي خاض حربا ضده في غضون عام. والمقصود طبعا مليارات دولارات التي ستصل إلى خزينة إيران، إلى جانب استئناف التجارة بمصادر الطاقة، وهذا كله دون إخراج كيلوغرام واحد بعد من اليورانيوم المخصب من أراضيها.

في المقابل، قال ترامب في آخر تصريحاته، بخلاف رغبة الجانب الإسرائيلي: “الآن أنا معني بالدفع نحو اتفاق مع لبنان وسنضطر للحديث مع حزب الله”، مما ينذر بنجاح إيران في ربط الساحات، ووقف الحرب في الجبهة اللبنانية أيضا، وانسحاب إسرائيلي منها ولو بالتدريج دون تفكيك سلاح حزب الله.

وعن علاقته مع ترامب، قال نتنياهو في مؤتمره الصحافي إنها “علاقات ممتازة”، بيد أن الإسرائيليين سيصدقون ما يسمعونه بآذانهم ويرونه بعيونهم، ومن المفترض أنهم يتذكرون ما قاله الرئيس الأمريكي علنا قبل يومين عن نتنياهو بعدما فاض به وملّ وسئم منه ربما بعدما ورّطه في إلغاء اتفاق أوباما مع طهران وبمزاعم إسقاط النظام في أيام: “بدون رجاحة عقل، بحق الجحيم، وشخص صعب” وغيرها.

ويعبّر كاريكاتير صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم الثلاثاء عن تردي علاقات الحليفين، وفيه يظهر ترامب لابسا سترة لعب حمراء تحمل الرقم 80 في إشارة إلى عيد ميلاده، وهو يركل كرة تحمل ملامح نتنياهو ركلة قوية إلى الهواء.

خوف واستياء

وحمل رئيس حكومة الاحتلال السابق، رئيس حزب “معا” نفتالي بينيت، على نتنياهو بشدة مستغلا الفرصة لفضح أكاذيبه للنيل من هيبته وحظوظه السياسية عشية انتخابات الكنيست بعد أربعة شهور.

وفي حديث للإذاعة العبرية العامة، قال بينيت إن رئيس حكومة جيدا يعمل لصالح المواطنين بدلا من السعي لخدمة شؤونه الخاصة.

وعن ذلك أضاف: “نتنياهو وبدلا من طرح قضايانا القومية على مسامع ترامب، كان يطلب منه التدخل لدى رئيس إسرائيل لمنحه عفوا”.

كما هاجم بينيت مقولة نتنياهو بأن إسرائيل وقفت أمام خطر الفناء، وأنه طالما بقي موجودا فهذا لن يحدث، لأن إيران بكل الأحوال لن تحوز على سلاح نووي.

وعن ذلك تابع بينيت: “يقول نتنياهو أمورا مرعبة مثل: طالما أنا رئيس، لن يحدث، وكأنه يقول إن الشعب اليهودي بدونه سيدمر. التهديد بالإبادة كذب وخطير”.

اختراق إيراني

مقابل مزاعم تحييد التهديد الإيراني، تنقل صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن علماء وخبراء، ليسوا سياسيين فحسب، قولهم إن الاتفاق خطير وسيئ جدا بالنسبة لإسرائيل، معربين عن قلق بالغ من إمكانية استغلال إيران هدنة الستين يوما من أجل الإسراع بالاختراق وحيازة سلاح نووي.

ويشير عدد كبير من المراقبين في إسرائيل إلى أن مذكرة الاتفاق مع إيران خطيرة، ويعتبر معظمهم أن اتفاق أوباما في 2015 أفضل لإسرائيل.

الاتفاق يرحل القضايا الحيوية وينحصر بمضيق هرمز وشؤون أخرى ولا يعالج قضايا الصواريخ الباليستية والوكلاء، كما لا يفرض وقفا للحرب

وينوه هؤلاء إلى أن الاتفاق يرحل القضايا الحيوية وينحصر بمضيق هرمز وشؤون أخرى ولا يعالج قضايا الصواريخ الباليستية والوكلاء، كما لا يفرض وقفا للحرب، بل وقفا لإطلاق النار فحسب، في لبنان.

عن ذلك قال المحلل العسكري في القناة 13 العبرية ألون بن دافيد: “نحن أمام يوم دراماتيكي يرمز إلى انقلاب في الشرق الأوسط، تحولت فيه إيران إلى الدولة الأهم بعدما كانت إسرائيل هي المهيمنة”.

وتوقف المحلل السياسي في القناة 12 العبرية بن كاسبيت عند أكاذيب نتنياهو حول مقارنة أحوال إسرائيل اليوم مع ما كان قبل الحروب، فيقول إن نتنياهو قدم خطابا محشوّا بالكذب بدا فيه منفصما عن الواقع.

ويقول بن كاسبيت: “كان منفصما عن الواقع وهو يتحدث عن انكسار وعن انتصار، متجاهلا الفجوة بين إسرائيل 7 أكتوبر وبين واقعها الأمني والسياسي اليوم”.

مقولة تشرتشل عن الأمريكيين

ويتساءل بن كاسبيت: “أين اختفت اللغة المتعجرفة المتغطرسة؟ بدلا من الحديث عن نصر مطلق في كل الجبهات قال نتنياهو: سنواصل تحييد التهديدات في المنطقة”.

ويتقاطع المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل مع بن كاسبيت بقوله إن هذه الاتفاقية الكارثية مع إيران لا تقل أهمية عن مجزرة 7 أكتوبر.

ويمضي هارئيل في صلب تحليله متهما: “ربما لا يبشر إنهاء الحرب بالشروط المطروحة حاليا بأي خبر سار لأي إسرائيلي.. فإذا استمر نتنياهو في محاولاته لتضليل الرأي العام بشأن القضية الإيرانية، فإن الجبهة اللبنانية ستشتعل أكثر فأكثر، وهناك قد يقع الصدام الوشيك بين الولايات المتحدة وإسرائيل”.

ويكشف المحلل العسكري في صحيفة “معاريف” آفي أشكنازي عن موقف الجيش من الاتفاق بقوله إن المؤسسة الأمنية ترفع راية حمراء وتطالب المستوى السياسي بتغيير الاتجاه.

وعن المقصود بذلك يضيف: “يسود الجيش شعور ثقيل بالإحباط من عدم ترجمة مكاسبه العسكرية مقابل حزب الله إلى إنجاز دبلوماسي. ويقول الجيش إننا ننتظر الآن تفاصيل الاتفاق يوم الجمعة، بينما الوضع في لبنان متفجر”.

ولخص كل ذلك المحاضر في جامعة تل أبيب، الجنرال في الاحتياط ورئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الدكتور ميخائيل ميليشتاين، بالقول في تصريحات إعلامية إن الاتفاق يعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي.

ويتوافق ميليشتاين مع وجهات نظر ترى أن الفشل الإسرائيلي مرده إلى عدة عوامل، منها اللغة المتغطرسة، والرهان على القوة فقط دون رؤية سياسية، وخوض حروب دون خطة استراتيجية، والاتكاء على ترامب فقط، ووضع بيض إسرائيل في سلة واشنطن، علاوة على استخفاف تل أبيب وواشنطن بإيران وجهلهما بحقيقة واقعها، إضافة إلى قدرتها على الامتصاص والصبر والتحدي وإدارة المفاوضات ببراعة.

وفي هذا المضمار يذكّر ميليشتاين بما قاله تشرتشل ذات مرة إن الأمريكيين لا يفكرون.. يجربون ويخططون ويفشلون.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *