هذا الأسبوع تلقت عبارة “النظام العالمي القديم مات” معنىً متجدداً؛فإعلان الإمارات الرسمي عن الانسحاب من منظمة “أوبك زائد”، بعد عشرات السنين من العضوية ليس قراراً اقتصادياً – فنياً فحسب، بل إعلان استقلال استراتيجي يغير قواعد اللعب في سوق النقد، ويؤثر على استقرار الأسعار العالمي، ويعيد تصميم ميزان القوى في الشرق الأوسط مع تداعيات مباشرة على إسرائيل.
كي نفهم عظمة الساعة، ينبغي النظر إلى تركيبة المنظمة عشية الانسحاب. منظمة “أوبك زائد” هي رفع مستوى الكارتل الأصلي الذي نشأ كي يضم قوى عظمى إنتاجية أخرى برئاسة روسيا. نواة أوبك تضم السعودية (الزعيمة الفعلية)، العراق، الكويت، الإمارات المنسحبة، الجزائر، ليبيا، إيران، نيجيريا، الكونغو، غابون، غينيا الاستوائية وفنزويلا. الشركاء الخارجيون هم روسيا، كازخستان، المكسيك، عُمان، أذربيجان (موردة مركزية لإسرائيل)، البحرين، بروناي، ماليزيا، السودان وجنوب السودان.
منظمة الدول المنتجة للنفط التي تعرف باسم أوبك تأسست في 14 أيلول 1960. وتم تأسيس المنظمة في مؤتمر عقد في بغداد، العراق، بمبادرة الدول المؤسسة الخمسة: إيران، العراق، الكويت، السعودية وفنزويلا. انضمت الإمارات إلى منظمة أوبك في العام 1967. وكان هدف تأسيس المنظمة هو توحيد سياسة النفط للدول الأعضاء ولضمان أسعار مستقرة وعادلة لمنتجات النفط في ظل ضمان توريد منتظم للدول المستهلكة. المقر المركزي للمنظمة في فيينا، النمسا.
استعرضت السعودية قوتها عقب حرب يوم الغفران في العام 1973 وقادت مقاطعة نفطية تاريخية هزت العالم. الدول العربية، أعضاء أوبك، قلصت الإنتاج وأوقفت تماماً الإرساليات للدول التي دعمت إسرائيل في حرب يوم الغفران، ما أدى إلى ارتفاع بأربعة أضعاف في أسعار النفط العالمية في غضون أشهر معدودة. وتسببت المقاطعة التاريخية بركود عالمي عميق وغيرت مفهوم أمن الطاقة في الغرب، ما أدى إلى إقامة وكالة الطاقة الدولية (IEA) والبحث عن مصادر طاقة بديلة.
كانت منظمة “أوبك زائد” تحوز حتى وقت قصير مضى نحو 59 في المئة من إنتاج النفط العالمي، مما سمح له أن تملي الأسعار من خلال تقليص أو زيادة الإنتاج بالتنسيق. مغادرة الإمارات، المنتجة الثالثة في أهميتها في المنظمة تسحب البساط من تحت أقدام قدرة التنسيق هذه.
لم يقع الانفجار بين أبو ظبي والرياض في يوم واحد. فقد استثمرت الإمارات في العقد المنصرم عشرات مليارات الدولارات في تطوير شبكات النفط لديها وفي رفع قدرة الإنتاج إلى نحو 5 مليون برميل يوميا. السقوف المتصلبة التي فرضتها “أوبك زائد” أجبرتها على أن تنتج أقل بكثير مما تستطيع،مما مس بمردود الاستثمار وبقدرة تمويل رؤيا “اقتصاد المستقبل” للدولة.
وبينما حاولت السعودية بقيادة محمد بن سلمان الإبقاء على أسعار عالية (فوق 90 دولاراً للبرميل) كي تمول مشاريع طموحة، دفعت الإمارات نحو استراتيجية “البيع بأكبر قدر ممكن ما دام النفط مهماً”، انطلاقاً من فهم أن عصر الطاقة الخضراء يقترب.
وبالطبع، النزاع في الشرق الأوسط. التوتر الأمني مع إيران والإغلاقات المتكررة في مضيق هرمز دفعت الإمارات بالحاجة إلى يد حرة للتوقيع على اتفاقات لتوريد ذاتي مع المستهلكين في الغرب، ومع الشرق الأقصى دون أن تكون مقيدة بمصالح روسيا أو إيران في إطار منتدى المنظمة.
“ضغط لتخفيض الأسعار”
إن ترك الإمارات يعد رصاصة بدء لمنافسة عنيفة. فمن دون التزام بالقيود، من المتوقع أن تضخ الإمارات نحو مليون برميل آخر يومياً في المدى القصير. عندما يعمل لاعب كبير كهذا وحده، ربما ترد السعودية وروسيا بـ “إغراق مضاد” كي تحافظا على نصيبهما في السوق، وهذا كفيل بأن يؤدي إلى انهيار الأسعار مثلما رأينا في 2014 و2020.
الدول الأخرى كالعراق أو كازخستان تعاني هي الأخرى من القيود التي فرضتها السعودية، كفيلة هي الأخرى بالسير في أعقاب الإمارات. إذا تفكك “أوبك زائد”، فإن النفط سيتحول من بضاعة تسيطر عليها السياسة إلى بضاعة يقررها العرض والطلب فقط، مما سيؤدي إلى حراكات متطرفة.
في المدى الفوري، تدفع الحرب الإقليمية السعر إلى أعلى (في محيط 105 دولارات للبرميل، حتى اليوم)، لكن التفكك البنيوي لـ “أوبك زائد” سيخلق ضغطاً لتخفيض الأسعار في المدى البعيد. بالنسبة لإسرائيل، يعد هذا حدثاًذا تداعيات اقتصادية وجيوسياسية دراماتيكية. فإسرائيل تعتمد أساساًعلى استيراد النفط الخام من أذربيجان وكازخستان ونيجيريا والبرازيل.
إن ارتفاع الأسعار عقب الحرب والهزة التي أصابت “أوبك زائد” يبدو ملموساً جزئياً من اليوم الأول من أيار، في جيب كل إسرائيل في محطة الوقود. مع ذلك، إذا أدت الخطوة إلى منافسة حرة في سوق النفط العالمية، فستتمتع إسرائيل بأسعار مستقرة ومتدنية أكثر في المدى البعيد، ما يقلص غلاء المعيشة.
اتفاقات إبراهيم تخلق فرصة لإسرائيل لاتفاقات توريد بعيدة المدى مباشرة مع الإمارات دون “وساطة” كارتل النفط. هذا ذخر استراتيجي من الدرجة الأولى. خروج الإمارات من الإطار العربي – الروسي – السعودي يخلق مسيرة محتملة من تقرب إضافي للغرب ولإسرائيل، ويعمق التعاون الاقتصادي أيضاً إلى مجالات الطاقة والبنى التحتية.
إن وجود خط أنبوب إيلات – عسقلان والممر البري إلى البحر المتوسط يصبحان أكثر جاذبية حين تعمل الإمارات خارج أوبك 6 ويسمحان بنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل إلى أوروبا (التفافي قناة السويس والتفافي مضيق هرمز). كما أن “أوبك زائد” كانت أحد آخر الأماكن التي كان يمكن أن تؤثر فيه لإيران على سياسة دول الخليج. إضعاف المنظمة يعدّ ضربة لقدرة نفوذ طهران الاقتصادي.
إن ترك الإمارات “أوبك زائد” ليس أقل من انهيار مفهوم يعود إلى 50 سنة. يدور الحديث عن انتقال من عالم كارتيلات ممركزة إلى عالم منافسة حرة، في ظل حرب إقليمية. بالنسبة لإسرائيل، هذا تحدٍ لإدارة أسعار في المدى القصير، لكنه فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية حيال شريك قرر المراهنة على المستقبل.
البروفيسور يئير زيمون وعودي سورير
معاريف 1/5/2026