لندن- “القدس العربي”:
شكك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بالحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدم له نفس المبررات، وإن تقييمه كرئيس للوضع كان مصيبا.
وفي مقابلة مع مجلة “ذي نيويوركر”، أجراها بيتر سيلفين، حاول فيها فهم ما فعله الرئيس أوباما وزوجته ميشيل في العقد الذي مضى على تركه الرئاسة، والصدمة التي واجهها بانتخاب رئيس لا يعرف كثيرا عن الدبلوماسية والمخاطر. ويتذكر أوباما أنه في اللقاء الأول التقليدي بين الرئيس المنتخب والمنتهية ولايته في البيت الأبيض، لم يظهر دونالد ترامب اهتماما بالمخاطر الكبيرة التي تواجه أمريكا: روسيا والصين، وكل ما كان يهمه هو حجم الحضور لتنصيبه. وقال أوباما إنه حاول أن يهدئ من روع الديمقراطيين بعد فوز ترامب المفاجئ بالرئاسة، وقال لهم إنه ليس كارثة لأن أمريكا قوية بمؤسساتها، مع أن هذا الرأي تغير عندما حدث الهجوم على الكونغرس في 6 كانون الثاني/ يناير.
وقالت المجلة إن أوباما بعد الرئاسة كان منشغلا ومسافرا دائما، فقد أنشأ مركزا في شيكاغو التي بدأ فيها حياته السياسية، وبدأ هو وزوجته يحصلان على المال، حيث وقّع على سيرته الذاتية بملايين الدولارات، وبدأ يتعامل مع شركات الإنتاج، ومنها نتفلكس. ولم يعودا بحاجة للكشف عن سجلهما الضريبي.
ورغم تركه الرئاسة، إلا أن شعبيته لا تزال كبيرة، حيث أظهر استطلاع لغالوب أن 96% يفضلونه بين الديمقراطيين، بل وشعبيته بين الشباب عالية، كما كشف معهد في هارفارد الذي أجرى استطلاعا بهذا الشأن. ويرى موريس ميتشل، المدير الوطني لحزب العائلات العاملة، الذي يتبنى توجهات يسارية أكثر من معظم قيادة الحزب الديمقراطي، أن أوباما “رجل ثري ومشهور”، إلا أن ميتشل يشير إلى أن الرئيس السابق لا يزال يحظى “بثقة هائلة” من شريحة واسعة من الناخبين. وقال إنه كان يتمنى لو أن أوباما يبذل جهدا أكبر لتوسيع التحالف التقدمي. وأضاف ميتشل: “هذا وقت للانضمام إلى الجبهة الموحدة ضد الفاشية. ما يمكنه فعله، وأعتقد أن قلة من الناس تستطيع فعله، هو الإشارة إلى أن القيادة الثورية والمتمردة هي في الواقع ضرورة في هذه اللحظة”. وأجرى سيلفين المقابلة مع أوباما في مركزه بالجانب الجنوبي من شيكاغو. وهو الآن في سن الـ64 عاما.
وكشفت المقابلة أن أوباما لم يعد يتوهم بشأن طبيعة رئاسة ترامب. فقد ثبت خطأ توقعاته المبكرة بأن ترامب لن يتمكن إلا من التراجع عن نسبة ضئيلة من إنجازات أوباما، وأن الأعراف السياسية ستسود. فقد استخدم ترامب وزارة العدل لمقاضاة خصومه السياسيين، وسيّس البنتاغون، وهو يتجاهل كل تعريف للأخلاق السياسية حين يهدد بقصف إيران حتى تعود إلى “العصور الحجرية”. لكن ما الذي يستطيع أوباما فعله حيال ذلك؟ كما قال لأحد المشاغبين العام الماضي: “سيدي، لست رئيس الولايات المتحدة حاليا، لذا لا جدوى من الصراخ في وجهي”. وفي مناسبات أخرى، يقارن نفسه بمايكل كورليوني في أفلام “العراب”، الذي لم ينجح أبدا في التخلص من أعمال العائلة، ويقول: “ظننت أنني تخلصت منها، لكنهم أعادوني إليها”.
وقال أوباما إن تهور ترامب دفعه للعمل في السياسة “أكثر مما كنت أفضل”، وقام بحملات انتخابية في جميع أنحاء البلاد في كل دورة انتخابية منذ مغادرته منصبه. كما استضاف فعاليات لجمع التبرعات، وسجل عشرات الإعلانات المصورة والرسائل الصوتية الآلية. وعندما يتحدث عن دوره في المساعدة على معارضة ترامب، يجادل بأن تأثيره لا يقاس فقط بعدد الخطابات التي يلقيها أو ظهوره في وسائل الإعلام التقليدية، بل أيضا بالجمهور الذي يصل إليه بطرق أخرى. فهو يسوق لمشاريع نتفلكس التي تحمل رسائل تدعو إلى الارتقاء بالليبرالية. وأشارت المقابلة إلى أن ترامب لا يزال ينظر إليه نظرة دونية، ويقترح أنه “خارج عن أمريكا”، مع ترديده “باراك حسين أوباما”، مع أن الرئيس لا يهتم كثيرا بهذا وبكل الإهانات المستمرة، لكنه يهتم عندما يطال هذا عائلته.
وقد تحدث أوباما عن الإهانات بنبرة هدوء متعمدة. ومع ذلك، فقد قال إن البلاد تمر بـ”أزمة سياسية لم نشهد مثلها من قبل”. وقال إنه يجيب عندما يسأله الناس عما إذا كان يرى حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” وتوطيد ترامب للسلطة في واشنطن بمثابة رفض لرئاسته، يجيب: “لا، في الواقع، لا يزال ستون بالمئة من البلاد متفقين معي”.
وخلال العام الماضي، تابع أوباما بذهول كيف استغل ترامب منصبه لإثراء نفسه وعائلته، وكيف ارتكب حماقات شبه يومية.
ونقل الصحافي عن بن رودس، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي لأوباما ويعمل الآن مستشارا له، قوله: “أحيانا، وغالبا في وقت متأخر من الليل، يرسل أوباما رسالة نصية أو بريدا إلكترونيا إلى صديق حول حماقة ارتكبها ترامب”. ويضيف: “ما يثير غضبه هو ازدواجية المعايير: ماذا لو ركبت طائرة قطرية؟ الأمر ليس مجرد حسد، بل هو جنون محض. لو فعل باراك أوباما أيا من هذه الأشياء، لكان قد انتهى فورا”. وفي نهاية المقابلة، طرحا موضوع الحرب في إيران وتآكل التحالفات الأمريكية في عهد ترامب.
وقال أوباما: “أعتقد أن إصلاح الضرر الذي لحق بالنظام الدولي سيكون أصعب من بعض الإصلاحات الداخلية، وأعتقد أن أحد أوجه النظر إلى الأمر هو أن النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية كان من أفضل فترات أمريكا”.
وأشار أوباما إلى أن ترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك خطة مارشال وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والبنك الدولي واتفاقية بريتون وودز: “ذلك النظام برمته، بكل عيوبه وتناقضاته” ساهم في ضمان أن “يصبح العالم أقل عنفا وأكثر عافية وأكثر ثراء وأكثر مساواة وأكثر احتراما لحقوق الإنسان، لأن أقوى دولة في العالم قالت: لن نستعرض قوتنا لمجرد الاستعراض. لن نطالب بالجزية ونتنمر على الآخرين، وسنكون جزءا من توافق أوسع حول كيفية سير الأمور”. لكن ترامب عطل كل ذلك بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، وبفرض تعرفات جمركية، والتهديد بالاستيلاء على غرينلاند. وقال أوباما إن حلفاء أمريكا “لم يعودوا قادرين على الاعتماد علينا كمركز لهذا النظام الدولي”.
وأشار إلى خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، الذي دعا فيه “القوى المتوسطة” إلى التصدي لغطرسة ترامب، واصفا إياه بأنه “تلخيص دقيق لمشاعر أقرب حلفائنا في الوقت الراهن”. وتابع قائلا إن مأساة هذا الوضع تكمن في أنه “لا يزال من المستحيل إيجاد بديل لنا، فإذا لم نتحدث عن حقوق الإنسان، فلن يناقش هذا الموضوع بالقدر الكافي. وإذا لم نكن مهتمين بتغير المناخ، فبصراحة، يمكن للدول الأخرى أن تتظاهر بالاهتمام به وتتخذ بعض الإجراءات، لكنها لن تتصدى له فعليا. لذا، ستظل قيادتنا ذات أهمية بالغة، ولكنها على الأرجح ستبدأ بالقدوة الحسنة أكثر من أي شيء آخر، بدلا من إصدار الأوامر”.
وعند سؤاله عن أثر تهديد ترامب الأخير للإيرانيين بأنه إذا لم يستسلموا، “ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدا”، أجاب بعد لحظة صمت: “أعتقد أن القيادة الأمريكية، ممثلة بالرئيس الأمريكي، يجب أن تعكس احتراما أساسيا لكرامة الإنسان وإنسانيته، ليس فقط داخل حدودنا، بل وخارجها أيضا. هذا جزء من مسؤولية القيادة، وإذا لم نعبر عن هذه القيم الجوهرية، أن هناك أبرياء في دول ذات حكومات ظالمة، وعلينا أن نهتم لأمرهم، وأننا قد نرتكب أخطاء إذا لم نحذر من الغرور والأنانية المحضة، إذا لم نتحل بهذه القيم، فقد ينهار العالم بطرق كارثية”.
وفي الوقت الذي يسعى فيه ترامب لعقد صفقة جديدة مع النظام الإيراني، ودفعه لقبول العديد من التنازلات التي انتقدها بشدة عندما كان أوباما في البيت الأبيض، قال أوباما إن نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، قدم له نفس الحجج التي ساقها للرئيس ترامب لتبرير المواجهة المسلحة مع إيران. وقال: “أعتقد أن تشخيصي كان دقيقا”. وربما يكون نتنياهو قد “حصل على ما أراد، لكنني أشك في أن يكون هذا هو الأفضل للشعب الإسرائيلي في نهاية المطاف. وأشك أيضا في أنه ما يصب في مصلحة الولايات المتحدة وأمريكا. أعتقد أن هناك سجلا حافلا باختلافاتي مع نتنياهو”.