لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” جدعون رخمان إن حلفاء الولايات المتحدة قد يعلنون استقلالهم عن الولايات المتحدة. فعندما تحتفل بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الشهر المقبل، سينضم أصدقاؤها وحلفاؤها إلى الاحتفالات، لكن في الخفاء تسعى العديد من هذه الدول إلى تعزيز استقلالها عن أمريكا.
وقد أدرك شركاء واشنطن التقليديون أن العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة لا تحميهم من إساءة استخدام السلطة وأساليب الضغط التي تمارسها إدارة ترامب.
وقد عبرت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، عن رأي الكثيرين عندما اشتكت من أن الرئيس الأمريكي غالبا ما يعامل الحلفاء الديمقراطيين معاملة أسوأ من منافسيهم ذوي الأنظمة الاستبدادية.
عبرت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، عن رأي الكثيرين عندما اشتكت من أن الرئيس الأمريكي غالبا ما يعامل الحلفاء الديمقراطيين معاملة أسوأ من منافسيهم ذوي الأنظمة الاستبدادية
وفي ظل هذا المناخ الجديد، تبدو العلاقات الوثيقة مع أمريكا، التي كانت تعتبر في السابق مصدر قوة، وكأنها نقطة ضعف محتملة. وكان جرس الإنذار الأقوى العام الماضي عندما فرض دونالد ترامب تعريفات جمركية باهظة على الحلفاء والأعداء على حد سواء.
ودقت إدارته ناقوس الخطر مجددا هذا الشهر بقرارها تقييد وصول جميع الرعايا الأجانب إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة لشركة أنثروبيك – ميثوس 5 وفيبل 5.
وربما عدلت إدارة ترامب سياستها، إلا أن الرسالة وصلت على ما يبدو. لكن لحظة “ميثوس” تدعم تأكيدا أدلى به آرثر مينش، الرئيس التنفيذي لشركة “ميسترال” الفرنسية، وهي أبرز شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في أوروبا، في وقت سابق من هذا العام. فقد تحدث أمام لجنة من الخبراء قائلا إنه مع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في عمل الاقتصاد العالمي: “يكمن الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا في أن تعتمد صناعتنا بأكملها على تقنية يمكن إيقافها إذا قررت الولايات المتحدة فعل ذلك”.
ولخوف الحكومات الأوروبية من هذا الاحتمال، باتت تتحدث بشكل متزايد عن الحاجة إلى “سيادة الذكاء الاصطناعي”، بما يقلل من اعتمادها على الشركات والنماذج الأمريكية، وهو ما قد تستفيد منه شركة ميسترال نفسها.
ولا يقتصر القلق بشأن مفاتيح التبديل الأمريكية على الذكاء الاصطناعي، فقد كانت تهديدات ترامب بضم غرينلاند في وقت سابق من هذا العام تذكيرا للأوروبيين باعتمادهم على الأسلحة الأمريكية، حيث تشعر شركات الدفاع الأمريكية الكبرى الآن بالقلق من أنها بدأت تخسر مبيعاتها نتيجة لذلك. وتمتد هذه القضايا إلى ما هو أبعد من أوروبا.
فقد قوبلت الرسوم الجمركية المفروضة على الهند وتقارب ترامب مع باكستان بغضب في نيودلهي. ومؤخرا، نشرت مؤسسة “أوبزرفر” للأبحاث، وهي مؤسسة بحثية هندية تعكس غالبا تفكير الحكومة، بحثا يزعم أن “عامل ترامب” كان له تأثير كبير في قرار الهند شراء طائرات مقاتلة من فرنسا.
وربما تكون كندا الدولة التي فكرت بشكل أكثر منهجية في كيفية تقليل الاعتماد على كل من الولايات المتحدة والصين، والتي اقترح ترامب مرارا وتكرارا أنها ينبغي أن تصبح الولاية رقم 51 في أمريكا.
وفي دراسات خاصة، حددت الحكومة الكندية تسعة مجالات اقتصادية ذات أهمية بالغة للسيادة. وتشمل هذه الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والمدفوعات والتسوية.
ويقول رخمان إن التطلع إلى تجنب الاعتماد على كل من أمريكا والصين في هذه المجالات أمر مفهوم. ولكن هل هذا ممكن؟ فكندا تعتمد، على سبيل المثال، على جارتها الجنوبية العملاقة في نحو 70% من تجارتها. وتظل “ميسترال” صغيرة الحجم مقارنة بمنافسيها الأمريكيين في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أن العالم الغربي بأكمله، بما في ذلك الولايات المتحدة، يدرك الآن بشكل غير مريح اعتماده على المعادن المهمة القادمة من الصين. وهذه التبعيات عميقة ولا يمكن القضاء عليها بالكامل، لكن يمكن تخفيفها.
وينظر البعض في آسيا إلى اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ باعتبارها نموذجا ولبنة أساسية. وهي تشمل حاليا 12 دولة، بما في ذلك اليابان وكندا وتشيلي وأستراليا وبريطانيا وسنغافورة. وقد فتح الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ الآن مناقشات حول صفقة بين الكتلتين يمكن أن تقلل التعريفات الجمركية في جميع المجالات.
وهناك جدل جدي في نيودلهي حول ما إذا كان ينبغي للهند أيضا أن تسعى إلى الانضمام إلى المعاهدة.
ربما يكون للصفقة التجارية بين القوى المتوسطة، التي تشمل الاتحاد الأوروبي والهند واليابان وبريطانيا، ولكنها تستبعد الصين والولايات المتحدة، بعض التأثير
وربما يكون للصفقة التجارية بين القوى المتوسطة، التي تشمل الاتحاد الأوروبي والهند واليابان وبريطانيا، ولكنها تستبعد الصين والولايات المتحدة، بعض التأثير. ومع ذلك، فإن فكرة تأسيس سيادة اقتصادية كاملة عن الصين وأمريكا، أكبر اقتصادين في العالم والرائدتين عالميا في الذكاء الاصطناعي، تظل بعيدة المنال.
ومع ذلك، يرى رخمان أن هناك طرقا أخرى للتفكير في مشكلة الاعتماد المفرط على حسن نية ترامب أو خلفائه. ولعل الحل لمواجهة خطر وقف أمريكا استخدام التكنولوجيا أو منع الموارد الأمريكية، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي أو الأسلحة أو الطاقة، لا يكمن في السعي إلى الاستقلال التام عنها. فمثل هذه السياسة ستكون مكلفة وغير فعالة، بل وغير واقعية في نهاية المطاف.
ويقترح رخمان استراتيجية بديلة، وهي التي طبقتها الصين بالفعل، ألا وهي إيجاد آلية خاصة بها للتوقف عن استخدام التكنولوجيا أو الموارد الأمريكية. فقد ردت حكومة شي جين بينغ على الرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة بفرض قيود صارمة على تصدير المعادن الحيوية. وكان هذا تكتيكا فعالا أجبر الولايات المتحدة على خفض الرسوم الجمركية.
وعلى القوى العالمية الأخرى أن تجد أدواتها الاقتصادية الخاصة، تحسبا لاحتياجها إليها يوما ما. بالنسبة للهند، قد يكون ذلك من خلال دورها المحوري كمنتج لبعض الأدوية. وبالنسبة لكندا، قد يكون ذلك من خلال البوتاس، وهو مكون أساسي للأسمدة التي تعتمد عليها المزارع الأمريكية. أما بالنسبة لأوروبا، فقد يكون ذلك من خلال التقنيات الفريدة التي توفرها شركة “إيه إس إم إل” الهولندية، أو من خلال دورها مصدرا لليورانيوم والتوربينات.
ويعلق رخمان قائلا إن من المؤسف أن تضطر الديمقراطيات في العالم إلى الاستعداد لحرب اقتصادية محتملة فيما بينها، لكن هذا هو العالم الذي صنعه ترامب.