لندن- “القدس العربي”: قال المؤرخ المختص بالتاريخ والاقتصاد الروماني القديم بريت ديفرو، إن الولايات المتحدة تعلمت الدرس الخطأ من الحرب مع إيران.
ومع أن الحرب مع إيران وعلى مضيق هرمز لم تنته بعد، إلا أن المحللين سارعوا إلى استخلاص الدروس منها. وقد سلطت مجموعة من المقالات في مجال السياسة الأمنية الضوء على أوجه القصور اللوجستية والتكتيكية المتعددة للعملية الأمريكية ضد إيران، كعدم الاستعداد لمواجهة اضطرابات شحن النفط والأسمدة، ونقص مخزون الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، والفشل العام في الاستعداد الفعال لمواجهة طائرات الهجوم المسيرة الرخيصة أحادية الاتجاه، ونقص كاسحات الألغام، وغير ذلك.
ويعلق الكاتب أن هذه دروس مفيدة قد تساعد الولايات المتحدة على الاستعداد للصراعات المستقبلية، لكنها ليست السبب الرئيسي لفشل أمريكا في مضيق هرمز. وحتى لو تمت معالجة بعض هذه المخاوف أو جميعها قبل الصراع بفترة طويلة، فمن الصعب تصور كيف يمكن أن تغير من فشل إدارة ترامب في تحقيق أهدافها الحربية الأولية المتمثلة في تغيير النظام وتدمير قدرة إيران على توجيه ضربات بعيدة المدى أو إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الإيرانية تجاه الأسلحة النووية والوكلاء الإقليميين.
وربما كانت زيادة مخزون الذخيرة والاستعداد لنقص النفط ستتيح للجيش الأمريكي حملة قصف أطول أو ممارسة ضغط اقتصادي أكبر، إلا أن ذلك لا يبرر افتراض أن سبعة أشهر من القصف أو الحصار ستحقق ما عجزت عنه ستة أشهر تقريبا حتى الآن. ويبدو أن الفشل الاستراتيجي، الذي يمنح إيران حرية أكبر في السعي وراء طموحاتها النووية وسيطرة أكبر على مضيق هرمز وبالتالي نفوذا أكبر على دول الخليج، هو النتيجة الأرجح لهذه الهزيمة العسكرية.
ويعلق الكاتب أن الهزيمة العسكرية الحالية لا تعني عدم قدرة الجيش الأمريكي على شن حرب متميزة، فلا يزال هذا الجيش يتمتع بقدرات استثنائية، وأظهر، حتى في هذه الحرب التي اتسمت بسوء التخطيط، قدرات تقنية ليست موجودة لدى أي جيش في العالم. فقد سيطر ومن على بعد أكثر من 7000 ميل من السواحل الأمريكية، على الأجواء الإيرانية. كما كانت الخسائر الناتجة عن الحرب غير متكافئة بشكل واضح، فقد خسرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 18 عنصرا من قوات الجيش وأكثر من 600 جريح. في حين تقدر الخسائر الإيرانية على الأرجح بالآلاف، على الرغم من عدم معرفة العدد الدقيق. وباختصار، حتى مع وجود إخفاقات في التخطيط والإمداد، أثبت الجيش الأمريكي أنه قوة يحسب لها حساب ولا يزال يشكل خطرا نسبيا.
ورغم كل هذه البراعة التقنية إلا أنها ليست بديلا عن العجز الإستراتيجي والمتمثل بمطالبة الجيش بتحقيق المستحيل. فقد طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجيش ليس بمهمة مستحيلة واحدة، بل بثلاث، ثم عبّر عن غضبه عندما فشل.
وأولى هذه المهام المستحيلة، كانت هدف الإدارة المعلن بتغيير النظام الإيراني دون أي عمليات برية. ولطالما كان تحقيق نصر إستراتيجي بالاعتماد الكامل على القوة الجوية هدفا تسعى إليه القوات الجوية المستقلة حول العالم منذ أن تنبأ المنظر الإيطالي جوليو دوهيه عام 1921 بإمكانية كسب الحروب المستقبلية بالقاذفات وحدها، بل ذهب في عام 1928 إلى اقتراح أن 300 طن فقط من القنابل التي تلقى على دولة متوسطة الحجم كفيلة بإنهاء حرب في غضون شهر.
ويعلق الكاتب أن فرضية كسب الحروب من الجو، تعد اليوم من أكثر الفرضيات التي خضعت للاختبار في تاريخ الحروب الصناعية الحديثة، ولم يسفر قصف لندن بـ40,000 طن من القنابل الألمانية خلال حملة القصف الجوي إلا في تعزيز إرادة البريطانيين على المقاومة. وألحقت 2.5 مليون طن من القنابل التي أسقطها الحلفاء على ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية أضرارا جسيمة، وفرضت خيارات صعبة على نظام أدولف هتلر، لكنها لم تجبره على الانهيار، بل بدا أنها عززت التزام الرأي العام بالحرب.
أما الولايات المتحدة، فقد أسقطت 8 ملايين طن من القنابل خلال حرب فيتنام، ولم تحقق هذه العملية، كذلك، سوى القليل، بل ربما كانت نتائجها عكسية إلى حد كبير، إذ ساهمت في ضمان دعم السكان المدنيين لأهداف الحرب الشيوعية، بينما أدت إلى نفور الرأي العام الأمريكي. وربما كان من المستحيل، مهما بلغ مستوى القصف الجوي دون اللجوء إلى الأسلحة النووية، إسقاط نظام من الجو. وأقرب ما وصلت إليه أي عملية عسكرية هي حملة الناتو ضد صربيا بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش، ولكن حتى هناك توقف القصف في حزيران/يونيو 1999، بينما سقط نظام ميلوسيفيتش في مظاهرات حاشدة في تشرين الأول/أكتوبر 2000.
ويضيف الكاتب أن فرص انهيار النظام الإيراني بالكامل باستخدام القوة الجوية، كانت ضئيلة جدا، لذا كان التحدي التالي الذي طلب من الجيش الأمريكي، والذي بدا مستحيلا، هو تحييد قدرات إيران الصاروخية الباليستية والطائرات المسيرة، ومن الجو أيضا. لكن هذه المهمة، تعطيل قدرة الإطلاق المتنقلة بأقل قدر من القوات البرية تم تجريبها أكثر من مرة وفشلت. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، بذلت القوات الجوية الأمريكية والبريطانية جهودا حثيثة لإيقاف إنتاج وإطلاق قنابل في-1 الطائرة وصواريخ في-2 عبر حملة قصف واسعة النطاق، أُطلق عليها اسم عملية “القوس والنشاب”، لكنها لم تنجح في منع الإطلاق. فقد كان من السهل جدا تحصين مواقع الإنتاج والإطلاق أو إخفاؤها.
ولم يغير ظهور الذخائر الدقيقة من هذه المعادلة، بل على العكس، عوّض ظهور أنظمة الإطلاق المتنقلة هذا النقص. ومن المعروف أن الجهود المبذولة لتدمير منصات إطلاق صواريخ سكود العراقية جوا خلال حرب الخليج لم تسفر عن أي تدمير مؤكد. كما أمضت إسرائيل عقدين من الزمن في شن عمليات جوية مكثفة فوق غزة وجنوب لبنان لمنع إطلاق صواريخ حماس وحزب الله على الأراضي الإسرائيلية، لكن العمليات البرية وحدها في المنطقتين هي التي نجحت في إسكات هذه الصواريخ.
وبالمثل حاول أكثر من تحالف دولي وقف صواريخ الحوثيين في اليمن. وحتى مع استخدام الذخائر الدقيقة، يبدو من غير الممكن، من الجو وحده، تدمير عدد كاف من منصات الإطلاق المتنقلة القادرة على الإطلاق من مواقع مخفية ثم الانتقال بسرعة إلى مواقع جديدة.
وكما هو الحال مع انهيار الأنظمة، يبدو أن إيقاف الصواريخ يتطلب قوات برية. ويظل الخيار الأخير لإدارة ترامب، هو تشغيل منظومة دفاع صاروخي شبه مثالية فوق معظم منطقة الخليج العربي لمنع إيران من إلحاق الضرر بالبنية التحتية لتلك الدول التي يعتمد عليها الجهد العسكري الأمريكي. وكان من الممكن أن يتم استثمار أكبر في أساليب اعتراض فعالة من حيث التكلفة، كتلك المستخدمة في أوكرانيا، ونشر المزيد من أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى. ومع ذلك، وفي ظل بيئة لا تزال فيها الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية أرخص وأسرع إنتاجا من وسائل اعتراضها، كان من المرجح أن تغمر القدرات العسكرية الإيرانية، القدرات الدفاعية في المنطقة.
وإذا كان الجيش الأمريكي بحاجة إلى تنبيه لمخاطر وفرص الطائرات المسيرة، فضلا عن مشاكل التوريد المزمنة لمعدات مثل الفرقاطات وكاسحات الألغام ومرافق الطائرات المحصنة، فقد تم إيصال هذا التنبيه. لكن نتيجة الحرب التي أدت للهزيمة لم تحدث في أروقة وزارة الدفاع الأمريكية، بل في أروقة البيت الأبيض. وإذا كان ترامب عاجزا عن إدراك خطورة مطالبته الجيش الأمريكي بإنجاز المستحيل، كان من واجب وزير الدفاع تنبيهه. وبالطبع، لم يختر ترامب وزير دفاعٍ خبيرا وكفؤا، بل اختار متملقا مخلصا، ازداد ولاؤه بسبب عدم كفاءته الواضحة، وهو بيت هيغسيث.
وبذل وزير الدفاع كل ما لديه من جهد لتطهير الجيش من الرتب العليا ومن أي شخص قد يبدي رأيا مخالفا. وبهذه الطريقة، تأكد من أن البنتاغون لن يعارض عجز الرئيس. وتشير التقارير إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بذل جهدا وإن كان رمزيا للإشارة إلى الصعوبة، قبل أن يتفوق عليه تفاؤل هيغسيث المفرط.
وقد كان كل هذا متوقعا، وفي الوقت الذي يتحمل فيه ترامب ومستشاروه غير المؤهلين مسؤولية الفشل في إيران، إلا أن اللوم الحقيقي يقع على الناخبين. لقد كان خيار أغلبية الناخبين الأمريكيين هو إعادة ترامب، الرجل الذي من الواضح أنه غير مؤهل وغير قادر على استيعاب المعلومات غير المرغوب فيها أو المخالفة لرأيه، والمهتم بشكل واضح بإحاطة نفسه بمطيعين مخلصين.
وقد اتضح أن اختيار قائد أقوى جيش في العالم ليس كاختيار مقدم برنامج تلفزيوني واقعي. ولا شك أن التقارير حول الدروس المستفادة ستكتب بالفعل داخل البنتاغون. ومع ذلك، ومع استمرار تزايد التداعيات الاستراتيجية لهذا الفشل المتوقع والمخزي، من ارتفاع أسعار النفط إلى استنزاف موارد الولايات المتحدة، يبقى السؤال: هل أدرك الناخبون الأمريكيون أن أي قدر من التميز العسكري لا يكفي لحمايتهم من عواقب خياراتهم الخاطئة في صناديق الاقتراع؟