شهر حزيران (يونيو)، الحالي الذي يستجمع أواخره، قد يستحق من هذا العمود وقفة خاصة عند الذكرى المئوية لولادة الشاعر الأمريكي ألن غنسبرغ (1926 ـ 1997)؛ لأسباب كثيرة يمكن أن تبدأ من ريادته لمجموعة الـ Beatالشهيرة، تلك الحركة الأدبية والفنية التي طبعت أمريكا خلال خمسينيات القرن المنصرم؛ وليس لها أن تنتهي عند سمات الخصوصية الانفرادية التي طبعت قصيدة غنسبرغ عموماً، وتحفته الأشهر «عواء»، 1956، خصوصاً؛ ولا يصحّ بالطبع أن تغفل انحيازات غنسبرغ السياسية ضد حرب فيتنام والمؤسسة العسكرية ـ الأمنية الأمريكية، والدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، وتنشيط الاحتجاجات بطرائق سخّرت أقصى طاقات hgquvفي ترشيد الحشود وتنظيم أقنية الغضب.
وهذا عمود لن تفلح مساحته في إنصاف شعريات غنسبرغ، حتى في الحدود الدنيا التي قد لا تتجاوز التعريف العريض، المعرّض بالضرورة لمجازفات الاختزال أو الانتقاص أو التنميط أو التعميم، أو حتى خلائط منها مجتمعة بمقادير متفاوتة ومتضاربة أيضاً. خيار هذه السطور سوف يتركز، استطراداً، على التذكير بمناسبتين بادرت فيهما فصلية «الكرمل»، برئاسة تحرير محمود درويش، إلى استضافة غنسبرغ؛ وأيّ استضافة، نوعية من حيث الإضاءة على أفكار غنسبرغ بصدد مسائل جمالية وسياسية وفكرية، وعالية القيمة في تعريف القارئ العربي على أبرز آعماله الشعرية؛ وهذا بالطبع تقريظ شخصي لأهمية الاستضافتين.
المناسبة الأولى كانت في عدد «الكرمل» 43، كانون الثاني (يناير) 1992، حيث نُشرت قصيدة غنسبرغ «عواء»، بترجمة الشاعر العراقي الراحل سركون بولص (1944 ـ 2007)، وشغلت الصفحات 132 ـ 143. وفي تقديمه للقصيدة، أشار بولص إلى أنها «تعتبر فتحاً من حيث التقنية الصوتية، في إعادة صوت [والت] ويتمان المنسرح الشاسع الأبعاد وبيته الشعري الطويل، إلى شعر الخمسينيات الأمريكي، المثقل بآلية النفس الأكاديمي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة».
السطور الأولى، المدهشة والأخاذة والمباغتة، تسير هكذا: «رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسْترين/ يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثين عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة/ هَبائيون برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل/ الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولين جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز/ مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة».
المناسبة الثانية كانت في العدد 52، صيف 1997، حين نشرت «الكرمل» حواراً موسعاً مع غنسبرغ، أجرته الشاعرة والكاتبة المسرحية الفلسطينية ـ الأمريكية نتالي حنظل؛ صاحبة «قصيدة الحقل المحال»، «حياة المطر»، «حبّ وخيول عربية»، «شاعر في الأندلس»، «النجم اللامرئي»، «الحياة في ألبوم ريفي»، وأعمال أخرى شعرية ومسرحية ونثرية. وبمعزل عن السبق، من حيث شخصية غنسبرغ وما باح به من تفاصيل أدبية وشخصية، كان حضوره في «الكرمل» تحديداً بمثابة انحياز صريح من شاعر وناشط سياسي يهودي أمريكي، لصالح حقوق فلسطين السياسية والثقافية والأخلاقية.
وفي سؤال من حنظل حول ما تبقى من فكرة الـBeat، أجاب غنسبرغ: «أعتقد أنه لم تكن هناك فكرة واحدة فقط، إذ كنّا مجموعة أصدقاء، والتقينا جميعاً في مرحلة الشباب المبكر. التقيتُ بكلّ من وليام بوروز وجاك كيرواك سنة 1944، ونشأت بيننا ألفة ومحبة. وكان كيرواك أوّل كاتب متفان التقيتُ به في حياتي، إذْ كان يشعر أنّ كامل دوره هو كتابة الفنّ بوصفه مسألة مقدسة (…) وأظنّ أننا، في مرحلة مبكرة للغاية، راودتنا فكرة نوع من ‘الوعي الجديد’ أو ‘الرؤيا الجديدة’، وأظنّ أننا أطلقنا عليها اسم ‘الوعي الجديد’ بالفعل».
كما شدد غنسبرغ على صعود المسيحية اليمينية الأصولية في أمريكا، وتنامي ظواهر العنصرية والتعصب والتمييز، مذكراً بأنّ جماعة الـBeat كانت على صلة وثيقة مع ثقافة السود: «كان كيرواك يذهب إلى هارلم للاستماع إلى الجاز واستلهام الأساليب الموسيقية والإيقاعية الأفريقية. كانت صلاته مع السود أكثر من البيض، وكان يحرص على تبيان دور ثقافة السود في الفنّ الأمريكي الابتدائي بأسره، وضرورة إعطائها ما تستحقّ من مكانة وشرف وكرامة».
وعن الرقابة على شعره، إذْ صودرت «عواء» وأحيلت إلى القضاء بتهمة الإخلال بالآداب العامة وصدر حكم لصالحها، أجاب غنسبرغ: «الرقابة بدأت سنة 1957 وانتهت عام 1962. ولكنّ المعركة تواصلت، والسناتور جيسي هيلمز أدخل تشريعاً في عام 1988 يحظر ما أسماه انعدام اللياقة على موجات الأثير. وبموجب هذا التشريع مُنع شعري من البثّ بين الساعة السادسة صباحاً وحتى الثامنة مساء، رغم أنه موجود في جميع الأنطولوجيات والطلاب يدرسون قصيدة ‘عواء’ وسواها».
وإذْ تمرّ اليوم 100 سنة على ولادة غنسبرغ، و70 سنة على نشر «عواء»؛ لعلها ليست مبالغة أن تُستذكر شرائح من مواطني أمريكا الراهنة على شاكلة التقطتها خاتمة القصيدة: «مَن ساروا طوال الليل وأحذيتهم بالدم مليئة، على أرصفة مرفأ سدّها الثلجُ، بانتظار أن يُفتح في النهر الشرقي بابٌ إلى غرفة ملأى بتدفئةٍ بخاريةٍ وأفيون/ مَن أبدعوا دراماتٍ انتحارية عظيمةً على ضفاف الهدسون المؤلفة من شققٍ كأجرافٍ تحت أنوار زمن الحرب الكاشفة الزرقاء للقمر، وإنّ رؤوسهم في النسيان بالغارِ ستُكلل»…