“ألا تقولين الله أكبر الآن؟”… شهادات صادمة لقاصرين احتجزوا خلال احتجاجات الطلبة “تفضح عنف وعنصرية الشرطة الفرنسية”


لندن ـ “القدس العربي”: تثير شهادات مراهقين ومحاميهم في فرنسا تساؤلات بشأن تعامل الشرطة مع القاصرين الموقوفين على هامش التحركات الاحتجاجية الطلابية، بعدما نقل موقع «ميديابارت» ومجلة «لونوفيل أوبس» الفرنسيان روايات عن تعرض بعضهم لعنف جسدي وإهانات عنصرية وممارسات مهينة خلال التوقيف والاحتجاز.

وبينما وثّقت بعض الشهادات إصابات جسدية، وأُرفقت إحداها بتقارير طبية، تحدث محامون عن ظروف احتجاز وصفوها بالصادمة، وعن صعوبات واجهوها في متابعة قضايا موكليهم.

وتبرز في هذا السياق شهادة فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، قالت إن شرطياً وجّه إليها سؤالاً استنكارياً: «ألا تقولين الله أكبر الآن؟»، بعد تعرضها، وفق روايتها، للعنف أثناء توقيفها قرب مدرستها في منطقة تولوز.

وتأتي هذه الشهادة ضمن سلسلة من الروايات عن توقيف طلاب خلال احتجاجات امتدت إلى مدارس عدة، في وقت كشفت فيه الأرقام الرسمية التي أوردها الموقع والمجلة عن حجم حملة التوقيفات التي طالت القاصرين.

ففي تقرير نشره موقع «ميديابارت» في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، روت الصحفيتان ماري توركان ولورا فويكج أن الفتاة، التي أشير إليها باسم مستعار هو «ليلى»، أُوقفت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول أمام ثانوية قرب تولوز، بينما كان طلاب يتجمعون أمام المؤسسة التعليمية التي أُغلقت مداخلها في إطار التحركات الاحتجاجية.

وبحسب رواية الفتاة وشهادات عائلتها، لم تكن تحمل سوى هاتفها عندما اقترب منها أحد عناصر الشرطة وأمسك بملابسها بعنف، قبل أن يجرّها إلى الطريق. وتُظهر مقاطع مصورة نشرها موقع «ميديابارت» جانباً من عملية توقيفها، فيما يُسمع أحد العناصر وهو يصرخ في وجهها بعبارات نابية.

وتقول والدتها، أسماء، إن ابنتها أخبرتها بأن أحد عناصر الشرطة سألها بنبرة تنطوي على الشماتة والاستنكار: «ألا تقولين الله أكبر الآن؟».

ويشير موقع «ميديابارت» إلى أن هذه العبارة لا تُسمع في التسجيلات المصورة المتاحة، موضحاً أن ذلك قد يعود إلى بُعد المكان الذي صُوّرت منه اللقطة.

غير أن الموقع يؤكد أن العبارة وردت في رواية الفتاة التي أدلت بها للطبيب الذي فحصها في اليوم التالي، إذ سجّل التقرير الطبي احتمال تعرضها لإهانات، بما فيها إهانات ذات طابع عنصري.

ويضيف الموقع أن الفتاة تعرضت، بحسب الشهادات والوثائق الطبية التي اطلع عليها، لكدمات وإصابات في القدم وصعوبات في تحريكها، فضلاً عن آثار نفسية وُصفت بأنها تتضمن أعراضاً مرتبطة بصدمة حادة.

كما أفادت والدتها بأن ابنتها كانت تعاني اضطرابات نفسية سابقة، وأن الأسرة حاولت تقديم شهادة طبية بشأن حالتها خلال احتجازها، مشيرة إلى أن ابنتها خرجت من التجربة مصدومة.

وتضيف الأم: «ابنتي تعرضت لسوء المعاملة وهي على الأرض»، رغم أنها لا تزال مراهقة.

وتثير هذه الرواية، وفق ما نقله الموقع، تساؤلات بشأن مدى مراعاة أوضاع القاصرين واحتياجاتهم الصحية والنفسية أثناء التوقيف والحراسة النظرية.

إهانات عنصرية

ولا تقتصر الشهادات التي أوردها موقع «ميديابارت» على حالة الفتاة، إذ نقل الموقع أيضاً رواية فتى يبلغ من العمر 17 عاماً، أشار إليه باسم مستعار هو «جون»، أُوقف أمام ثانويته في فونتيني سو بوا، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول.

وبحسب الفتى، وجّه إليه أحد عناصر الشرطة عبارات عنصرية، من بينها: «أيها الأسود القذر، أيها القرد القذر».

وقال والده إن ابنه أخبره بأن شرطياً لكمه وضربه بهراوة، مشيراً إلى وجود إصابات في جبهته ووجهه ومرفقه.

ويذكر موقع «ميديابارت» أن تقريراً طبياً أُعدّ خلال احتجاز الفتى أشار إلى شكاوى من آلام في الرأس وإصابات في الوجه والجبهة. كما ورد فيه أنه تعرض، بحسب ما أُبلغ به الطبيب، للتثبيت أرضاً بواسطة ركبة على مستوى العنق أو الرأس، وللضرب على الوجه.

وينفي الفتى، وفق التقرير، الاشتباه في تورطه بإطلاق قذائف ألعاب نارية على الشرطة، وهي الوقائع التي يُلاحق على خلفيتها.

وقد تقدّم بشكوى إلى المفتشية العامة للشرطة الوطنية في 7 أكتوبر/تشرين الأول، تتعلق بالعنف والإهانات العلنية ذات الطابع العنصري.

وأكدت النيابة العامة في كريتاي فتح تحقيق في القضية، مشيرة إلى أن التحريات لا تزال جارية.

ويقول والده إنه لا يريد تعميم الاتهامات على جميع أفراد الشرطة، لكنه يأمل أن يستمع أحدهم إلى ما تعرض له ابنه.

وتبرز هذه الشهادة، إلى جانب رواية الفتاة، أهمية التمييز بين الاتهامات التي يوردها الموقوفون وذووهم، وبين الوقائع التي يجري التحقق منها عبر التحقيقات والشكاوى والوثائق الطبية.

عنف وتجاوزات خلال الاحتجاز

ويورد موقع «ميديابارت» كذلك حالة فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، أُوقف في منزله بمنطقة إيسون، ثم احتُجز في مركز شرطة جيوفيزي سور أورج، في 30 سبتمبر/أيلول الماضي.

وبحسب ما نقله محاميه، تعرض الفتى للصفع بعد رفضه إعطاء عناصر الشرطة رمز فتح هاتفه، كما تحدث عن إهانات أخرى خلال فترة احتجازه التي استمرت 35 ساعة.

وينقل الموقع عن المحامي بيير برونيسو قوله إن الانتهاكات التي يتحدث عنها موكلوه خلال الاحتجاز تتسم، في تقديره، بطابع متكرر.

ويضيف: «نشعر بوجود رغبة في الإذلال، والمساس بالكرامة، وإحداث صدمة عميقة لدى هؤلاء المراهقين، بهدف منعهم من التظاهر».

وتتقاطع هذه الشهادات مع ما أوردته مجلة «لونوفيل أوبس» في تقرير نشرته في اليوم نفسه، 9 أكتوبر/تشرين الأول، للصحفية مانون برنار، بشأن شكاوى محامين من ظروف احتجاز طلاب موقوفين خلال التحركات الاحتجاجية.

فقد تحدث محامون للمجلة عن مراهقين ظهرت على أجساد بعضهم آثار إصابات، وعن اكتظاظ الزنازين ونقص المراتب والأغطية، فضلاً عن صعوبات في الوصول إلى موكليهم داخل مراكز الشرطة.

ونقلت المجلة عن المحامي رافائيل كيمبف قوله: «نرى أطفالاً لديهم آثار عنف على أجسادهم، وآخرين يعرجون داخل أماكن الاحتجاز».

كما تحدث عن استجوابات تُجرى في الممرات، وتهديدات بالسجن تُوجّه إلى القاصرين الذين يرفضون التحدث.

وفي شهادة أخرى نقلتها المجلة عن المحامية مايول ميز، وصفت الأخيرة ظروفاً قالت إنها عاينتها في أماكن الاحتجاز، مشيرة إلى غياب الإنارة، والروائح الكريهة، ومشكلات النظافة، مضيفة أن بعض الأطفال كانوا «مرعوبين» من التجربة.

واشتكى محامون أيضاً من صعوبات في الوصول إلى موكليهم، ومن حالات جرى فيها تعيين محامين من دون مراعاة اختيار الأسر، بحسب ما ورد في التقرير.

وتحدثوا كذلك عن ملفات اعتبروها ضعيفة، وعن توقيفات قالوا إنها قد تهدف إلى تخويف الطلاب وثنيهم عن مواصلة الاحتجاج.

آلاف التوقيفات… والغالبية من القاصرين

وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة في ضوء حجم التوقيفات التي رافقت الحركة الاحتجاجية الطلابية.

فوفق حصيلة قضائية أعلنتها وزارة العدل الفرنسية، ونقلها الموقع والمجلة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، بلغ عدد الأشخاص الذين وُضعوا قيد الحراسة النظرية 6877 شخصاً، كان 86% منهم قاصرين، أي نحو 5890 شخصاً.

وبحسب «لونوفيل أوبس»، انطلقت الحركة الاحتجاجية في 17 سبتمبر/أيلول من ثانوية سان إكزوبيري في كريتاي، قبل أن تمتد إلى مؤسسات تعليمية أخرى.

وشملت المطالب التي أوردتها المجلة تحسين أوضاع المباني المدرسية، ومعالجة الاكتظاظ في الفصول والجداول الدراسية، وتعويض المدرسين الغائبين، إلى جانب أوجه عدم المساواة المرتبطة بنظام القبول في التعليم العالي.

وأفادت المجلة بأن 375 مؤسسة تعليمية، من أصل نحو 3700 مؤسسة، شهدت تعليقاً كلياً أو جزئياً للدروس، فيما بقيت 141 ثانوية مغلقة حتى 9 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي المقابل، أوردت «لونوفيل أوبس» أن 2376 حالة فقط، من أصل 6877 توقيفاً، انتهت إلى ملاحقات قضائية فعلية.

ولا يعني هذا الرقم، في حد ذاته، أن بقية التوقيفات كانت غير قانونية، لكنه يضع حجم الإجراءات المتخذة في مواجهة الطلاب ضمن سياق أوسع من التساؤلات التي أثارها المحامون بشأن مبررات بعض التوقيفات وظروفها.

شكاوى وتحقيقات… والشرطة تحت المجهر

وبحسب موقع «ميديابارت»، تقدمت عائلات ومحامون بشكاوى تتعلق بالعنف والإهانات العنصرية وغيرها من الممارسات المزعومة.

وفي قضية الفتى البالغ من العمر 17 عاماً، أكدت النيابة العامة في كريتاي فتح تحقيق، بينما أشار الموقع إلى أن جهات في الشرطة لم تقدم رداً على استفساراته بشأن بعض الحالات.

أما «لونوفيل أوبس»، فنقلت أن 24 تحقيقاً أُسندت إلى المفتشية العامة للشرطة الوطنية، المعروفة باسم «شرطة الشرطة»، وكان معظمها يتعلق بشباب أصيبوا خلال عمليات التوقيف.

وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن وزير العدل جيرالد دارمانان أنه عقد اجتماعين مع المدعين العامين لتقديم توجيهات بشأن التعامل مع هذه الملفات، مشدداً، وفق ما نقله موقع «ميديابارت»، على ضرورة أن تكون الاستجابة القضائية حازمة «من دون أن تكون مفرطة».

وتبقى الشهادات الواردة في التقريرين روايات وادعاءات تتفاوت من حيث ما يسندها من تسجيلات ووثائق طبية وشكاوى رسمية، فيما لم تُحسم جميع الوقائع قضائياً.

غير أنها تضع مسألة تعامل الشرطة الفرنسية مع القاصرين أثناء الاحتجاجات تحت المجهر، وتثير تساؤلات بشأن ضمانات حمايتهم من العنف والتمييز، وظروف احتجازهم، ومدى تمكينهم من الوصول إلى المحامين والأطباء، فضلاً عن فعالية آليات المساءلة عندما تُوجّه اتهامات إلى عناصر الشرطة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *