أكثر من نصف مليون مصري متضرر… 89 ألف فدان نزعت ملكيتها للمنفعة العامة في 5 سنوات


القاهرة – “القدس العربي”: شهدت مصر نزع ملكية نحو 88.8 ألف فدان، وتحويلها للمنفعة العامة لصالح 525 مشروعًا بين الأعوام 2021 و2025، ما أثر على أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يقترب من 546 ألف مواطن، حسب دراسة صادرة عن “ديوان العمران”، مؤسسة بحثية مستقلة.

مئتا ألف في القاهرة

الدراسة اعتمدت على قرارات نزع الملكية المنشورة التي أصدرتها الجهات الحكومية المختلفة، وتناولت تأثير نزع الملكية على المواطنين. وخلصت إلى أن عام 2022 شهد أعلى مستويات نزع الملكية وتأثيراتها الاجتماعية خلال فترة الدراسة، فيما تصدرت محافظة القاهرة مؤشر “شدة نزع الملكية” رغم أن محافظة مطروح الحدودية مع ليبيا سجلت أكبر مساحة من الأراضي المنزوعة، مدفوعة بمشروعات كبرى من بينها مشروع رأس الحكمة، إلا أن عدد المتضررين في القاهرة وحدها تجاوز مئتي ألف مواطن.

525  مشروعًا

وتوصلت الدراسة إلى رصد 525 مشروعًا لنزع الملكية خلال السنوات الخمس، نتج عنها نزع ملكية نحو 88,769 فدانًا، مملوكة لنحو 136,519 أسرة، بإجمالي يقارب 546,077 شخصًا. وقد بلغ إجمالي العقارات المنزوعة نحو 19,627 عقارًا، وإجمالي قطع الأراضي المتضررة 32,533 قطعة أرض، فيما سجلت الوحدات السكنية المتضررة أعلى الأرقام بإجمالي 110,537 وحدة سكنية.

تصدرت محافظة مطروح جميع المحافظات من حيث المساحات المنزوعة بإجمالي بلغ 49,939 فدانًا

ورغم تصدر محافظة مطروح جميع المحافظات من حيث المساحات المنزوعة بإجمالي بلغ 49,939 فدانًا، مدفوعة بمشروعات استثمارية وساحلية كبرى مثل مشروع رأس الحكمة الإماراتي، فإن محافظة القاهرة سجلت أعلى قيمة على مؤشر شدة نزع الملكية بإجمالي 1,086.16 نقطة، تلتها الجيزة بـ784.72 نقطة، نتيجة ارتفاع الكثافة السكانية والعمرانية للمناطق المستهدفة بالمشروعات.

كما سجلت محافظات مثل المنوفية والغربية مستويات مرتفعة نسبيًا من الشدة رغم محدودية المساحات المنزوعة، بما يعكس تمركز عمليات نزع الملكية داخل كتل حضرية كثيفة السكان.

ووفق الدراسة، الغالبية المتضررة جاءت داخل إقليم القاهرة الكبرى، حيث سجلت القاهرة وحدها 201,639 شخصًا متضررًا، تلتها الجيزة بإجمالي 157,476 شخصًا.

قطاع النقل

وتصدر قطاع الطرق والكباري جميع القطاعات من حيث شدة نزع الملكية بإجمالي بلغ 1,655.40 نقطة، كما سجل العدد الأكبر من المشروعات بإجمالي 157 مشروعًا، نتيجة التوسع الكبير في المحاور المرورية والطرق الإقليمية.

وتخلص الدراسة إلى أن سياسات نزع الملكية في مصر خلال الفترة 2021–2025 ارتبطت بصورة وثيقة بموجة التوسع العمراني والبنية التحتية والمشروعات القومية، وأسهمت في إعادة تشكيل المجال العمراني والاجتماعي داخل المحافظات الحضرية الرئيسية، مع تفاوت واضح بين المحافظات والقطاعات والجهات الحكومية من حيث حجم التأثيرات البشرية والعمرانية الناتجة عنها.

كما تؤكد أهمية تطوير أدوات قياس مركبة، مثل مؤشر ديوان العمران لشدة نزع الملكية، لفهم شدة نزع الملكية وليس فقط امتدادها الجغرافي، بما يسمح بتقييم أكثر دقة للآثار الاجتماعية والعمرانية المرتبطة بالمشروعات العامة في مصر.

سياسات نزع الملكية في مصر خلال الفترة 2021–2025 ارتبطت بصورة وثيقة بموجة التوسع العمراني والبنية التحتية والمشروعات القومية

وكشف توزيع الأصول المتضررة من قرارات نزع الملكية خلال الفترة من 2021–2025 عن اتساع نطاق التأثيرات العمرانية والبشرية المصاحبة للمشروعات العامة، ليس فقط من حيث المساحات الجغرافية المنزوعة، وإنما أيضًا من حيث حجم الكتل المبنية والوحدات السكنية وقطع الأراضي التي شملتها إجراءات الاستحواذ.

 واعتمدت الدراسة على منهجية تقديرية موحدة تستند إلى فرضيات علمية موثقة، خاصة في الحالات التي غابت فيها البيانات التفصيلية داخل القرارات الرسمية أو الوثائق الحكومية.

العقارات المنزوعة

 ووفقًا لدليل المنهجية، تم التعامل مع كل ملكية أو وحدة باعتبارها وحدة أسرية مستقلة، مع اعتماد متوسط 4 أفراد لكل أسرة لتقدير عدد المتضررين، فضلًا عن استخدام فرضيات معيارية لتقدير العقارات المجهولة عبر المسح الرقمي للخرائط، بمتوسط 6 أسر لكل عقار في المناطق الكثيفة، إلى جانب تقديرات خاصة بالمدارس المؤجرة والحيازات المركبة. كما جرى تقدير المساحات والأعداد غير المعلنة من خلال التحليل الجغرافي وصور الأقمار الصناعية والمسارات التخطيطية للمشروعات.

وفيما يتعلق بالعقارات المنزوعة، سجلت قاعدة البيانات نحو 19,627 عقارًا شملتها قرارات نزع الملكية خلال فترة الدراسة، تركزت بصورة أساسية داخل المحافظات الحضرية الكبرى. وتصدرت القاهرة جميع المحافظات بإجمالي بلغ 10,246 عقارًا، تلتها الجيزة بنحو 4,459 عقارًا، ثم المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات بإجمالي 1,946 عقارًا. كما برزت الإسكندرية بصورة لافتة خلال عام 2025 بعد تسجيل 606 عقارات ضمن مشروعات التطوير الساحلي والتوسعات العمرانية. ويعكس هذا التركز الحضري أن الجزء الأكبر من عمليات نزع الملكية استهدف الكتل المبنية والمناطق السكنية ذات الكثافات المرتفعة، خاصة في نطاق القاهرة الكبرى ومحاور الربط الإقليمي.

أما على مستوى قطع الأراضي، فقد بلغ إجمالي الأراضي المنزوعة نحو 32,533 قطعة أرض، موزعة بين الأراضي الزراعية والحيازات الملحقة بالمشروعات الكبرى. وتصدرت المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات القائمة بإجمالي 9,619 قطعة، تلتها الجيزة بنحو 8,296 قطعة، ثم أسيوط بإجمالي 3,015 قطعة، والقاهرة بنحو 1,268 قطعة. ويكشف هذا النمط عن الطبيعة الجغرافية الواسعة لمشروعات الطرق والمحاور والتوسعات الزراعية، والتي اعتمدت بصورة أكبر على اقتطاع الأراضي المفتوحة والحيازات الممتدة أكثر من اعتمادها على إزالة الكتل العمرانية المكتظة.

بلغ إجمالي الأراضي المنزوعة نحو 32,533 قطعة أرض، موزعة بين الأراضي الزراعية والحيازات الملحقة بالمشروعات الكبرى

وفي المقابل، سجلت الوحدات السكنية المتضررة أعلى الأرقام بين مختلف أنواع الأصول العقارية، حيث بلغ إجمالي الوحدات السكنية المنزوعة أو المتأثرة بالمشروعات نحو 110,537 وحدة سكنية. وتركزت النسبة الأكبر منها في القاهرة بإجمالي بلغ 58,385 وحدة، ثم الجيزة بنحو 28,560 وحدة، تليها المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات بإجمالي 11,675 وحدة. كما ظهرت الإسكندرية ضمن المحافظات الأعلى تأثرًا بعد تسجيل 4,422 وحدة سكنية، بينما سجلت القليوبية نحو 2,706 وحدات. وتعكس هذه الأرقام الحجم الكبير للتأثيرات الاجتماعية والعمرانية المرتبطة بالمشروعات العامة، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة التي شهدت توسعات مرورية وإعادة تخطيط عمراني واسع النطاق.

المتضررون

تناولت الدراسة فئة المتضررين باعتبارها البعد الأكثر حساسية في قياس آثار نزع الملكية، إذ تعكس بصورة مباشرة حجم الإزاحة الاجتماعية والتأثيرات البشرية الناتجة عن المشروعات.

وبناءً على المنهجية التي اعتمدتها الدراسة، بلغ إجمالي الأسر المتضررة خلال الفترة 2021–2025 نحو 136,519 أسرة، فيما قُدر عدد الأشخاص المتضررين بنحو 546,077 شخصًا، وهو ما يعكس الاتساع الكبير للنطاق الاجتماعي المرتبط بمشروعات نزع الملكية خلال سنوات الدراسة.

وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت محافظة القاهرة جميع المحافظات من حيث حجم الضرر البشري، بإجمالي بلغ 50,410 أسرة متضررة و201,639 شخصًا، تلتها محافظة الجيزة بإجمالي 39,369 أسرة و157,476 شخصًا.

التعويضات

وكشفت الدراسة عن أن توزيع التعويضات المادية المرتبطة بقرارات نزع الملكية خلال الفترة 2021–2025 بينت وجود تفاوت كبير بين المحافظات والمشروعات من حيث حجم الإنفاق المالي المخصص للتعويض، حيث بلغ إجمالي التعويضات المرصودة في قاعدة البيانات نحو 55.2 مليار جنيه.

بلغ إجمالي الوحدات السكنية المنزوعة أو المتأثرة بالمشروعات نحو 110,537 وحدة سكنية

وتصدرت المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات جميع الفئات بإجمالي بلغ 20.07 مليار جنيه، وهو ما يعكس الطبيعة الممتدة للمحاور الإقليمية وشبكات الطرق الكبرى التي استلزمت تعويضات واسعة النطاق على امتداد عدة محافظات.

وعلى مستوى المحافظات، جاءت الجيزة في المرتبة الأولى بإجمالي تعويضات بلغ نحو 11.78 مليار جنيه، تلتها القاهرة بإجمالي 10.28 مليار جنيه، وهو ما يرتبط بارتفاع الكثافة العمرانية وقيمة الأراضي والعقارات داخل القاهرة الكبرى، فضلًا عن اتساع نطاق مشروعات الطرق والمحاور وإعادة التخطيط الحضري. كما سجلت الإسكندرية تعويضات مرتفعة نسبيًا بلغت نحو 4.83 مليار جنيه، نتيجة مشروعات التوسع الساحلي والمحاور المرورية والتطوير العمراني داخل المناطق ذات القيمة العقارية المرتفعة.

وتُظهر البيانات أن ذروة الإنفاق على التعويضات تركزت خلال عام 2023، الذي سجل وحده نحو 16.7 مليار جنيه، مقارنة بـ15.6 مليار جنيه في عام 2022، و13.4 مليار جنيه في عام 2021، قبل أن تتراجع التعويضات بصورة حادة إلى نحو 4.31 مليار جنيه في عام 2024، ثم ترتفع نسبيًا إلى نحو 5.18 مليارات جنيه في عام 2025، مع بقائها أقل بكثير من مستويات الذروة المسجلة خلال الأعوام 2021–2023. ويعكس هذا المسار التوسع الكبير في تنفيذ المشروعات القومية ومشروعات البنية التحتية خلال السنوات الوسطى من فترة الدراسة، قبل أن تتراجع وتيرة القرارات الجديدة تدريجيًا.

تكشف المقارنة بين التعويضات ومؤشر شدة نزع الملكية عن علاقة معقدة بين حجم الإنفاق المالي وحدّة التأثير الاجتماعي والعمراني للمشروعات

كما تكشف المقارنة بين التعويضات ومؤشر شدة نزع الملكية عن علاقة معقدة بين حجم الإنفاق المالي وحدّة التأثير الاجتماعي والعمراني للمشروعات، إذ لا يقيس المؤشر القيمة المطلقة للتعويضات بقدر ما يقيس مدى تناسبها مع حجم الضرر الناتج عن نزع الملكية.

ولذلك، فإن ارتفاع قيمة التعويضات لا يعني بالضرورة انخفاض شدة النزع، خاصة في الحالات التي ترتبط فيها المشروعات بإزالة كثافات سكانية وعقارية كبيرة داخل مناطق حضرية مكتظة. ففي القاهرة والجيزة، ورغم تسجيلهما من بين أعلى المحافظات من حيث إجمالي التعويضات، ظلت قيم مؤشر شدة نزع الملكية مرتفعة للغاية، نتيجة الحجم الكبير للمتضررين واتساع التأثيرات العمرانية والاجتماعية المرتبطة بمشروعات المحاور وإعادة التخطيط الحضري. وفي المقابل، سجلت بعض المشروعات واسعة المساحة في المحافظات الساحلية، مثل مطروح، مستويات أقل نسبيًا على مؤشر الشدة، رغم ضخامة الامتداد الجغرافي للمشروعات، بسبب انخفاض الكثافة السكانية والتأثيرات البشرية المباشرة مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.

توضح النتائج أن التعويضات المالية رغم ضخامتها في بعض المشروعات لا تمثل بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لحجم الخسائر الاجتماعية والعمرانية التي يتحملها المتضررون، فالقيمة الاقتصادية للتعويض لا تكفي وحدها لقياس آثار الإزاحة السكنية أو فقدان الروابط الاجتماعية وأنماط المعيشة المرتبطة بالمكان، خاصة في المناطق التي شهدت إعادة تخطيط واسعة أو إزالة كتل عمرانية قائمة منذ عقود.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *