قراءة في كتاب إيلينا دينو «القديس أفرام السرياني: قصائد مختارة» يمثل كتاب «القديس أفرام السرياني: قصائد مختارة» للباحثة والمترجمة الرومانية إيلينا دينو مدخلاً حديثاً ومهماً إلى عالم أفرام السرياني. فالكتاب لا يقدمه قديساً ولاهوتياً فحسب، بل يكشفه شاعراً بنى جانباً كبيراً من رؤيته للعالم عبر الصورة والإيقاع والرمز. صدر الكتاب سنة 2026 في مدينة أراد الرومانية عن دار القديس نكتاريوس، بالاشتراك مع دار جامعة أوريل فلايكو، في طبعة ثنائية اللغة تضم النص السرياني وترجمته إلى الرومانية. كتبت دينو دراسة تمهيدية، واختارت القصائد وترجمتها وشرحتها، ومنحت مقدمتها عنواناً لافتاً: «القديس أفرام السرياني أو اللاهوت بوصفه شعراً». ومنذ العنوان يتضح أن الكتاب لا يكتفي بتقديم مختارات شعرية، بل يحاول إعادة قراءة أفرام من داخل لغته الشعرية، مع مراجعة صورته التاريخية التي رسختها كتب المناقب المتأخرة.
وتبدأ الباحثة بسؤال يبدو بسيطاً لكنه جوهري: أفرام واحد من أشهر الكتّاب السريان، ولكن هل نعرفه حقاً؟ ثم تعيده إلى بيئته السريانية الآرامية في القرن الرابع، بعيداً عن الصورة اللاحقة التي جعلته ناسكاً صحراوياً على النموذج المصري، وهي صورة ترى أنها تشكلت بعد قرون من حياته.
ولا يتوقف الكتاب عند السيرة، بل يقترب من أفرام بوصفه معلماً ومفسراً وشاعراً. ففي شعره لا تنفصل الفكرة عن الصورة؛ فالنور والنار والماء والثوب والعين والجسد والفردوس ليست زينة بل أدوات يفكر بها الشاعر، لذلك تتحول القصيدة إلى فضاء يلتقي فيه اللاهوت بالشعر، والمحسوس بالروحي، والسؤال بالدهشة. ويضم الكتاب عشرين قصيدة، تسبقها دراسة مكثفة عن منهج أفرام الشعري، وتليها هوامش وفهارس ومراجع. وقد اعتمدت دينو الطبعات السريانية النقدية، واستفادت من أعمال سيباستيان بروك وجورج كيراز، محاولة نقل شيء من إيقاع أفرام ومفارقاته وألعابه اللغوية إلى الرومانية.
وتقودنا هذه الدراسة إلى خمس أفكار رئيسية تشكل مفتاحاً لفهم تجربة أفرام.
أولاً: استعادة أفرام من صورته المتأخرة
تنطلق دينو من مراجعة الصورة التقليدية التي جعلت أفرام ناسكاً صحراوياً قريباً من النموذج المصري، وترى أن هذه الصورة صنعتها سير متأخرة أكثر مما صنعتها المصادر الأقرب إلى حياته. وأفرام الذي تستعيده الدراسة عاش في المدينة، وكان معلماً وراعياً ومفسراً، وكتب داخل ثقافة سريانية آرامية. وهذه العودة إلى سياقه الأصلي ليست مسألة تاريخية فحسب، بل تغير أيضاً طريقة قراءة شعره وصوره ورموزه.
ثانياً: اللاهوت يولد داخل الشعر
الفكرة المركزية في الكتاب أن اللاهوت عند أفرام لا يرتدي ثوب الشعر، بل يولد داخله. فالصور والاستعارات والمفارقات ليست وسائل لتزيين أفكار دينية جاهزة، وإنما أدوات للتفكير نفسه. ولهذا تصف دراسات حديثة منهجه بأنه «اللاهوت الرمزي».
ويستشهد الكتاب بقول أفرام عن الكتاب المقدس:
«أسطره وآياته مدت إليّ أذرعها.»
فالنص هنا كائن حي يستقبل قارئه، والصورة لا تشرح الفكرة، بل تخلقها.
ثالثاً: الرمز لا يقدم معنى واحداً
تولي دينو أهمية خاصة لعالم أفرام الرمزي؛ فاللؤلؤة، والثوب، والنور، والمرآة، وحجرة العرس، ليست شفرات مغلقة، بل رموز تتبدل دلالاتها بحسب السياق. وقد تشير اللؤلؤة في الوقت نفسه إلى الميلاد والإيمان والنور والمسيح، لذلك لا يُسلَّم المعنى للقارئ دفعة واحدة، بل يتكشف تدريجياً.
وهذه إحدى أهم أسباب بقاء شعر أفرام قابلاً لقراءات جديدة بعد أكثر من ستة عشر قرناً.
رابعاً: الصمت امتداد للكلام
من أكثر القضايا عمقاً في الدراسة علاقة اللغة بالصمت. فعندما يبلغ الشاعر حدود ما تستطيع اللغة قوله، لا يطيل الشرح، بل يترك للصمت أن يكمل المعنى.
إنه صمت لا يلغي اللغة، بل يمنحها أفقاً أوسع. ومن هنا تنشأ مفارقات أفرام الشعرية؛ فالخفي يصير ظاهراً، والمتعالي يقترب، واللامحدود يخاطب الإنسان المحدود.
خامساً: القصيدة طريقة في المعرفة
يفسر هذا اختيار أفرام للشعر والإنشاد. فالـ«مدراشا» تمنحه حرية لا يوفرها الخطاب العقائدي المباشر، إذ تسمح بتجاور الصور، وتكرار الرموز، وتوليد المعاني عبر الإيقاع.
ولهذا تحاول ترجمة دينو أن تنقل شيئاً من موسيقى النص وبنائه، لا معناه الحرفي فقط. فشعر أفرام لا يفكر خارج اللغة، وإنما يكتشف الحقيقة عبر حركتها.
كتاب صغير… وأسئلة كبيرة
لا يقدم هذا الكتاب مختارات شعرية فحسب، بل يقترح طريقة جديدة لقراءة أفرام السرياني. فهو يعيده إلى بيئته السريانية، ويكشف أن الشعر عنده ليس غلافاً للعقيدة، بل أسلوباً في المعرفة.
ومن هنا تفتح دراسة دينو أسئلة تتجاوز الكتاب نفسه: هل يمكن إدراج أفرام في تاريخ الشعر العالمي، لا في تاريخ اللاهوت وحده؟ وكيف تعمل الصورة والرمز والمفارقة في قصيدته؟ وما علاقة الصمت باللغة، والمحسوس بالمجرد؟ وهل يمكن مقاربة بعض تقنياته الشعرية الحديثة من دون الوقوع في إسقاطات تاريخية؟
لهذا لا ينبغي قياس هذا الكتاب بعدد صفحاته القليلة (48 صفحة). فثمة كتب ضخمة تغلق موضوعها، بينما تنجح كتب صغيرة في فتح آفاق جديدة للبحث. وهذا ما حققته إيلينا دينو؛ فهي لا تقدم أفرام جاهزاً، بل تمنح القارئ مفاتيح للعودة إليه شاعراً ومفكراً يستحق أن يدخل فضاء النقد الأدبي المقارن، لا أن يبقى محصوراً في كتب سير القديسين.
وتكشف هذه الدراسة، في الوقت نفسه، حجم الفراغ في المكتبة العربية. فعلى الرغم من كثرة الكتب والدراسات العالمية عن أفرام السرياني، ما يزال حضوره عربياً محدوداً، وغالباً ما يقتصر على سيرته بوصفه قديساً أو على ترجمة بعض أناشيده، فيما تندر الدراسات التي تتناول شعريته بمنهج نقدي حديث.
كاتب يمني