مِن حيث التسلسل الزمني، أرجح أن مشاهد «أفراح سودانية» كانت آخر ملاحظات وكتابات إيزابيل إيبرهاردت (1877-1904) إثر ذهابها لمحلة ﭭناوة في حي الزنوج في العين الصفراء في شهر سبتمبر/أيلول 1904م، ولكن بأي فن وبأي إتقان؟ أرسلت هذه القصة القصيرة إلى رئيس تحرير جريدة لاديباش ألجيريان- algérienne Dépêche أياما قبل وفاتها غرقا في فيضان وادي العين الصفرا، فقام بنشرها يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1904 تكريما لتعاونها الصحافي الوفي.
يندرج نص «أفراح سودانية» Joies Noire ضمن سياق اهتمام إيزايبل إيبرهاردت بإنتشار ظاهرة العبيد والإماء من العرق الأسود في دُورِ زاوية القنادسة، ففي مقال موسوم بـ«عبيد» تخبرنا بأن أصول هؤلاء الزنوج من قبيلتي سواح ومُوسي، أصبحوا مع مرور الزمن جزءا من النسيج الاجتماعي لقصر القنادسة وأغلبية ساكنته إلى جانب قلة، من العائلات البربرية.
خلُصت إيزابيل إلى أن انتشار ظاهرة العبيد السود في قصر القنادسة، تستدعي دراسة شريطة أن يبتعد القائم بها عن الأحكام المـــُسبقة التي تنطلق من مقولات الأعراق المتفوقة وخرافة الأعراق الدنيا. والملاحظ أن هذا الشرط يُمثل نقطة ارتكاز الأبحاث العلمية الموضوعية. وبالرجوع إلى قصتها القصيرة «أفراح سودانية»، نعاين وجود ثَم مسافة وضعتها إيزابيل بينها وبين شخوص تنم عن نظرة التعجب التي تلقيها على المخلوقات التي لا تشترك معها في أي اهتمامات. بالضبط أليس هذا راجع لمعرفتها الجيدة للآخر عند سكرة الحواس أو انجذابها، وإدراكها للشدة التي يمكن أن تصدر عن الجسد السكران، أو المجذوب؟ ينبع إرهاق كبير من هذا، ترنيمة للحب الحسي، وحسية عنيفة ومُنهكَة، إلى حد الجنون. مما يُثير فيها تبرما يُعادل تبرمها.
أفراح سودانية

في بعض الأحيان، يصل صدى صيحات مطاعم القرية كالقصف: مشاجرات أو أغاني جنود اللفيف الأجنبي على الحافة… هنا، في «قرية الزنوج»، يخبو آخر صخب. يسكب البدر الكامل موجات من نوره الأزرق على منازل الطوب الرمادية، على الطرقات الفارغة وبالقرب، على الكثيب الرملي الذي يبدو شفافا. لا يزال باب المقهى الموريسكي الصغير مفتوحا، ينساب منه شعاع من الضوء الأحمر على الرمال إلى غاية الجدار المقابل. أصوات صاخبة – أصوات زنجية من طبول وأهازيج مُملة – تنفلت من هذا الكوخ البائس المصبوغ بالأبيض. ندخل أنا والزنجي سعدون. كان لزاما علينا عبور قاعة، كبيرة مثل زنزانة، ثم نتوغل في الفناء عبر كوة بالكاد يمكن ولوجها. جماعة من النساء، تهتز وسط الأنقاض، على الضوء المنتشر الملقى من الأعلى. عجوزان، تجلسان القرفصاء في الظل، تقرعان الطبل وتغنيان، بلهجتيهما غير المفهومة، ترنيمة ساحرة لا متناهية، تتخللها آهات جامحة، حَشْرَجات صاخبة، مُتشنجة. ثلاث زنجيات أخريات يرقصن. واحدة منهن شابة جميلة. يتمايل جسدها الطويل المرن، يموج وينقلب ببطء، تلفه رعشات مُصطنعة، بينما ترسم ذراعاها المستديرتان، ذواتا اللحم الصلب، عناقا عاطفيا. ثم يلتف رأسها على كتفيها وعيناها الحمراوان الواسعتان في سُهاد، فيما تتمدد شفتاها لترسم ابتسامة عريضة، لمعت من بارق ثغرها الأخاذ. تتابع انعكاسات فضية على انكسارات طيات وشاح طويل من الحرير، لونه أزرق سماوي، مُرَفرفا حول كتفيها، كأنه أجنحة بخارية كبيرة. تُصَلْصِل المجوهرات الفضية الثقيلة بإيقاع. في بعض الأحيان، عندما تصفق راحتي يديها، تتصادم أساورها مُخلفة صوت سلاسل. في حين ترتدي الاثنتان الأخريان، ذواتا جمال ذابل، أقنعة مومياء، تهزان حُجبا حمراء قانية على الأجسام الثقيلة. على الجهة المقابلة، يجلس رجال على طول الجدار يتفرجون على رقصة البغايا الزنجيات، وكأنه طقْسٌ مُسترجعٌ من أرض السودان، يعود كل شهر عند اكتمال القمر.
أربعة أو خمسة زنوج، اثنان منهم سودانيان من عرق خالص، أنواع نادرة وجمال زنجي مُخيب للآمال، بملامح رقيقة، وعيون حمراء طويلة، كلها عربية. خدودهم مزينة بخدوش طويلة بفعل حديد ساخن، وخاتم فضي يتقاطع مع شحمة الأذن اليمنى.
لا يتحركون، أعصابهم هادئة عيونهم مفتونة بالرقصات، يشاهدون، ولا يتكلمون.
فيما يضحك الآخرون، من الحراطين والمولدين، بتصرفات شبيهة بالقردة.
واحد أبيض بينهم، وهو من السبايس، ملامحه عربية من الهضاب العليا، إنه عاشق الزنجية الجميلة. يتكئ على برنسه الأحمر المطوي، ينظر، هو أيضا، في صمت. يُقطب حاجبيه المقوسين بثنْيَة شديدة ويُخفضهما على لمعان عينيه الداكنتين حيث تعبر الانعكاسات المتغيرة لمشاعره. تارة، عندما تبتهج الزنجية وهي تنظر إليه، يبتسم لها من حين لآخر، فيتمدد جسده المفتول بكامله… تارة، عندما تبدي القليل من الاهتمام لضحكات ونكات الزنوج، ترتعش أيدي البدوي، التي لم يشوهها أي عمل من قبل، بعصبية متوترة ومتشنجة. لم يرنا حتى ونحن ندخل. إنه يضع كل روحه في تأمل المرأة التي أنسته داره، وأطفاله، وأصدقاءه، لقد أخذته واحتفظت به هنا، في كوخها المدَمر.
في الجوار، داخل حجرة مُقَبَبَة صغيرة، في كُوَة في الحائط الأبيض العاري، شمعة تحترق. يستلقي عشرة من الزنوج على حصير، على أسمال مُلونة. تتوسطهم، صينية من نحاس، عليها كؤوس شاي وأنابيب الكيف الصغيرة (الكيف: حشيش القنب الهندي). خرق بيضاء على أجساد سوداء ذات عضلات مفتولة كالحبال، وحجب من الشاش الترابي تلف وجوها دَفْقاء، زلقة، وهُنا وهُناك، شَشِية ذات لون أحمر قرمزي.
تَبِعَنا السودانيان اللذان كانا في الفناء. جلسا جنبا إلى جنب، في عمق الحجرة. أخذ أحدهما بنديرا، دف عربي، والآخر موقد اللَحام. ثم أحضرت إحدى الزنجيات طبق خزفي من طين ونثرت مسحوق الجاوي ولِحَاء القرفة على الفحم الساخن. يتصاعد الدخان الأزرق الصغير أسفل القبو وسرعان ما يملأ الغرفة الصغيرة حيث تشتد الحرارة. يبدأ الزنجيان موسيقاهما، ببطء في البداية، كما لو كانا كسالى. وسرعان ما يتحمسان شيئا فشيئا. يتصبب جبين كلا منهما عرقا، تتسع حدقات عيونهما الداكنة وحتى فتحات أنفيهما تُرفرفان. يتكئان في الخلف، يتدحرجان القهقرى على الحصير وكأنهما سُكارى. يرفع صاحب الطبل آلته بأذرع ممدودة، فوق رأسه، ويضرب، يضرب، بهزات مكتومة، متسارعة إلى ما لا نهاية، إلى غاية إيقاع مجنون.
لاعب موقد اللحام، بعينين مُغمضتين، يُدلي رأسه المزين بعمامة البدو العرب المشدودة بخيوط.
يغني الآخرون، من دون توقف، وكأنهم لا يتنفسون، وهي أغنية لاهثة، الأغنية الرهيبة التي، أثارت للتو، بحماسة وحشية لحم الزنجيات الندي. تطوف أنابيب الكيف (حشيش القنب الهندي). شيئا فشيئا، مع شاي بالنعناع المـُفلفل، مع الأبخرة العطرة، وروائح الزنج، الموسيقى واختناق الغرفة، يبدو أن نفسا من الجنون يندفع ضد جباه الزنوج المتدفقة. نوبات متشنجة تهزهم بالكامل. فجأة، يبدو أن السوداني الوسيم ينتابه غضب. يرمي البندير بكل قوته على القرون الثلاثة الصغيرة لمبخرة العطور. الجلد الرقيق ينفجر. ثم تتعالى ضحكات. وبضرب من الغضب، يُمزق الزنوج الآلة.
وتبكي شعلة الحارق، تبكي إلى ما لا نهاية، في جو من الحزن المفجع. خرج، برأس فيه نار.
في الفناء، أشعلت نسوة نارا في جريد جاف، أضاءت في إشراق انحناءاتهن الفاتنة.
متكئا على برنوسه الأحمر، يتأمل السبايسي عشيقته الأكثر تموجا والأكثر إثارة، مع مرور الوقت. لم يتحرك، وزاد في تقطب حاجبيه. تنضح من هذا الكوخ الأسود الفقير شهْوانية عنيفة، مُستفزة إلى حد الجنون، وينتهي بها الأمر إلى أن تصبح مزعجة للغاية. في الخارج، كل شيء صامت، كل شيء يحلم وكل شيء يستريح، في الضياء البارد للقمر. من المجدي أن أركض، في نسيم منتصف الليل المنعش، على طريق مهجور، فرارا من النشوة الــمُعْتمة لهذه العَرْبدة السوداء الرهيبة. العين الصفراء، سبتمبر/أيلول 1904.
كاتب ومترجم جزائري