أفراح الريف المصري صورة تراثية غائبة عن المشهد العصري


خلال العشرين عاماً الماضية تغيرت بعض ملامح الريف المصري فأخذت طابعاً يقترب كثيراً من سمات المدينة، أو بالأحرى سمات العاصمة، فكل ما كان يعتبره أهل القاهرة ميزة أصيلة في القُرى والنجوع من حيث البساطة والعيشة الهنيئة وراحة البال كما يقول محمد عبد الوهاب في أغنيته الشهيرة «محلاها عيشة الفلاح»، صار الآن محض سراب في ظل محاولات التقليد التي خلقت ظواهر سلبية أدت إلى وجود أنماط حياتية غير مُنسجمة مع الطبيعة الجغرافية والثقافية للبيئة الريفية في الشمال والجنوب على حد سواء.
وبموجب المُمارسات الكثيرة التي استجدت فقدت القرية مُعظم سماتها وربما يبدو ذلك جلياً في المُناسبات والعادات والتقاليد التي ظلت راسخة لسنوات طويلة قبل أن تُفسدها المدنية المُزيفة فتُحيلها إلى نمط غريب يجمع في غير تجانس بين الموروث الريفي والشكل المدني المشوه.
فعلى سبيل المثال أخذت الأفراح الريفية بطابعها التراثي المُميز أشكالاً جديدة غايرت مضمونها الحقيقي، فبدلاً من حلقات الاحتفال وألعاب التحطيب وأغاني السامر على إيقاع الطبول الضخمة، ظهرت أغاني المهرجانات فغزت كل الأماكن والمُحيطات بدون تمييز، وبدأت أصداء الصخب تتسيد الساحات والباحات وتتسلل إلى النوادي الشعبية ومراكز الشباب وغيرها من الأماكن المُحتملة.
وبطبيعة الحال تبدلت الأحوال واختفت المصاطب وجلسات الأنس والحكايات الشعبية والسير الذاتية وقصص البطولات في التاريخ الشعبي الشفاهي الذي كانت تُروى بعض فصوله على ألسنة المطربين الشعبيين وحُفاظ المواويل من ذوي الحناجر الذهبية والمواهب الفطرية الأصيلة أمثال محمد طه والريس حفني والريس متقال وفاطمة عيد وفاطمة سرحان وغيرهم من أسطوات الفن الشعبي والموال.
وبامتداد التغير الطارئ وانسحابه على تفاصيل الحياة الكبيرة والصغيرة، تبدلت ملابس الغالبية من شباب القُرى والشابات فباتت مُحاكية للأزياء الأفرنجية، بعد أن استبدلت الجلابيب البلدي الفضفاضة بالبدل والكرافتات والبنطلونات الجينز في إشهار طاغي لشيوع الثقافة الأمريكية وتقليد الأنماط الغربية، برغم الرفض الداخلي الكامل للهيمنة السياسية والإدراك الفعلي لخطورة التبعية الثقافية بكل أشكالها.
فثمة تناقض تقع فيه الأغلبية جراء الإلحاح الدعائي من جانب وسائل الإعلام الغربية عبر أفلام السينما وبرامج الفضائيات الأمريكية المُكثفة والعاملة بقوة على إحداث تغيير جذري في طبيعة المُجتمعات العربية والأفريقية، خاصة في هذا الصدد وهو ما يُمثل قمة الخطورة في عمليات التسلل البطيء إلى أعماق الدول والمُجتمعات والوصول إلى المناطق الريفية تحديداً لسهولة اختراقها نتيجة الأمية التعليمية وضعف المستويات الثقافية.
وعلى مستوى الطبيعة ومناظرها البديعة اختفت إلى الأبد ومنذ سنوات السواقي بدورانها وإيحاءاتها الفنية والإبداعية، كذلك زحفت المباني الخرسانية على المساحات الخضراء فتقلصت إلى حدودها الدنيا وأصبحت مجرد خطوط مُتعرجة داخل الكتل السكنية، وعليه اتسم المناخ كله بالحرارة الشديدة بعد تقليم الأشجار واقتفاء أثر الخضار بالطوب الأحمر والحجارة، كأن الطبيعة ذاتها امتنعت عن الاستمرار في رسم صورها الجمالية ومن ثم تبدد الهواء النقي وتوارت النسائم الطرية ليبقى الإنسان أسيراً للمُناخ الجاف الرطب.
وبالعودة إلى التغير الثقافي في العادات والمُمارسات والتقاليد، يتأكد الفصل بين ما كان سائداً وما صار مفروضاً بفعل التطور غير الطبيعي وغير الملائم في الشكل والجوهر، فما تميزت به البيئة الريفية المصرية كما أسلفنا في أفراحها وطقوسها الاحتفالية، في المُناسبات الدينية والموالد وليالي السمر الشعبية، لم يعد له أثر يُذكر، وحل محله الاحتفال بأعياد الميلاد، وبدلاً من أطباق العاشوراء «والرز باللبن» وأم علي، باتت التورتة وقطع الغاتوه والجيلي والكريم كرامل هي العلامات المُميزة على موائد أهل الريف، حتى الهدايا تغير معناها وشكلها وماهيتها، فمن العروسة الحلاوة والحصان إلى العروسة باربي ومازينجر والألعاب الإلكترونية والاندماج في برامجها والاستغراق فيها إلى حد التغريب الكامل والانسلاخ التام عن الهويات الذاتية والبيئات العربية.
إن الأمر الذي يدعو للدهشة والحيرة في مواجهة الصيغ المُختلفة لمحاولات التبديل ومحو الميراث الثقافي والبيئي، هو السلبية المُخيفة من جانب عوام الناس إزاء الظاهرة المُتفشية وعدم القُدرة على المقاومة، بالتقاعس والكسل أو الاستهتار بالعواقب والأضرار الناجمة عن حالة الاستهواء والانجذاب الدائم لكل ما هو وارد ومستورد من خارج البيئة المحلية.
وقد رصدت السينما المصرية والدراما العديد من الحالات الدالة على تراجع الثقافة المحلية وطغيان الثقافة الوافدة في كثير من الأفلام والمُسلسلات، نذكر منها مُسلسل «الطاحونة» بطولة يحي شاهين ويسري مصطفى والذي أشار إلى عصرنة القرية وحداثتها وتفريط أهلها في ثوابتهم وأصولهم باعتبار الطاحونة رمزاً للدوامة وحالة الدوران التي أخذت الريف في مُنعطف آخر، وكذلك ألمح وحيد حامد في مسلسل «البشاير» إلى بعض المُشكلات الريفية من هذا النوع، حيث إهمال الفلاحين للأرض وانشغالهم بالسفر والمال واهتمامهم بالشكليات والمظاهر.
وأيضاً مُسلسل «رحلة المليون» بطولة محمد صبحي وجميل راتب وسماح أنور، رصد التحولات الخطيرة في سيكولوجية البطل الريفي الطموح بعد ثرائه، لكن صبحي حاول من خلال دور سنبل أن يُحافظ على نقاء الإنسان الريفي وأصالته وفق المُعالجة الإيجابية التي قدمها. ومن جانبها عمدت السينما إلى التركيز على غربة المواطن الريفي في أجواء الحداثة والثقافة الجديدة كما في فيلم «مبروك أبو العلمين حمودة» لمحمد هنيدي الذي جسد شخصية مُدرس اللغة العربية المُجابه للظواهر السلبية والمُتهم بالرجعية من تلاميذه وزملائه في المدرسة لأنه مُتمسك بالقيم الإنسانية والتربوية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *