الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (في الوسط)، برفقة ابنته كيم جو آي (الثانية من اليمين) وزوجته ري سول جو (على اليسار) إلى جانب قيادات عسكرية (أ ف ب)
لندن ـ “القدس العربي”: نشرت الباحثة جيون بايك مقالا في مجلة “فورن أفيرز” ( شؤون خارجية) الأمريكية بعنوان “أعداء كوريا الشمالية في الداخل…إلى متى ستظل النخب موالية لكيم جونغ أون؟” سلطت فيه الضوء على حقيقة خفية داخل هيكل السلطة في كوريا الشمالية، مفادها أن الاحتماء بظل القيادة والاقتراب من دوائر صنع القرار لم يعد درعاً واقياً للمسؤولين. على العكس تماماً، تتحول القصور ومكاتب النخبة إلى ساحات مراقبة لصيقة، حيث يحاصر الخوف المستمر من العقاب الفوري كل فرد. ومع تزايد حالات الهروب والتصدع في ولاء الدبلوماسيين والمسؤولين، تتسع بوضوح الهوة السحيقة بين ما يصرح به هؤلاء علناً وبين ما يعتقدونه حقاً.
تناقض النخبة الحاكمة وانفصام الواقع
ووفق التحليل يعيش المسؤولون في مفاصل الحزب والجيش والبعثات الاقتصادية بحالة من الانفصام المزمن؛ فهم المجموعات الوحيدة التي تحظى بامتيازات معيشية واستهلاكية لا يحلم بها عامة الشعب، ولكنهم في المقابل مطلعون بشكل مباشر على العالم الخارجي، مما يجعلهم يدركون التناقض الفاضح بين آلة الدعاية الرسمية والواقع التقني والاقتصادي العالمي، ليجدوا أنفسهم مجبرين على ترديد الشعارات وصون صورة العائلة الحاكمة ظاهرياً فقط.
قصة الدبلوماسي وابنه والموسيقى الغربية
وأشارت الباحثة إلى ما اعتبرته مثالا صارخاً في هذا السياق بانشقاق الدبلوماسي البارز ثاي يونغ هو عام 2016، والذي جاء دافعه الأساسي رفض أبنائه للقيود الثقافية الصارمة وحرمان المواطنين من الموسيقى الغربية، في وقت تنفق فيه العائلة الحاكمة بسخاء لحضور فعاليات عالمية مثل حفلة موسيقية لإريك كلابتون في لندن، مما يعكس تذمر الأجيال والشخصيات الدبلوماسية من ازدواجية المعايير.
امتيازات تحت التهديد وإلغاء الحصانة
ويلفت التحليل إلى أنه تسلم كيم جونغ أون مقاليد الحكم عام 2011، سقطت الحصانات التقليدية التي كانت تمنحها القرابة والمكانة؛ ودلّ على ذلك إعدام عمه النافذ جانغ سونغ ثايك عام 2013. هذا النهج الصارم، إلى جانب الإغلاق المحكم للحدود والإجراءات المشددة خلال جائحة كورونا، أدى إلى تراجع أعداد الفارين، لكنه ضاعف حالة الرعب والقلق الخفي داخل المنظومة.
وتصف الباحثة سلوك المسؤولين بمفهوم “تزوير التفضيلات”، حيث يظهر الجميع ولاءً مبالغاً فيه خوفاً من البطش. ويظهر ذلك بوضوح في جلسات “النقد الذاتي” الدورية، حيث يتواطأ الزملاء على الاعتراف بأخطاء شكلية وبسيطة يرتضونها لأنفسهم لتفادي الوقوع في محظورات سياسية كبرى، بينما تتوارى الشكوك الحقيقية خلف ستائر الصمت والتمثيل.
تغير دوافع السخط والجيل الجديد
وبحسب الكاتبة لا تقتصر رغبة التململ على الاعتبارات السياسية البحتة، بل تمتد لتشمل طموحات مادية واضحة؛ كالبحث عن أمن الأسرة، ومستقبل أفضل للأبناء، وتوفير فرص التعليم والتجارة. فالأجيال الشابة باتت تولي اهتماماً أكبر للمال والأسواق في ظل غياب أي ضمانات وظيفية مستقبلية أو معاشات تقاعدية كافية تكفل للمسؤول المتقاعد الاحتفاظ بمسكنه ومكانته بعد عقود من الخدمة.
ووفق الكاتبة فمع تنامي السخط، تظل أي محاولة لمعارضة منظمة شبه مستحيلة في ظل شبكات رقابة أمنية محكمة تشجع الوشاية المتبادلة، واعتماد النظام على “العقوبات الجماعية” التي تردع الأفراد عن التفكير بالتمرد.
وتؤكد الباحثة على أنه بفضل عائدات التجارة مع الصين، ومبيعات الأسلحة، وشبكات القرصنة الإلكترونية، يمتلك النظام الموارد الكافية لتمويل أجهزته وقمع أي تمرد محتمل. غير أن هذه الهذيان الخفي قد ينفجر إذا واجهت الدولة أزمة اقتصادية هيكلية طاحنة أو أزمة خلافة، ليدرك المسؤولون حينها أن الطاعة لم تعد الخيار الأكثر أماناً، وعندئذ قد تبدأ نهاية النظام من داخل القصر لا من الشارع.