أطراف المشهد السياسي تتسلم خريطة طريق تفصيلية لانتشال الحوار المتعثر وسط استمرار الخلاف حول الولايات الرئاسية



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: في محاولة جديدة لإخراج مسار الحوار السياسي من حالة الجمود التي لازمته خلال الأشهر الماضية، وزع منسق الحوار الوطني، موسى فال، على الأطراف المرشحة للمشاركة في الحوار السياسي الشامل وثيقة مرجعية مفصلة تحدد أهداف الحوار ومحاوره وآليات تنظيمه وضمانات تنفيذ مخرجاته، في خطوة ينظر إليها باعتبارها أحدث محاولة رسمية لإنقاذ المسار التوافقي الذي أطلقه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وتأتي هذه الوثيقة التي حصلت «القدس العربي» على نسخة منها، بعد سلسلة طويلة من المشاورات بين الرئيس الغزواني وموالاته ومعارضته وبعد عديد اللقاءات الثنائية التي أجراها منسق الحوار مع الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية، في مسعى لتقريب وجهات النظر بشأن القضايا الخلافية التي عطلت انطلاق الحوار رغم الإعلان عنه منذ أشهر.
ويشتمل الدليل المرجعي المصوغ في 12 صفحة، والخالي من ذكر «الولايات الرئاسية»، على أربعة محاور رئيسية للحوار الوطني، هي: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي للبلاد، ونموذج الحوكمة المعتمد، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.
ويأتي توزيع هذه الوثيقة في وقت لا يزال فيه الحوار يواجه تحديات سياسية مرتبطة بطبيعة المواضيع المطروحة للنقاش وحدودها، خصوصاً بعد بروز خلافات بين أحزاب الأغلبية والمعارضة حول إدراج قضية الولايات الرئاسية ضمن جدول الأعمال.
فبينما دافعت أطراف من الأغلبية عن حق الحوار في مناقشة مختلف القضايا السياسية والدستورية دون استثناء، تمسكت قوى معارضة رئيسية برفض أي نقاش يمكن أن يفتح الباب أمام تعديل دستوري يتعلق بعدد الولايات الرئاسية، معتبرة أن الدستور الحالي حسم هذه المسألة بشكل نهائي.
وقد شكل هذا التباين أحد أبرز أسباب تباطؤ المسار خلال الفترة الماضية، رغم تأكيد الرئاسة أكثر من مرة تمسكها بتنظيم حوار وطني جامع يفضي إلى إصلاحات توافقية.
وتؤكد الوثيقة الجديدة أن «القاعدة الذهبية» للحوار الوطني هي التوافق، مشددة على الالتزام بهذا المبدأ خلال مراحل الإعداد والتنظيم والإشراف وصياغة التوصيات النهائية.
كما تربط نجاح الحوار بقدرة المشاركين على إبداء قدر من الانفتاح والاستعداد لتقديم التنازلات الضرورية التي تسمح بالتوصل إلى تفاهمات وطنية واسعة.
وتوضح الوثيقة أن الدليل المرجعي يمثل حصيلة نقاشات ومشاورات سابقة بين مختلف الأطراف السياسية المعنية، ويهدف إلى رسم الطريق نحو توافق وطني بشأن الإصلاحات الكبرى التي يتطلع إليها الموريتانيون.
وتحدد الوثيقة أربعة أهداف توافقية رئيسية للحوار تتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، وترسيخ النظام الديمقراطي، وتحسين الحوكمة وتطوير أداء المؤسسات العمومية، إضافة إلى توسيع مشاركة الشباب والنساء والفئات الهشة والأشخاص ذوي الإعاقة والجاليات الموريتانية في الخارج في الحياة الوطنية وصنع القرار.وترى الوثيقة أن الحوار ليس مجرد فضاء للتعبير السياسي أو التفاوض الظرفي بين الفاعلين، بل آلية جماعية لبناء المستقبل وتعزيز الثقة بين مختلف المكونات الوطنية وتقوية شرعية المؤسسات.
وتكشف تفاصيل الورشات المقترحة أن الحوار سيتناول عدداً من أكثر الملفات حساسية في الساحة الوطنية.
ففي محور الوحدة الوطنية ستناقش أربع قضايا رئيسية تشمل الإرث المرتبط بالاسترقاق وآثاره، وملف الإرث الإنساني، ومكافحة التفاوت والتمييز وتعزيز تكافؤ الفرص، إضافة إلى تعزيز التنوع الثقافي واللغات الوطنية في إطار المكتسبات الدستورية.
أما محور الحوكمة فسيشمل تقييم نموذج الحوكمة القائم وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، ومكافحة الفساد وسوء التسيير والهدر، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار، وتقييم الخدمات العمومية في مجالات التعليم والصحة والقضاء والإدارة والحماية الاجتماعية.
وفي المحور الديمقراطي، ستناقش الورشات تقييم النموذج الديمقراطي القائم، وآليات عمل المؤسسات الوطنية، ووضعية الأحزاب السياسية من حيث الإطار القانوني والتمويل والحكامة الداخلية، إضافة إلى المنظومة الانتخابية بما يشمل الشفافية والمدونة الانتخابية والرقابة وتسوية النزاعات الانتخابية.
كما يتناول محور الإدماج والتمكين قضايا تمكين النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب المخاطر والتهديدات المرتبطة بالهجرة والأمن والتطرف والتحديات المجتمعية.
من يشارك في الحوار؟
وتنص الوثيقة على أن شرعية الحوار تستند إلى طابعه الشامل والتمثيلي، وتشمل الجهات المدعوة للمشاركة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والشخصيات الوطنية المستقلة.
وتشدد الوثيقة على ضرورة أن تعكس تركيبة المشاركين التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي والمهني والجهوي للمجتمع الموريتاني.
هيئة إشراف متوازنة
وتقترح الوثيقة إنشاء هيئة إشراف تتولى قيادة العملية وإدارة مختلف مراحلها.
وستتكون الهيئة من سبعة ممثلين عن أحزاب الأغلبية وسبعة ممثلين عن أحزاب المعارضة وثلاثة ممثلين عن المجتمع المدني وثلاث شخصيات وطنية مستقلة، من بينها رئيس الهيئة الذي يعينه رئيس الجمهورية بعد التشاور مع الأطراف المشاركة.
وتمنح الوثيقة الهيئة صلاحيات واسعة تشمل تحديد معايير المشاركة وعدد المشاركين في الورشات، واعتماد الميسرين والمقررين، والبت في حالات الخلاف والتعثر، وتنظيم المؤتمرات الصحافية الدورية ومتابعة النقاشات الإعلامية المرتبطة بالحوار.
ست لجان فرعية
ويقترح الدليل إنشاء ست لجان فرعية، أربع منها موضوعية تتولى متابعة محاور الوحدة الوطنية والحوكمة والنموذج الديمقراطي والإدماج والتمكين، إضافة إلى لجنتين وظيفيتين مكلفتين بالاتصال وبمتابعة تنفيذ المخرجات.
وتتولى لجنة الاتصال التغطية الإعلامية للحوار وصياغة الرسائل الإعلامية الرسمية ورصد النقاشات العامة حوله، بينما تضطلع لجنة متابعة المخرجات بوضع الآليات القانونية والمؤسسية اللازمة لتنفيذ التوصيات ورفع تقارير دورية بشأن ذلك.
شهر كامل من النقاشات
وبحسب الوثيقة، سيمتد الحوار الوطني لمدة شهر تقريباً، على أن تعقد جلساته من الإثنين إلى الخميس في فترتين صباحيتين، فيما تخصص الفترات المسائية للمشاورات الداخلية بين الوفود المشاركة وإعداد الملاحظات والتوجيهات الخاصة.
كما تنص الترتيبات التنظيمية على اعتماد إجراءات أمنية خاصة وقصر المشاركة على الحاصلين على بطاقات اعتماد رسمية.
ضمانات للتنفيذ
وفي محاولة لمعالجة أحد أبرز الانتقادات التي واجهت الحوارات السابقة، خصصت الوثيقة حيزاً مهماً لضمانات تنفيذ المخرجات.
وتشمل هذه الضمانات التزاماً رسمياً وعلنياً من رئيس الجمهورية بتنفيذ التوصيات، والمصادقة الجماعية للمشاركين على المخرجات باعتبارها التزامات أخلاقية وسياسية مشتركة، وتوقيع إعلان وطني للتوافق، وإنشاء آلية رسمية لمتابعة التنفيذ، إضافة إلى ضمان التغطية الإعلامية المناسبة لأعمال الحوار.
مؤتمر وطني ختامي
وتنتهي العملية بعقد مؤتمر وطني ختامي يستمر بين ثلاثة وأربعة أيام، يتوج أعمال الورشات ويعتمد التقارير النهائية والتوصيات المتوافق عليها.
ويتضمن المؤتمر جلسة افتتاح رسمية تحت رعاية رئيس الجمهورية، واجتماعات لمراجعة واعتماد التقارير، وجلسة عامة للمصادقة على التوصيات، وقراءة الإعلان الوطني للتوافق، قبل خطاب ختامي للرئيس يتضمن التزاماً بتنفيذ المخرجات وإطلاق آلية المتابعة.
اختبار جديد للثقة السياسية
ويرى مراقبون أن الوثيقة الجديدة تمثل أول تصور متكامل ومفصل لشكل الحوار وآليات عمله منذ إطلاق المبادرة، غير أن نجاحها سيظل رهيناً بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز الخلافات المسبقة، وفي مقدمتها الجدل المتعلق بحدود المواضيع القابلة للنقاش، وخاصة قضية الولايات الرئاسية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى العقدة السياسية الأبرز في مسار التحضير للحوار.
كما ينتظر أن تكشف ردود الأحزاب السياسية على هذه الوثيقة خلال الأيام المقبلة مدى استعداد مختلف الفاعلين للانتقال من مرحلة المشاورات والتحفظات المتبادلة إلى مرحلة التفاوض الفعلي حول الإصلاحات السياسية والمؤسسية التي يفترض أن يشكل الحوار الوطني إطاره الجامع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *