عاموس هرئيل
يصادف رأس السنة العبرية لعام 577 في الذكرى الرابعة للحرب الإقليمية في الشرق الأوسط، التي ما زالت إسرائيل في قلبها. في نسختها الحالية، تشن الحرب بكثافة منخفضة نسبياً، لكن جميع الساحات التي تشارك فيها إسرائيل ما زالت مفتوحة، وفي بعضها (خاصة في إيران) خطر الاشتعال من جديد. إن وعود نتنياهو المتكررة بتحقيق النصر الوشيك – أو هكذا يبدو أنها تنازل في اللحظة الأخيرة عن وهم النصر المطلق – لا تخفي التورط الاستراتيجي الذي نجد أنفسنا فيه، ويعود هذا في معظمه إلى قراراته.
الحرب الأطول في تاريخ إسرائيل، التي جرت بتناقض صارخ مع مبدأ المفهوم الأمني الذي صاغه بن غوريون، خلقت واقعاً أمنياً يصعب التعامل معه على المدى البعيد. ولكن نتنياهو يصمم على تحويل نقطة ضعف سياسته إلى مصدر تفاخر. فحسب رأيه، تحولت الحرب التي لا تنتهي من عيب إلى ميزة. وفي مقابلات حديثة معه في قنوات متعاطفة معه مثل القناة 14، صرح أنه لا يريدها أن تنتهي أبداً.
في نهاية المطاف، لم يكن وضعنا، كما يصفه نتنياهو في حملته الانتخابية، أفضل مما هو عليه الآن: لقد قضت إسرائيل على معظم قادة العدو، وضمت بالفعل أجزاء من الأراضي عبر الحدود، وكل جيرانها يخافون منا. في 2019، في إحدى الحملات الانتخابية المتتالية التي جرت في حينه، أطلق حملة بعنوان “دوري آخر”، ظهر فيها على ملصقات إلى جانب رؤساء دول أخرى مثل ترامب من الولايات المتحدة، وفلاديمير بوتين من روسيا، ونارندرا مودي من الهند. الآن يتم استبدال هذه الملصقات بأنواع مختلفة كلياً: صور القادة الذين اغتالهم أو صور ورثتهم الذين يقول إنهم كلهم يخشون فوز حزب الليكود في الانتخابات القادمة.
وقد أثيرت الشكوك حول نية نتنياهو شن حرب طويلة المدى لأسباب تتعلق ببقائه السياسي.
هنا في تشرين الثاني 2023، بعد أقل من شهر على مذبحة 7 أكتوبر، استقبلت شكوك نية نتنياهو بنفي قاطع. بعد ذلك، تحت ضغط الرئيس الأمريكي بايدن وخليفته ترامب لعقد صفقات لإنقاذ الرهائن والدفع نحو إنهاء الحرب في غزة، أوضح نتنياهو أنه لا يمكنه فعل ذلك؛ لأن شريكيه في اليمين المتطرف، بن غفير وسموتريتش، سينسحبان من الائتلاف.
عملياً، بقي الاثنان في الائتلاف حتى يومه الأخير رغم تصويتهما ضد الصفقات أو الامتناع عن التصويت. استقال بن غفير لفترة قصيرة في بداية 2025، وعاد إلى الحكومة عند استئناف القتال في غزة. لم يمنعه ذلك، هو وسموتريتش، من التفاخر بإعادة الرهائن (حيث تميل الحكومة إلى الدمج بشكل متعمد بين إعادة القتلى والرهائن الأحياء). عندما عقدت آخر صفقة في تشرين الأول الماضي، التي أفرجت عن حوالي 2000 سجين فلسطيني مقابل إطلاق سراح الرهائن الأخيرين، 20 على قيد الحياة و28 قتيلاً، لم تنظم أي احتجاجات.
يبدو أن نتنياهو أطال مدة الحرب لأسباب سياسية، لكن ليس بالضرورة خوفاً من بن غفير وسموتريتش. استمرار القتال سمح لنتنياهو بإظهار مظهر العناد والحفاظ على حالة الطوارئ الدائمة في البلاد وتخفيف الانشغال اليومي بأسباب المذبحة (مع القاء اللوم على كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي و”الشاباك”)، وضخ ميزانيات ضخمة لوزارة الدفاع لأغراض سياسية. ويقول نتنياهو، على خلفية ما حدث بعد ذلك، إن معارضيه داخل الحكومة في حينه بقيادة غادي آيزنكوت وبني غانتس، لم يسعوا فقط إلى تقصير مدة الحرب في قطاع غزة، بل كانوا يخشون أيضاً مواجهة حزب الله. ويخالفه آيزنكوت وآخرون الرأي، إذ يرون أنهم اعتقدوا بضرورة الإسراع في استكمال صفقات الرهائن للتركيز على لبنان.
وكان لنتنياهو، في إسهامه في استمرار الحرب، حلفاء في الجانب الآخر؛ فقد رفضت حماس وحزب الله الاستسلام رغم الخسائر العسكرية الفادحة التي منيت بها (يعتقد بعض أعضاء هيئة الأركان العامة أن النصر العسكري قد تحقق بالفعل في الجبهتين).
لقد أصبحت إيران جزءاً من منطقة الحرب بقرار مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل في حزيران 2025، وما زالت هذه الحملة مستمرة حتى اليوم بدرجات متفاوتة.
كل أسبوعين، يخرج نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس مثل دون كيشوت وحامل درعه سانشو بنزا في دوريات على الحدود ويلتقطان الصور مع الجنود على خطوط الجبهة. وتعتبر المناطق التي تم الاستيلاء عليها في السنوات الأخيرة أهدافاً مفضلة لهما. ويعتبر ظهور المقاتلين في الخلفية مؤثراً في أفلام الفيديو الانتخابية، ولم يوقظ استخدامهم بعد اللجنة المركزية للانتخابات من السبات النسبي. تجري وراء الكواليس نقاشات مع الجيش حول قواعد التصوير وحق الصحافيين في الوصول إلى اللجنة.
يعد نتنياهو في هذه الجولات بالشيء ونقيضه في الوقت نفسه: حرب دائمة، وقرار وشيك. وخلال زيارته في هذا الأسبوع هو وكاتس إلى قمة جبل الشيخ، تنبأ رئيس الحكومة بسقوط النظام في إيران قريباً. نشر الصحافي عميت سيغال، أمس، مقالاً في “إسرائيل اليوم” كتب فيه أن لحظة سقوط النظام في طهران “أصبحت قريبة جداً”، واستشهد سيغال بتقييم للموساد يشير إلى أن الانهيار سيحدث في الربع الأول من العام 2027. أما تقييمات الجيش الإسرائيلي في هذا الشأن فهي متشككة وأكثر حذراً.
بشكل عام، أصبحت إيران مصدر قلق متزايد، حيث يتيح سعي الولايات المتحدة لتحويل مسار الشحن في مضيق هرمز من خلال الطريق الجنوبي قرب شواطئ سلطنة عمان، منفذاً اقتصادياً لجيران إيران في الخليج، في حين يستمر الحصار الاقتصادي والعقوبات المفروضة على النظام نفسه. ويظهر الجيش الإسرائيلي إعجابه بازدياد الإحباط في أوساط كبار قادة طهران، الذي قد يتجلى في المستقبل القريب في محاولة منهم لتأجيج التوتر العسكري مع الولايات المتحدة، وربما حتى إعادة إسرائيل إلى ساحة المواجهة. وفي الوقت نفسه، سيطر الحوثيون أمس على مناطق حول مضيق باب المندب، ما سيتيح للإيرانيين تعريض حركة الملاحة باتجاه قناة السويس للخطر.
يعرف الجيش الإسرائيلي ثمن الحفاظ على خطوط الدفاع الثلاثة. يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على مساحة تزيد على 1220 كم مربع عما كانت عليه عشية 7 أكتوبر، وذلك على ثلاث جبهات: لبنان وسوريا (في هضبة الجولان وجبل الشيخ) وقطاع غزة. وهذا لا يشمل توسع المنطقة في الضفة الغربية، في هذه السنة وحدها من المقرر بناء 26 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية (من أصل 104 مستوطنات قررت الحكومة إقامتها). في الوقت نفسه، تم إنشاء 95 بؤرة استيطانية و42 مزرعة في هذه السنة. في فترة الأعياد سيتم نشر ما لا يقل عن 26 كتيبة في الضفة الغربية، وقد تم إنشاء 63 بؤرة استيطانية في السنتين الأخيرتين خارج حدود إسرائيل، معظمها في قطاع غزة. وقد ازداد عدد القوات المشاركة في الدفاع عن الحدود والمناطق بنسبة 300 في المئة، مقارنة مع الوضع عشية المذبحة.
هذا الواقع يفرض على جنود الاحتياط 100 يوم خدمة احتياط في السنة، ويجبر جنود الخدمة النظامية على العمل بشكل متواصل، باستثناء فترة راحة قصيرة وغير كافية للتدريب. أيضاً أنفقت الدولة 420 مليار شيكل على الحرب حتى الآن، في حين أن المساعدات الأمنية السنوية الأمريكية قد تتوقف خلال سنتين. وتعتقد هيئة الأركان أنه رغم الظروف المعقدة فقد حان الوقت لاتخاذ خطوات سياسية تقلص نطاق الساحات التي يعمل فيها الجيش الإسرائيلي. ويبدو أنه لا يوجد ما يناقش مع نتنياهو في هذا الشأن، على الأقل حتى الانتخابات في نهاية تشرين الأول. مع ذلك، يبدو في الوقت نفسه، أن اهتمام ترامب يتوجه الآن إلى جبهات أخرى.
مناورة هيئة الأركان
في وقت سابق في هذا الأسبوع، أجرى الجيش الإسرائيلي بقيادة رئيس الأركان إيال زامير، مناورة واسعة النطاق لهيئة الأركان العامة، تهدف إلى اختبار سيناريو صراع متعدد الجبهات. وقد نفذت المناورة بشكل مفاجئ، ولم يكن يعرف موعدها المخطط له مسبقاً إلا عدد قليل من الضباط إضافة إلى زامير. وشملت السيناريوهات التي تم التدرب عليها سيناريوهات خطيرة جداً: هجوم مفاجئ من حماس من قطاع غزة رغم محدودية قوتها العسكرية، وهجمات بالقنابل على الجبهة الداخلية، وتوترات مع إيران وحزب الله. وقد تم اختيار هذا الموعد بناء على الإدراك بأن البلاد والجيش على عتبة فترة حساسة جداً، وأن التوترات العسكرية قد تتأثر سلباً بالتوترات الداخلية في إسرائيل قبل الانتخابات في 27 تشرين الأول.
يعتبر أيلول وتشرين الأول تقليدياً من قبل الجيش الإسرائيلي محفوفين بكثير من التحذيرات. فقد شهدت أعياد “تشري” تصعيدات متكررة. ومن الأمثلة يوم الغفران في 1973 وعيد نزول التوراة في 2023، أيضاً اندلعت الانتفاضة الثانية عشية رأس السنة العبرية في العام 2000، وفي بداية تشرين الأول 2015 بدأت موجة عمليات فلسطينية في الضفة الغربية واستمرت أكثر من ستة أشهر. هذه المرة، إضافة إلى الانتخابات، قد تعقد الجمعية العمومية للأمم المتحدة اجتماعها في نيويورك في نهاية الشهر (يتوقع أن يصل نتنياهو لإلقاء خطاب هناك). وفي الوقت نفسه، يتم بذل جهود لتصفية حسابات فلسطينية أو إيرانية مع إسرائيل قبيل الذكرى السنوية الثالثة لمذبحة غلاف غزة والحرب التي أعقبتها.
سيواجه زامير وضعاً سياسياً معقداً، حيث تشير وسائل الإعلام والأحزاب السياسية باستمرار إلى احتمالية لجوء نتنياهو إلى ذريعة أمنية للتأثير على مسار الانتخابات، بل وحتى تأجيلها. ومثلما نشرت “هآرتس” في الأسبوع الماضي، ثمة توتر بين رئيس الحكومة ورئيس الأركان، لا سيما فيما يتعلق بالأحداث في الضفة الغربية. وقد فشل زامير نفسه حتى الآن في إقناع الجيش بالتغاضي عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين (بل وتقديم الدعم العلني له أحياناً)، وقد حذر نتنياهو في مناسبات كثيرة من احتمالية حدوث انفجار في الضفة الغربية. وفضل رئيس الحكومة التحدث عن خطر “انقلاب الوضع”، وهو سيناريو تقوم فيه شرطة السلطة الفلسطينية بإطلاق النار على قوات الجيش الإسرائيلي.
هآرتس 11/9/2026