الرباط – «القدس العربي»: انشغل الرأي العام المحلي في المغرب بقضية الطبيبة شيماء الدرازي، المشاركة في «أسطول الصمود» العالمي لكسر الحصار عن غزة، إلى جانب مناصرين مغاربة آخرين يشاركونها الرحلة نفسها التي انتهت بالتوقيف والتعسف والإهانة من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي. وإذا كان السياق العام هو التفاعل مع المبادرة التطوعية الجديدة، فإن قضية الطبيبة حادت عن المسار العادي عندما تدخل الداعية المغربي محمد الفيزازي، ونشر تدوينات اعتبرت مسيئة للمشاركات في هذه الرحلة الإنسانية، مما أثار غضباً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتحولت الطبيبة شيماء إلى محور جدل واسع بلغ حد الحديث عن دعوى قضائية رفعتها أسرتها ضد الفيزازي. ووفق مصادر إعلامية، فقد قررت الأسرة عدم الاكتفاء بالرد الرقمي، واللجوء إلى القضاء لحماية سمعة ابنتهم.
وتتهم أسرة الطبيبة الفيزازي بالقذف والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن خطوة ابنتها نابعة من واجب إنساني ومهني بحت، وأن تصريحات الداعية تجاوزت النقد البناء إلى الطعن في النوايا والمساس بالكرامة.
ولقي قرار الأسرة ترحيباً كبيراً من رواد منصات التواصل الذين اعتبروه خطوة حضارية وقانونية لوضع حد لما يصفونه بـ «الشطط الرقمي» والتشهير الذي يطال المخالفين في الرأي أو التوجه.
القصة بدأت عندما تفاعل الداعية الفيزازي مع انتشار صور ومقاطع فيديو للمشاركين داخل الأسطول، حيث نشر تدوينة علّق فيها على مشاركة النساء ضمن الرحلة، متحدثاً عن «الاختلاط» والسفر المشترك بين الرجال والنساء في ظروف بحرية مغلقة.
التدوينة تتضمن سخرية من عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب «العدالة والتنمية»، لكونه «أفتى للنساء بالجهاد حتى دون إذن أزواجهن»، حسب الفيزازي، لكن عدداً من النشطاء اعتبروا أن مضمونها يحمل إيحاءات أخلاقية تمس المشاركات المغربيات وتضعهن موضع تشكيك، مستشهدين بقوله: «ورّط بعض المغفلات، وها هن اليوم في زوارق الصمود مع الملاحدة والسكارى والله أعلم ما يفعل بهن». الطبيبة شيماء، التي يصادف المتجول في بعض شوارع مدينة طنجة ملصقاً يحمل صورتها إلى جانب «حنظلة» كإعلان تضامني معها، أعلنت أسرتها أنها شرعت في اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيزازي، معتبرة أن تصريحاته وتلميحاته تمثل إساءة علنية وتشهيراً معنوياً يمس كرامة ابنتها وسمعتها المهنية والشخصية.
وأكد مقربون من الأسرة أن الطبيبة شاركت بصفتها الإنسانية والطبية في مهمة تضامنية، وأن تحويل مشاركتها إلى مادة للتلميحات الأخلاقية ألحق بها وبعائلتها ضرراً معنوياً كبيراً، وهو ما دفعهم إلى اللجوء للقضاء للمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر.
ومع الدعوى القضائية المرتقبة، انتقلت قضية الطبيبة إلى بعد أكبر، متحولة من مجرد سجال رقمي على مواقع التواصل إلى ملف قانوني يطرح أسئلة حساسة حول حدود حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية للشخصيات العامة والدينية. واعتبر عدد من الحقوقيين والنشطاء أن ما حدث يدخل ضمن التشهير والإساءة المعنوية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بنساء معروفات بالاسم والصورة ويقمن بعمل إنساني.
بينما رأى آخرون أن الفيزازي عبّر عن موقف ديني محافظ، وأن اللجوء إلى القضاء بسبب رأي أو تدوينة قد يفتح نقاشاً معقداً حول حرية الرأي والتعبير في المغرب.
وتعددت ردود الفعل في منصات التواصل الاجتماعي لدى مدونين وصحافيين اعتبروا أن استهداف المشاركات بخطاب أخلاقي يعد تقليلاً من قيمة مبادرتهن وتحويراً للنقاش بعيداً عن القضية الأساسية، أي حصار غزة واحتجاز المشاركين. وكتب بعضهم أن الطبيبات والناشطات اللواتي خاطرن بالسفر نحو منطقة متوترة كان يفترض أن يجري استقبالهن بالتقدير لا بالتشكيك، كما ظهرت تدوينات تتهم الفيزازي بإعادة إنتاج خطاب «الوصاية على النساء» وإقحام الأحكام الأخلاقية في المشاركة العامة للمرأة، بل إن هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك وهاجم الداعية بشكل شخصي بأوصاف قدحية.
وناشد حزب العدالة والتنمية، في بيان صدر مساء الأربعاء، السلطات المغربية من أجل «التدخل الفوري والعاجل لحماية جميع المواطنات والمواطنين المغاربة المشاركين في هذه المهمة الإنسانية النبيلة، والعمل على إطلاق سراح المحتجزين منهم من طرف الكيان الصهيوني المجرم».