أزمة لا تنتهي بفتح المضيق


تمر الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران بمرحلة ترقب شديد، مثل لعبة الشطرنج، حيث أن كل حركة قد تنهي اللعبة لصالح هذا الطرف أو الطرف الآخر، بسبب المواجهة بين ثلاث أجندات، أجندتي طهران وتل أبيب، اللتين تعنيان حرب الوجود، وأجندة واشنطن التي ترغب في التوجه إلى آسيا لمواجهة الصين، لكن على أساس أن تبقى منطقة الخليج العربي شريانا للنفط العالمي تحت هيمنتها ونفوذها.
وبعد شهر ونصف الشهر من الحرب، التي بدأت يوم 28 فبراير/شباط الماضي وأكثر من أسبوعين من الهدنة الهشة، تبقى إمكانية استئناف الحرب قائمة بقوة، إلا أن الطرف الأقوى وهو الولايات المتحدة، يتردد في خوض الحرب من جديد، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع نفسه في مأزق، وفق الصحافة العسكرية ومنها، «ذي زون وار» الأمريكية. كما  أإقنت واشنطن استحالة إسقاط النظام الحاكم في إيران، أو استسلامه، على الرغم من اغتيال عدد من القيادات، فالسيناريو الفنزويلي غير قابل للتطبيق في الشرق الأوسط. وتأكدت الآن من استحالة الحسم العسكري، حيث إن هذه الحرب تبرز أن حروب المستقبل غير المتكافئة تحمل مفاجآت كبرى، وهذه واحدة منها، إذ أن أكبر قوة عسكرية في وقتنا الراهن وعبر التاريخ لا تستطيع الحسم العسكري لحرب إلا باستعمال السلاح النووي.
الرئيس ترامب وأفراد فريقه المساعد يدركون الآن لماذا فضّل الرؤساء السابقون مثل باراك أوباما وبيل كلينتون وجورج بوش الحصار الاقتصادي والدبلوماسي ضد إيران بدل الرهان على الحرب. وبالتالي يبدو أن البيت الأبيض يغير استراتيجيته، من الحرب إلى الحصار الاقتصادي للسفن القادمة والمتوجهة إلى موانئ إيران عبر مضيق هرمز. وها هي الصحافة الأمريكية مثل «وول ستريت جورنال» و»أكسيوس» تتحدث عن حصار طويل ضد إيران وليس حربا طويلة ضدها على شاكلة حرب كوريا وفيتنام. كيف أصبحت أجندة واشنطن الآن بعد هذه التطورات الحربية؟ على الرغم من الانتقال التدريجي للثقل الاقتصادي والعسكري والسياسي العالمي من الشرق الأوسط والأطلسي إلى منطقة المحيط الهادي – الهندي بسبب المكانة التي تكتسبها الصين في الساحة العالمية، إلا أن واشنطن تريد الشرق الأوسط تابعا لها من دون منافس. والمنافس هنا يعني عدم تغلغل قوة كبرى مثل الصين، أو روسيا، بل حتى الهند حليفة واشنطن في هذه المنطقة. وكذلك يعني عدم ظهور قوة إقليمية لها قدرة نووية قادرة على التحكم في منطقة الخليج العربي، أحد أهم مصادر النفط في العالم.

الرئيس ترامب وأفراد فريقه المساعد يدركون الآن لماذا فضّل الرؤساء السابقون مثل باراك أوباما وبيل كلينتون وجورج بوش الحصار الاقتصادي والدبلوماسي ضد إيران بدل الرهان على الحرب

لقد فشلت مختلف الإدارات الأمريكية، سواء الجمهورية أو الديمقراطية في ترويض إيران، وجعلها دولة مرتبطة بالبيت الأبيض اقتصاديا وعسكريا. وهذا الفشل أو الحذر في التعاطي مع الملف الإيراني، جعل إيران القوة الإقليمية الأولى في الخليج العربي، وأهم ثاني قوة في الشرق الأوسط رفقة تركيا. وهكذا وبعد هذه الحرب، تريد واشنطن أن تنتهي إلى إيران من دون سلاح نووي عسكري وقد تتسامح مع النووي السلمي، ومن دون انخراط طهران في مخططات الصين مستقبلا، وأن تبقي على تسعير نفطها بالدولار.
وعلاقةً بالأجندة الإسرائيلية، تسعفنا هنا آراء مسؤولين سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، يُعدّون من المخضرمين، مثل لاري جونسون وراي مكغفرن، حيث يبرزان، إلى جانب آخرين، أن إسرائيل تمر بمرحلة «حياة أو موت»، أي قضية وجودية. فهي تدرك أن إيران القوية ستعمل على تقليص نفوذ الكيان في الشرق الأوسط. يضاف إلى ذلك ما تعتبره الخطر التركي الصاعد، لذلك، وعلى الرغم من إدراك إسرائيل أن إيران لا تطوّر سلاحا نوويا، فإنها تركز على مسألة الصواريخ. وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي جو بايدن كانت لديه رغبة قوية في إعادة إحياء الاتفاق النووي الموقّع بين إيران والدول الكبرى في يوليو/تموز 2015، فإنه فشل بسبب الضغوط الإسرائيلية التي أدخلت معطى جديدا في المفاوضات، ويتمثل في إدراج ملف الصواريخ ضمن أي اتفاق مستقبلي، أي تحديد مدى الصواريخ، لكيلا تضرب الكيان. وترى إسرائيل في الصواريخ الإيرانية قضية وجودية، لأنها ببساطة قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي وتهديد البنى التحتية، كما أن إيران قادرة على تزويد دول المنطقة بهذه الصواريخ، ما يجعل الكيان أمام معضلة وجود حقيقية.
وعلاقة بأجندة إيران، أصبح هذا البلد الفارسي أمام قضية وجود في محيطها الإقليمي، فهي محاطة بدول قوية مثل تركيا وباكستان علاوة على الكيان الإسرائيلي، ثم وجود قواعد عسكرية أمريكية في الخليج العربي، وإن كانت أغلبها تعرضت للتدمير، وربما لن تعمل مستقبلا بما في ذلك مقر الأسطول الخامس في البحرين. ويحلم الإيرانيون بالتحول إلى دولة كبرى، ويرون في حرمانهم من صناعة حربية متطورة، الحكم عليهم بالبقاء دولة ضعيفة فريسة القوى الكبرى والجيران الأقوياء وتحت تهديد الكيان الإسرائيلي. وعليه، عبر عملية حساب الربح والخسارة،  ترى قيادة طهران أنه بدل التخلي عن صناعة الأسلحة ترى أن الأفضل التعرض لمزيد من الخسائر في هذه الحرب، وهي الخسائر التي يمكن تعويضها مستقبلا، لاسيما وأن لها الموارد والعنصر البشري المؤهل والكافي.
هذه هي الأجندات الثلاث التي تتحكم حاليا في مسار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران. غير أن العنصر اللافت يتمثل في أن واشنطن تملك اليد العليا، بحكم قدرتها على استئناف العمليات العسكرية أو تعليقها. وفي المقابل، تحتفظ إيران بجزء من أوراق التأثير، من خلال رفضها الدخول في مفاوضات تعتبرها مذلّة، واستعدادها للرهان على خيار المواجهة. أما إسرائيل، فيبدو هامش مناورتها محدودا، إذ تظل أجندتها مرتبطة إلى حدّ كبير بالموقف الأمريكي، مثلما أنه لا يمكنها خوض أي حرب ضد قوة إقليمية في الشرق الأوسط من دون مشاركة أمريكية مباشرة.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *