نواكشوط – “القدس العربي”: بين إعلان النيات وتكرار التعثر، يدخل الحوار السياسي في موريتانيا مرحلة غير مسبوقة من الغموض، جعلت كثيرين يتساءلون عمّا إذا كان هذا المسار قد وُضع فعلياً في “غرفة الإنعاش”، أو أنه أُسقط بهدوء من جدول الأولويات السياسية.
فبعد سنوات من المبادرات غير المكتملة، واللجان التي لم تُفضِ إلى نتائج، والتوافقات التي ظلت حبيسة البيانات، يبدو أن فكرة الحوار الشامل فقدت زخمها تدريجياً، في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والإقليمية التي تجعل من التوافق السياسي حاجة ملحّة لا تحتمل التأجيل.
إجماع وعجز
لم يعد السؤال في موريتانيا ما إذا كان الحوار الوطني ضرورياً، بل لماذا لم يبدأ بعد، رغم مرور ست سنوات على أولى الدعوات الرسمية لإطلاقه. المفارقة التي تطبع المشهد السياسي اليوم تتمثل في إجماع شبه كامل بين الأغلبية والمعارضة على أهمية الحوار، يقابله عجز مستمر عن تحويل هذا الإجماع إلى مسار عملي.
منذ مايو/ أيار 2020، حين برزت فكرة الحوار في سياق تنسيق سياسي لمواجهة جائحة كورونا، بدا وكأن البلاد تتجه نحو لحظة توافق تاريخية
ومنذ مايو/ أيار 2020، حين برزت فكرة الحوار في سياق تنسيق سياسي لمواجهة جائحة كورونا، بدا وكأن البلاد تتجه نحو لحظة توافق تاريخية.
غير أن هذا الأمل سرعان ما اصطدم بسلسلة من التعثرات، جعلت من الحوار مشروعاً مؤجلاً باستمرار، رغم تعدد المبادرات وتكرار الدعوات. وتُظهر قراءة متأنية لمسار الحوار أن الأزمة لا تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب قدرتها على الاستمرار.
مراحل ومطبات
من “خارطة طريق” 2021، إلى اللجنة التحضيرية في 2022، مروراً بـ “الميثاق الجمهوري” في 2023، وصولاً إلى تعيين منسق للحوار في 2025، تتكرر نفس الحلقة: إطلاق مبادرة، خلق زخم سياسي، ثم تعثر تدريجي ينتهي بالتجميد أو الانسحاب.
ولا يعكس هذا التكرار هشاشة التوافق فحسب، بل يكشف عن خلل أعمق في بنية العملية السياسية، حيث تُدار المبادرات بشكل منفصل، دون إطار مؤسسي جامع يضمن تراكمها أو يحولها إلى مسار مستمر. بل إن بعض هذه المحطات سقط في صراعات شكلية، مثل الجدل حول تسمية “التشاور” أو “الحوار”، وهو ما يعكس أن الخلافات لم تكن فقط حول القضايا الكبرى، بل طالت حتى الإطار المفاهيمي للعملية السياسية.
أزمة ثقة
وفي العمق، يبدو أن العامل الحاسم في هذا التعثر هو أزمة الثقة بين الفاعلين السياسيين، فالأغلبية تخشى أن يتحول الحوار إلى منصة لتقوية المعارضة، فيما الأخيرة تتوجس من أن يكون الحوار مجرد أداة لإعادة إنتاج الوضع القائم.
غير أن هذه القراءة تظل جزئية، إذ تشير المعطيات إلى وجود ما يمكن تسميته بـ “لوبيات التعطيل” داخل كل معسكر، وهي قوى تملك النفوذ والقدرة على إفشال أي تقارب، بدوافع تتراوح بين الحسابات الانتخابية الضيقة، أو الرغبة في الحفاظ على مواقع النفوذ، أو حتى رهانات خارجية. وتجعل هذه الديناميكية من الحوار رهينة توازنات داخلية معقدة، حيث فشل توافق القيادات الكبرى، أمام مكابح تستخدمها أطراف قادرة على تعطيل التنفيذ من الداخل.
الأغلبية تخشى أن يتحول الحوار إلى منصة لتقوية المعارضة، فيما الأخيرة تتوجس من أن يكون الحوار مجرد أداة لإعادة إنتاج الوضع القائم
إلى جانب أزمة الثقة، يبرز عامل لا يقل أهمية، وهو غياب “هندسة واضحة” للحوار. فكل المبادرات السابقة افتقرت إلى تصور متكامل يحدد جدول أعمال واضحاً ومتفقاً عليه، ويؤسس لضمانات سياسية لتنفيذ المخرجات، ويضع آليات لاتخاذ القرار داخل الحوار، ضمن إطار زمني ملزم.
وقد جعل هذا الفراغ من المرحلة التحضيرية نفسها ساحة خلاف بدل أن تكون مدخلاً للتوافق، وهو ما يفسر كيف تحولت بعض اللجان التحضيرية إلى نقطة تعثر بدل أن تكون نقطة انطلاق.
المفارقة أن التجربة الوحيدة التي نجحت نسبياً كانت تلك المرتبطة بالتحضير لانتخابات 2023، حيث تمكنت السلطة والأحزاب من التوصل إلى اتفاق حول اللجنة المستقلة للانتخابات.
وكشف هذا النجاح أن المشكلة ليست في استحالة الحوار، بل في طبيعته، فكلما كان الحوار محدد الهدف ومؤطراً تقنياً وقابلاً للقياس، زادت فرص نجاحه، بينما يتحول “الحوار الشامل” المفتوح إلى فضاء فضفاض يسهل تعطيله.
مبادرات لإنعاش التشاور
في مواجهة هذا الانسداد، تتقاطع اليوم مقاربتان أساسيتان، إحداهما تدعو إلى إشراك المجتمع المدني، والأخرى تسعى إلى إعادة تنظيم الحوار من داخل الحقل السياسي.
وفي هذا السياق، اقترح الناشط السياسي محمد الأمين الفاضل إسناد دور محوري للمجتمع المدني، باعتباره فاعلاً غير خاضع لحسابات السلطة والمعارضة، ما يجعله مؤهلاً للعب دور الوسيط والمسهل، وكشف أسباب التعثر للرأي العام، والمساهمة في رفع جودة النقاش من خلال تقديم مقترحات عملية في ملفات مثل الفساد وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء.
كما دعا إلى إنشاء إطار منظم للجمعيات الفاعلة يضمن تنسيق جهودها ويعزز حضورها في العملية الحوارية.
برزت مبادرة من داخل الطبقة السياسية تقترح إعادة إطلاق الحوار وفق هندسة تنظيمية أكثر دقة
وإلى جانب ذلك، برزت مبادرة من داخل الطبقة السياسية قدمها رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة “جمع”، المفكر الإسلامي، محمد جميل ولد منصور، تقترح إعادة إطلاق الحوار وفق هندسة تنظيمية أكثر دقة.
وتقوم هذه المبادرة على مبدأ التوافق المسبق على جدول الأعمال، وتضع رزنامة زمنية واضحة تمتد من منتصف مايو إلى منتصف يونيو، مع توزيع النقاش على ست لجان متخصصة تغطي القضايا الجوهرية من الوحدة الوطنية إلى الإصلاحات الدستورية ومحاربة الفساد، وصولًا إلى قضايا الأمن والهجرة والتحديات الجيوسياسية.
كما اقترح ولد منصور في مبادرته إنشاء لجنة إشراف وتسيير من 23 عضواً بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة، مع تمثيل للنقابات والمستقلين، وتكليفها بوضع آلية رسمية وملزمة لتنفيذ مخرجات الحوار، على أن يتم ذلك تحت إشراف رئيس الجمهورية محمد ولد الغزواني.
بين الإنعاش والتلاشي
ورغم أهمية هذه المبادرات، فإن السؤال الجوهري يظل قائماً حول مدى قدرتها على تجاوز الأسباب العميقة التي عطلت الحوار في السابق؛ فالتجربة تشير إلى أن نجاح أي حوار لا يرتبط فقط بجودة تصميمه، بل بوجود إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الظرفية، وتوفر ضمانات تنفيذ واضحة تحول المخرجات إلى التزامات فعلية، مع إشراك فاعلين جدد قادرين على كسر الاستقطاب التقليدي.
لم يعد الحوار في موريتانيا مجرد خيار سياسي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه
وبعد ست سنوات من الانتظار، لم يعد الحوار في موريتانيا مجرد خيار سياسي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه؛ فاستمرار التعثر لا يعني فقط تأجيل التوافق، بل يهدد بتآكل الثقة في العمل السياسي برمته، وهو ما يجعل من إطلاق حوار جاد وفعلي ضرورة تتجاوز الحسابات الضيقة نحو رهانات الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وبين خيار الإنعاش أو الاستغناء، يبقى المستقبل مفتوحاً على سيناريوهين: إما إعادة إطلاق الحوار على أسس أكثر جدية ووضوحاً، أو تركه يتلاشى تدريجياً، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية لا بد أن تنفجر آثارها بصورة قد تكون مفاجئة.