أحمد بيضون مؤرّخا زماننا بخاطرات الفسبكة


اعتيادك على القراءة متسلسلة، كما في كتاب أو جريدة، عليك تركه وأنت تقرأ خواطر أحمد بيضون متتابعة في دفاتر الفسبكة. فاليوم الواحد، أو الأيام التي تفصل بين قراءة وأخرى، تتقلّص هنا إلى لحظة واحدة وأنت تقرأ الخواطر منشورة في كتاب. ربما قد تجد في هذا الانتقال السريع فكاهة، كما حين تقرأ عن أولئك القبضايات الذين يزاحمون بسياراتهم سالبين دور سواهم في الحصول على البنزين، ثم، في الخاطرة التي تلي، مباشرة، ستقرأ عن أصل كلمة «دِرَفس» الواردة في قصيدة إيوان كسرى للبحتري. هذا الانتقال لن يحدث في رواية، أو في سيرة ذاتية، أو في كتاب بحثي. ربما سيجيب أحمد بيضون، إن سئل عن ذلك، إن سرّ الاستمتاع بقراءة تلك الشذرات، على موقع فيسبوك، هو هذا، حيث إنك تنتقل من التنديد بما قاله زعيم حزبي، إلى الترحّم على امرأة كانت قدوة لعائلتها، ثم إلى شذرة ثالثة تأتي من بعدهما لتحكي عن متعة السباحة في بحرنا الملوّث.
ربما كان هذا التنقّل ما يجعل قراءة فيسبوك، على شاشة التلفون الصغيرة، أشبه باستراحة من القراءة. فحين يكون النعاس قد أخذ منك كل مأخذ، تزيح الكتاب جانبا وتفتح التلفون، ساعيا إلى أن تنبّهك وتوقظك القراءة المتنوّعة. ما تتيحه لك قراءة فسبكات أحمد بيضون هو جعلك تحصل على القراءتين معا، قراءة الكتب وقراءة التسلية. في أحيان، وأنا أتنقّل بين خواطره، أروح أتساءل كيف أمكنه أن يمزج بين متابعته لأزمة النفايات، بالتفصيل، وأن يكتب عنها بتلك اللغة، المازجة بدورها بين التسلية والأدب الخالص. وهذا، في ما أحسب، ما ميّز نصوصه عن باقي ما نقرأه من نصوص لسواه. فبخلاف ما يخطر لكاتب التعليق على فيسبوك، أن ما كتب عابر وسريع الزوال، ها إننا نرى كيف أن أحمد بيضون أبقاه وحفظه في كتب.
ثم إن ذلك لا يعني أن بيضون بالغ في جدّيته، بل الأرجح أنه فتح أبوابا جديدة للفكاهة تعلّق أكثرها بمسائل جوهرية في ثقافتنا. ذاك نقرأه في الخاطرة التي أوردها معلّقا على السطر الأخير من سيرة السياسي السوري سعد الله الجابري الذي كتب: «ودخلتِ المصفّحات الإنكليزية يومها دمشق بتاريخ 7 نيسان/أبريل 1946 فكان ذلك اليوم عيدا قوميا لسوريا هو عيد الجلاء». وفي خاطرة أخرى يعلّق، إن حاجة المسؤول إلى ناطق رسمي تجرّده من أن يكون، كإنسان، حيوانا ناطقا. هو حيوان فحسب.
وليوم 14 حزيران/يونيو 2017 كتب، أن «الحاجة إلى مرجع (هو محمد حسين فضل الله) لوصف تسليط مكبّرات الصوت من المعابد على البيوت بالعدوان، دليل على أن العامة ممنوعون من قول البدَهيّات». وفي 18 آذار/مارس 2024 يلاحظ أنّ «شعبنا»، «أهلنا»، «أرضنا».. وما جرى هذا المجرى من الصيغ ذات الـ»نا»، ليست -على الأرجح- علامات انتماء فحسب، هي -على الأرجح أيضا- صكوك استملاك».
***
في تصديره للدفترين الثالث والرابع يتابع بيضون تأسيسه لهذا النوع من الكتابة، وهو بدأ ذلك بإطلاق اسم على فنّه هو الخاطرة. كان قد سبق ذلك باقتراح اسم لهذا النوع الجديد من إطلاق الرأي، هو الفسبكة. بدأ ذلك بأن أرجع فنّ الخاطرة إلى كتّاب «من باسكال ومعاصره إلى روشفوكو إلى نيتشه إلى تشوران في أيامنا»، ثم إلى الجاحظ وجبران خليل جبران وخليل رامز سركيس في أدبنا. وقد أضفت، من عندي، اسم الجبرتي إلى تلك اللائحة بعد أن ذكّرتني خواطر أحمد باتساع رؤية الجبرتي إلى ما يتعدّى وصف الجوانب العسكرية والسياسية في غزو نابليون لمصر. فقد وصف هذا الأخير، كما ظنّ، كل ما رأى، لكن العالم، رغم هول الحملة الفرنسية، ظلّ محدودا بمجرياتها. كما أنه ترك للمشاهدة أن تهديه إلى ما يصفه، فيما العالم الذي ظهرت فيه الفسبكة أكثر تنوعا واتساعا.
وهذا الاتساع المتنوّع والكثير تابعه أحمد بيضون بتفاصيله ودقائقه، وهو أضاف إليه كل ما «خطر» في ذهنه من حياته وتجاربه ونصيبه من نكبات هذا العالم. كما إنه لم يغفل عن انتقالاته بين الحضارات وذكرياته خلال تنقّله بينها. وفوق كل ذلك تلك القصائد التي لا يبارح بعضها الميل إلى المزاح والسخرية. وإلى كل ذلك بيانه الذي يكفي بذاته لإقبال نخبة الفسبكة على قراءته.
***
تلك التشحيطات تحت الكثير من الخواطر التي وعدت نفسي بالرجوع إلى قراءتها، وهي كثيرة، لم أنقل منها في هذه العجالة إلا القليل. ذاك لظنيّ أن الإطناب في ذلك لا يناسب المقالات في العادة. لكنني لم أتوقّف عن الشعور بأني أجهد في إمساك نفسي عن إضافة خاطرة عدت إلى قراءتها. تخيّل مثلا أن يظلّ خطّ القلم الرصاص معلّما تلك الخاطرة، من دون أن أدعو أحدا إلى قراءتها، وعلى كل حال، هذه هي:
«يشبه الأمر الذي يصدره بعض الفسابكة لمتصفّحيهم بالضحك من شيء ينشرونه (مثلا: هههههه) ما يذكُره شوقي أبي شقرا في قصيدة له، عن ملك أراد أن يبحث عن جوربه تحت السرير فصدم رأسه بحافّة السرير وأمر جنوده أن يصيحوا «آخ»!

*ألدفتران الثالث والرابع من الفسبكات صدرا شاملين لخواطر كتبها أحمد بيضون في السنوات من 2015 إلى 2024، وقد صدر الدفتران عن دار «شرق الكتاب» في تموز/ يوليو 2026.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *