أحداث السابع من أكتوبر تطارد حملة نتنياهو الانتخابية


باريس- “القدس العربي”: تناولت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية تقرير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية الذي كشف عن تحذيرات سبقت هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 وتم تجاهلها، معتبرة أن هذه المعلومات تضعف موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي وتعيد طرح التساؤلات حول مسؤوليته عن أسوأ إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل، وذلك قبيل الانتخابات التشريعية والذكرى الثالثة لهجوم الـ7 أكتوبر؛ الأمر الذي يشكل فرصة ثمينة لمعارضي نتنياهو، وعلى رأسهم غادي آيزنكوت، الذي سارع إلى استغلال القضية سياسياً وتعزيز الضغوط على رئيس الوزراء.

أصدر آيزنكوت إلى جانب يائير غولان وأفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، وهم جميعا يطمحون إلى الوصول لرئاسة الحكومة، بياناً مشتركاً نادراً طالبوا فيه بتحديد “ما الذي كان نتنياهو يعرفه، ومتى عرفه”، ولماذا لم يُبلغ، كما يُفترض، المسؤولين الأمنيين بهذه المعلومات. ووعدوا في حال وصولهم إلى السلطة، بتشكيل لجنة تحقيق رسمية حكومية في أحداث السابع من أكتوبر، وهي اللجنة التي رفض نتنياهو حتى الآن إنشاءها.

بحسب التحقيق الذي نشرته صحيفة “هآرتس” يوم الثلاثاء، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي ربما كان قد تلقى شخصياً، قبل الهجوم بنحو أسبوع ونصف، تحذيراً من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد، مفاده أن يحيى السنوار، كان يعد لعملية واسعة النطاق ضد إسرائيل. وبحسب التحقيق، فإن بنيامين نتنياهو لم ينقل هذا التحذير بعد ذلك إلى كبار المسؤولين الأمنيين. وقد وصف مكتبه الأمر بأنه “كذبة مطلقة” ونفى أن يكون رئيس الوزراء قد تلقى مثل هذا التحذير.

اكتسبت القضية بعداً إضافياً، يوم الأربعاء، بعدما أكد مسؤول استخباراتي رفيع المستوى لصحيفتي “يديعوت أحرونوت” و“واي نت” الإسرائيليتين أن أبوظبي نقلت بالفعل معلومات إلى إسرائيل قبل المجزرة بفترة وجيزة. وكان التحذير، بحسب المسؤول، صادراً عن مصدر “موثوق جداً”، ويتعلق بعملية “مهمة وقريبة” كانت حماس تستعد لتنفيذها. إلا أنه لم يؤكد أن محمد بن زايد نفسه هو الذي نقل التحذير شخصياً إلى نتنياهو.

أما دولة الإمارات، التي طُلب منها نفي ما ورد في التحقيق، فقد امتنعت عن ذلك، واكتفت بالتذكير بأن المعلومات ذات الصلة كانت تُنقل بين الأجهزة الأمنية في البلدين.

ولعل أكثر رد سياسي يحرج لنتنياهو جاء من نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق المنتمي هو نفسه إلى اليمين القومي، والذي ينافس نتنياهو مباشرة على جزء من قاعدته الانتخابية. فقد اتهم بينيت حليفه السابق بتحمل “مسؤولية شخصية ومباشرة” عن الكارثة بحسب وصفه.

وهنا تحديداً يمكن أن تصبح القضية خطيرة بالنسبة إلى نتنياهو، تقول “ليبراسيون”، موضحة أن المعارضة كي تتمكن من الفوز، لا يكفي أن تحشد اليسار أو الوسط، وهما معاديان لرئيس الوزراء إلى حد كبير؛ بل عليها أن تنتزع بعض المقاعد من الناخبين اليمينيين.  وهذا هو بالضبط ما يحاول نفتالي بينيت، وكذلك غادي آيزنكوت، القيام به: استقطاب ناخبين يتمسكون بخط أمني متشدد، لكنهم سئموا من بنيامين نتنياهو.

أما إلى يمينهما أكثر، فقد بدأ الجنرال السابق أوفير فينتر حملته الانتخابية على أساس رفض التحالف مع من يعتبرهم مسؤولين عن إخفاق 7 أكتوبر.

واعتبرت “ليبراسيون” أن الخطورة السياسية للقضية تكمن في أنها تعيد حملة الانتخابات التشريعية المقررة في 27 أكتوبر بصورة مفاجئة إلى الساحة التي حاول نتنياهو تجنبها طوال ثلاث سنوات: ساحة مسؤوليته الشخصية عن أكبر كارثة أمنية في تاريخ إسرائيل.

وتأتي هذه التطورات خصوصاً في وقت يعمل فيه حزب الليكود وعدد من رموز الائتلاف الحكومي على الترويج لرواية معاكسة تماماً. فخلال الأسابيع الأخيرة، امتلأت الحملة الانتخابية بنظريات مؤامرة، توحي بأن مسؤولين في المنظومة الأمنية أو خصوماً لنتنياهو كانوا على علم بالهجوم، وسمحوا بوقوعه، بل ذهب البعض إلى حد اتهامهم بـ”خيانة” البلاد.

وقد لمّحت سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء، على القناة الـ14، المقربة من الحكومة، إلى أن يائير غولان، النائب السابق لرئيس أركان الجيش والذي يرأس اليوم حزب “الديمقراطيين” اليساري، كان يعرف شيئاً مسبقاً عن الهجوم، لأنه وصل إلى جنوب البلاد في وقت مبكر جداً من ذلك الصباح. لكن غولان كان قد توجه بمبادرة شخصية منه إلى محيط مهرجان “نوفا”، حيث شارك في إنقاذ عدد من الأشخاص.

كما ردد نواب آخرون من حزب الليكود اتهامات بـ”الخيانة” أو أثاروا الشبهات حول المؤسسة الأمنية. وقد احتلت هذه النظرية مساحة كبيرة إلى درجة أن شالوم يروشالمي، المحلل السياسي في موقع “زمان إسرائيل” الإخباري، رأى الأسبوع الماضي أن “الخيانة” أصبحت رسالة مركزية في حملة الليكود بشأن أحداث 7 أكتوبر.

وحتى عندما يرفض بنيامين نتنياهو استخدام كلمة “خيانة” بصورة رسمية، فإن خصومه يتهمونه بتغذية رواية مفادها أن الكارثة لم تكن نتيجة انهيار سياسي وأمني جماعي، بل نتيجة مؤامرة من جانب “الدولة العميقة” المعادية له، والتي كانت تسعى إلى إضعافه.

أما المعلومات الجديدة، فتقلب هذه الاتهامات رأساً على عقب بصورة مفاجئة: ماذا لو كان الشخص الذي تلقى التحذير هو نتنياهو تحديداً؟

لا يسمح أي استطلاع حتى الآن بقياس تأثير المعلومات الجديدة على رئيس الوزراء، الذي لا يزال يحتفظ بقاعدة انتخابية صلبة بصورة لافتة رغم الأزمات المتعاقبة. وقد اختار مكتب نتنياهو، يوم الثلاثاء، الرد فوراً بالهجوم المضاد، نافياً بشكل قاطع أن يكون رئيس الوزراء قد تلقى التحذير المنسوب إلى الزعيم الإماراتي.

لكن رئيس الوزراء يدخل هذه المعركة في وضع أقل راحة بكثير مما كان عليه خلال الانتخابات السابقة، توضح “ليبراسيون”، مشيرةً إلى أن استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل هذه القضية الجديدة كانت تمنح بالفعل معسكره عدداً من المقاعد بعيداً عن عتبة الـ61 نائباً اللازمة لتشكيل أغلبية، في حين كان حزب آيزنكوت ينافس حزب الليكود على الصدارة.

قد يخسر حزب نتنياهو نحو ثلث مقاعده مقارنة بما حصل عليه في انتخابات عام 2022. والأهم من ذلك أن هذه المعلومات تضرب بنيامين نتنياهو في صميم الحجة التي بنى عليها مسيرته السياسية: حجة أنه الزعيم الذي لا غنى عنه عندما يتعلق الأمر بالأمن، تضيف الصحيفة الفرنسية.  كما أنها تعقّد محاولته تحميل الجيش وأجهزة الاستخبارات الجزء الأكبر من المسؤولية عن أحداث الـ7 أكتوبر.

ومع اقتراب ذكرى الأحداث، يُتوقع أن يعود النقاش بقوة إلى سؤال لم تحسمه قرابة ثلاث سنوات من الحرب حتى الآن: من كان يعرف ماذا، ومن يجب أن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟ تتساءل “ليبراسيون”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *