ما الوضعُ الراهن للإبداع الروائي الآلي اليوم؟
تحدثت في مقالٍ في «القدس العربي» قبيل أيام عن أول مسرحية كتبها الذكاء الاصطناعي، من دون حرفٍ واحد استخدمه الإنسان: «المنجم، أو خداع الفأل»، عُرِضتْ يوم 5 مايو/أيار 2026، خلال ساعتين، ونالت استحساناً عاماً كبيراً.
لم ينتهِ شهر مايو هذا قبل اندلاع صخبٍ إعلامي حول ما صرحتهُ الحائزة جائزة نوبل في الآداب عام 2018، أولغا توكارتشوك، عن علاقتها الإبداعية بالذكاء الاصطناعي أثناء كتابة رواياتها! اعترفت إثر تداعيات ما قالتْه في منتدى مهم في وارسو عن ذلك، عبر منشورٍ فيسبوكي في 19 مايو 2026، أنها تلجأ للذكاء الاصطناعي دائماً عند البحث (صار أفضل من كل المراجع التقليدية بالنسبة لها)، وتخاطبه أحياناً عند كتابة روايتها: «حبيبي، كيف أطور هذه الفكرة على نحوٍ جميل؟».
تستعينُ بهِ كوسيلةٍ لاندلاع شرارة هذه الفكرة أو تلك، لربط علاقات متباعدة بين الأحداث والأفكار، لا تخطر ببالٍ عادةً، والمعلومات والمعارف، أو لمقترحاتٍ أسلوبية.. لكنها لا تستخدمه ككاتبٍ بديلٍ لها، كما وضحت ذلك في منشورها، بعد ضجة الردود حول ما قالته في المنتدى.
رأت النوبلية أنه سيخترق مجال الإبداع الأدبي أكثر فأكثر، بفضل تسريعه للكتابة الروائية وتطويره لها، لأننا في عالمٍ لا يستطيع معظمُ الكتاب أن يعيشوا فيه من رزق مجهود إبداعهم. عالَمٌ محكومٌ بِتشتتِ البال، وضعفِ المقدرة على التركيز أثناء القراءة والكتابة، من فرط ضجيج الشاشات وتأثير «عالم الاستعراض» على الكتاب والقراء معاً. فمثلما غيرتِ الصورةُ الرقمية والهاتفُ وسائلَ تعبيرنا، سوف يُغير الذكاءُ الاصطناعي، ولا شك، من أشكال الإبداع الأدبي وسيدمجه بتعددِ الوسائط التوليدية، كما نلاحظ ذلك أكثر فأكثر. لذلك مثلاً تشارك الأديبة البولندية (المهتمة بالتاريخ والذاكرة) في مشروع لعبة فيديو مستقاة من إحدى رواياتها، بغية البحث عن الوسائل العصرية الجديدة التي تسمح بأن يظل الأدب متصلاً بعصره، حاضراً في زمن ضعفِ الانتباه، وغزو الشاشات والتكنولوجيا التوليدية لحياة الإنسان، وصعوبةِ قراءة الروايات الضخمة، كرواياتها، جراء ذلك.

نلاحظ اليوم جميعاً أن غزو الإبداع الاصطناعي لِعالَم الرواية يتقدمُ بِخطىً حثيثة:
ثمة جوائز أدبية، لاسيما في اليابان والصين، مثل جائزة «هوشي شينيشي» اليابانية (باسم الكاتب الياباني الذي يُطلَقُ عليه أحياناً: «إله القصة القصيرة»)، في «التخييل التأملي»، التي تَسمح بأنْ تتقدمَ لها أعمالٌ كُتِبتْ كلياً أو جزئياً من قِبل الذكاء الاصطناعي، شريطة الاحتفاظ بسلسلة صيَغِ طلبات الرد («برومبتات» Prompts) التي قادت إلى النص النهائي، مع عقوبة لِمن يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي ولا يعلن عن ذلك. وثمة روايات من هذا القبيل نالت نجاحات مرموقة، أو مرت على لجنة التحكيم كما لو كانت روايات إنسانية!
ما جعل هذه الجائزة مشهورةً عالمياً، ليس فقط طابعها الأدبي الراقي، بل علاقتها المبكرة بالذكاء الاصطناعي. فمنذ بداياتها كانت منفتحةً على الأعمال «غير البشرية»، أي أنها لم تمنع مشاركةَ نصوصٍ مكتوبةٍ بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي. عرفت هذه الجائزة ضجة كبيرةً عام 2016، عندما شارك فريق بقيادة الباحث الياباني هيتوشي ماتسوبارا برواية كتبها جزئيا ذكاءٌ اصطناعي، وتمكنت من تجاوز المرحلة الأولى من التحكيم، من دون أن يعرف الحكام أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي!
في الصين نالت روايةُ «بلد الذكريات» (نص كفكاوي، من تأليف الذكاء الاصطناعي بواسطة 66 «برومبت»، بتوجيه البروفيسور الصيني شِنْ يونغ)، في عام 2023، الدرجةَ الثانية في مسابقة أدبية أجرتها «رابطة كتاب العلوم في مقاطعة جيانغسو».. بُعيد ذلك بفترةٍ صغيرة، أثارت ضجةً كبيرةً الروائيةُ اليابانيةُ ري كودان، التي فازت بأعلى جائزةٍ أدبيةٍ يابانيةٍ (أكوتاجاوا) عام 2024، عندما اعترفت بأن جزءاً (5%) من روايتها (التي قالت لجنة التحكيم إنها من دون شوائب!) خرج مباشرةً من صلب وترائب الذكاء الاصطناعي! اندلع حينها نقاشٌ عالمي، لم يتوقف، حول هوية الذكاء الاصطناعي كمساعدٍ خارجي لإنتاج النص الأدبي أم كشريكٍ في كتابته، وأين تقع الحدود بينهما.
هل يمكن أتمتة الإبداع الروائي؟
بكلماتٍ أخرى شبيهة: هل أضحى الإبداعُ الأدبي الاصطناعي (الذي كان حتى زمنٍ قريب تخييلاً لا غير) ماكينةً حقيقية لصناعة التخييل؟
أو هل يمكن لآلة تورينغ (انظر مقالي «فلسفة الذكاء الاصطناعي» في القدس العربي)، حتمية déterministe (تنفذُ خوارزمية)، تستمد معرفتها للغة من أطنانِ نصوصِ ما كتبه الإنسان، ولا تمتلكُ تجربةً ذاتيةً في الحياة كالإنسان، هل يمكنها ألا تلوك ما تعلمتْهُ، وأن تُبدِعَ نصوصاً أدبيةً أصيلةً جديدة، مدهشةً وعبقرية؟
لنلاحظ، عند مقاربة هذا السؤال، الآن أن الاستنادَ على مدونةٍ ما للرد ليس عائقاً للإبداع: الإنسانُ نفسه، مثل الآلة تماماً، يستمد معرفته من لغةِ محيطه وتراثها الذي وُلِدَ في رحابِه، يمتص تعابيرَها وقصصَها، يتعلمُ من بلاغتها وأساليبها، يربط بين أفكارها… ينبعُ إبداعه من استكشافاته لِعوالمها الشاسعة، من دمجه وتركيبه لأفكارها المتباعدة، ومن تحويله وتشكيله الهندسي لموادها الخام على نحوٍ غير بديهي أو حدسي غالباً. مثله، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي عملَ كل ذلك بالطبع، بل يمكنه تجاوز مقدرات الإنسان فيه، على نحوٍ أسرع وأوسع وأكثر إدهاشاً، لاسيما في مجالات الإبداع الاستكشافي، ودمج المواد الآتية من فضاءات متباعدة، تبدو لا علاقة بينها، في أولِ وهلة. لأن نموذجَه اللغوي LLM يحتوي على آلاف مليارا ت المؤشرات التي تستوعب كل ما مكتوب على الإنترنت من كتبٍ ونصوص وبيانات عملاقة؛ ولأن فضاء متجِهات vecteurs الكلمات، في نموذج اللغة، يسمح بمعرفةِ السياق اللغوي لكل كلمة، وبِتقاربِ كل ما يمكن تقاربه من علاقات لغوية ومعرفية، وما يغيب عن ذهن الإنسان أحياناً، أو غالباً في الحقيقة.
ناهيك عن مقدرات الذكاء الاصطناعي الخارقة (هو الذي يجيد التقليدَ أيما إجادة) على تجريبِ عددٍ هائلٍ من الأساليب اللغوية ودمجها وتنويعها. لنتذكر أن الذكاءَ الاصطناعي لعب ضد نفسه أكثر من مليون مباراة في لعبة «ألغو»، خلال ثلاث أسابيع، ليكتشف استراتيجيات جديدةً هزم بها بطل العالَم جي سيدول في 2016 في يومٍ تاريخي شهير، يختلفُ ما قبله عما بعده؛ وأنه استطاع التفوق في امتحانات جامعية عديدة، ذات أسئلةٍ مبتكرة لا حلول لها على الإنترنت. أما كون ماكينة تورينغ حتمية، فذلك لا يعني أن نتائج حوسبتِها معروفةٌ مسبقاً: كثيرٌ من ظواهر الحياة تخضعُ لِقوانين فيزيائية حتمية (كالطقس الجوي) في حين لا يمكن التنبؤ بها على نحوٍ مسبق، من دون الحديث عن مساق الصدفة وتعدد الاحتمالات التي يمكن للخوارزميات أن تنطوي عليها. ثم إن «التراكمات الكمية تؤدي إلى تحولٍ نوعي»، كما تنص عليه قوانين الديالكتيك الهيغلي، أي أن الجديد غير البديهي، بل المدهش، يمكن أن ينبع من تراكمات مواد خام بسيطة بديهية.
يبقى الاعتراض الجاد لإمكانية أتمتة الإبداع الأدبي، الذي يقول: ليس للآلة تجربة وذاكرة ذاتية، أو معاناة اجتماعية، تسمح لها بالإبداع الاصطناعي! يمكن بسهولة اعتراضُ هذا الاعتراض الساعي لِترسيم حدودٍ أنطولوجية لا يستطيع الإبداعُ المحوسبُ تجاوزَها، ودحضُه في رأيي أيضاً. يذهب بالي مباشرةً، قبل الخوض في ذلك، إلى مثلٍ صيني، استخدمه الرئيس السابق دينغ بينغ: «لا يهم أن يكون القط أبيض أو أسود، المهم أن يجيد اصطياد الفئران». لعل تحديث هذا المثل في عصرنا هو: «لا يهم أن يكون القط بيولوجيا أو روبوتاً، المهم أن…».
بديهي طبعاً أن الآلة لا تمتلك جهازاً عصبياً إنسانياً وتجربةً حياتيةً خاصة، لكنها قادرة على تعلمِ إدراك محيطها، وعلى تعلمِ وتمثلِ التجارب الإنسانية ومحاكاتها في نصوصٍ ذات تنوعاتٍ لا عد لها، على نحوٍ ماهرٍ بديع، لا يستطيع القارئُ التمييزُ بينه وبين الإبداع الإنساني.
لماذا؟
ثمة أسبابٌ عديدةٌ لذلك، منها:
1) يمتلك الذكاء الاصطناعي وسيلتيه، الاتصالية والرمزية، لمحاكاة المقدرات الذهنية الإنسانية: أ) التعلم العميق بالعصبونات الاصطناعية. (ب) المنظومات الاستنباطية، اللتين تحدثت عنهما كثيراً في مقالي في «القدس العربي»: «ما الذكاء الاصطناعي الفائق؟».
«التعلمُ العميق»، كما قلنا مراراً، «صندوق باندورا» لا حدود لمقدراته ولا يمكن كبح جماحه في مجالٍ ما. عندما تنضاف له مقدرات المنظومات الاستنباطية، ذات القواعد المنطقية التي تضم معارفَ وخبرات تتطور على الدوام، يستطيع الذهاب بعيداً في محاكاته واستقلاليته، وفعالية حلوله الإبداعية الجديدة، على غرار العقل البشري، بل أكثر ربما بفضل مزاياه الخاصة. يُجيد ممارسة التجريب (كما لعب ضد نفسه في لعبة «ألغو») لاستكشاف استراتيجيات جديدة لِحلوله، وتطوير وتحسين نفسه على الدوام.
2) يلزم أخذ عامل الزمن بِعَين الاعتبار في مجال الإبداع الاصطناعي، الذي يرى البعضُ أنهُ سيكون «آخر حدود الذكاء الاصطناعي». لم يصل الذكاء الاصطناعي نفسُه إلى مرحلته اليوم إلا بعد عقودٍ طويلة عرف فيها أكثر من شتاء وربيع، منذ 1956. والتعلم العميق يحتاج إلى تدريبٍ طويلٍ وتجريبٍ واسع، خاصةً أن الأعمال الروائية لا تتراكم بسهولة في مدونة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسبب حقوق الطبع والتأليف.. ومع ذلك، تسير الأمور بسرعة تخترق هذه العوائق:
يتعلمُ الذكاء الاصطناعي من سلسلة «البرومبتات» التي تطلب منه إعادة كتابة فصول هذه المسرحية أو الرواية، أو تلك، ويستوعب استراتيجيتَها. يتعلم من أخطائه ونواقصه دوماً، مثل «نسيانه الكارثي» لبدايات أعماله الأدبية الطويلة..
يتطورُ لذلك سريعاً جداً، كعادته. ناهيك عن أن تعلمَه فن الإبداع لا يعتمد فقط على التدريبِ من مدوناته، واستلهامِ تجاربه، بل هناك باحثون يشتغلون على خوارزميات خاصة لبعض سيرورات الإبداع الأدبي، لإدخالها ضمن ماكينة الإبداع الاصطناعي، في مجالات محددة، انطلاقاً مثلاً من أن الإبداع الإنساني ينبثقُ ويتأتى غالباً من تصادمات الأفكار غير المتوقعة، يولد من الربط بين علاقاتٍ نادرةٍ أحياناً، يندلع من تحولاتٍ مفاجئةٍ مدهشة في لحظاتٍ ما..
فكما لاحظت في مقالي عن مسرحية الذكاء الاصطناعي المولييرية، احتاج الباحثون، بفضل دروس هذه التجربة، إلى مس خوارزميات «الذكاءِ الاصطناعي التوليدي» نفسِه، عند الإسفاف في صياغة الاستعارات، أو عدم تركيز الخطاب.
وعلى نحوٍ خاص، احتاجوا لِتوسيع وتضبيط ذاكرة الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالنص الذي يُؤلفه هو نفسُه: لاحظوا أنه كان ينسى أحياناً سياق أحداثٍ كتبَها، في بدء المسرحية، ولزمهم تذكيرهُ بها!
ثلاثة أجناسٍ لِمستقبل الرواية: إنساني، إنساني – آلي، آلي
يبدو جلياً الآن أن مستقبلَ الإبداعِ الروائي سيكون متنوعاً وهجيناً، وثرياً أيضاً. ستتضاعف فيه الإنتاجات الروائية التي سيكون للذكاء الاصطناعي فيها دور أكبر أو أقل، أكان ذلك بنسبةٍ ما في مجمل النص، على غرار رواية اليابانية ري كودان؛ أو عبر حضورٍ فعالٍ غير مباشر، على غرار صاحبة نوبل 2018.
لعل هذا الجنس الروائي الآلي – الإنساني سيكون له، في تقديري، نصيبُ الأسد في مجموع الإنتاج الروائي المستقبلي، وسينتشر بثراءٍ كمي ملحوظ، مُمِل أحياناً عند الإسفاف الآلي، غير المعجون بروحِ الكاتب. لن يختفي الجنسُ التقليدي الروائي الإنساني البحت، بالعكس. سيكون له حضورٌ ثابت، بل ستزداد في هذا الجنس الرغبةُ في الحفاظ على صوتٍ إنساني نقي، «بلا شوائب»، من قِبَل كثيرٍ من «حراسِ معبدِهِ» الأشاوس. بيد أن ما لا يمكن سبر أغواره من الآن هو مستقبل الجنس الثالث الأكثر غموضاً وفرادة: الإبداع الروائي الآلي المحض.
كما يبدو، يمر هذا الجنسُ حالياً بمرحلة التوجيهِ الإنساني له، عبر سلسلة من «البرومبتات». يتعلمُ منها كثيراً وسريعاً في طورِهِ الجنيني الحالي، على طريق استقلاله المستقبلي البعيد؛ ويتعلم كذلك من خوارزميات إنتاج الإبداع الاصطناعي التي تواكب تطورَه، بجانب استمرار تعلمِهِ التقليدي الدائم مما يتيسر من رواياتٍ قيمةٍ تتسلل إليه، رغم حقوق دور النشر التي تمنع ذلك. بعد أن تترسخَ مداميكُ هذه المرحلة الأولية وتتشكلَ بنيتُها، وبعد أن يجتازَها الإبداعُ الآلي بنجاح، سوف يبدأ هذا الإبداعُ الآلي الخارق عصراً مدهشاً جديداً في تصوري.
سيستغلُ مقدراته الفريدةَ في المزج بين أحداث ومعارف متباعدة، على نحوٍ مدهشٍ ألمعي؛ وبين أساليب بلاغية مختلفة)، وبين ألوان أدبية نابعةٍ من ثقافات إنسانية عديدة؛ تنضافُ لها مقدراته البارعة على التقليد «الباستيشي» أو الإدهاش، وعلى التجريب بسرعةٍ خارقةٍ وبكمياتٍ خيالية؛ سيستغل كل ذلك معاً لِيُنجبَ، كما اتوقع، أدباً روائياً رفيعاً وفريداً من طرازٍ جديد، أدبُ المستقبل! أدبٌ «آتٍ من خارج الكون»، كما سيطلَقُ عليه ربما، على غرار ما قيل عن النقلة 37 من مباراته التاريخية الثانية ضد جي سيدول، بطل العالَمِ السابق في أصعبِ لعبةٍ عقلية؟!
من يدري؟!
كاتب يمني