مع استمرار الأزمة في منطقة الخليج تبقى الأنظار مشدودة إلى مضيق هرمز الذي يعبر من خلاله ربع احتياجات العالم من النفط. ربما لم تكن الممرّات المائية في السابق تحظى بهذا المستوى من الأهمية، ولكنّ الأمر تغيّر كثيرا في السنوات الأخيرة. وبرغم تطور وسائط الشحن ما يزال الشحن البحري يمثل شريان الحياة للعالم. فالنفط لا يمكن نقله بكفاءة إلا باستخدام الناقلات النفطية العملاقة التي تصل حمولة بعضها إلى أكثر من مليوني برميل، وقد تصل إلى 4 ملايين.
ومنذ قرون سعت دول العالم لإيجاد منافذ مائية لاختصار المسافات. ويعتبر كلٌّ من قناة السويس وقناة بنما من أهم الإنجازات في هذا الجانب. فقد افتتحت قناة السويس للملاحة البحرية رسمياً في 17 نوفمبر 1869، وذلك في حفل أسطوري أقامته مصر في عهد الخديوي إسماعيل بحضور العديد من ملوك وأمراء أوروبا. بينما افتُتحت قناة بنما رسمياً في 15 أغسطس 1914، وذلك بعد أن أتمّت الولايات المتحدة المشروع الذي بدأته فرنسا. هذا الممر المائي يعبر برزخ بنما، ويصل ما بين المحيطين الأطلسي والهادئ. ليختصر مسافة رحلة السفن ما بين مدينة نيويورك وسان فرانسيسكو إلى أقل من 8,370 كيلومتر. وفي الفترة التي سبقت شق هذه القناة، كان على السفن التي تقوم بمثل تلك الرحلة، أن تبحر حول أمريكا الجنوبية قاطعة نحو 20,900 كيلومتر. بدأت أول محاولة لبناء القناة في عام 1880 تحت القيادة الفرنسية، ولكن تم التخلي عن بنائها في العام 1883 بعد أن توفي 21900 من عمّال بنائها وذلك بسبب تفشّي الأمراض (وخاصة الملاريا والحمى الصفراء) والانهيارات الأرضية.
ويتضح من التضحيات البشرية الكبرى التي قُدّمت أهمّيّة هذه الممرّات للملاحة الدولية التي تزداد توسّعا مع توسّع التجارة العالمية. ويمثّل مضيق هرمز الشريان الرئيس للملاحة الدولية كونه الممرّ الذي تعبره الناقلات العملاقة المحمّلة بنفط كبريات الدول النفطية في العالم، السعودية وإيران والعراق والكويت. صحيح أن بعض الدول يسعى لنقل نفطه عبر أنابيب عملاقة لتجاوز التصدير عبر الخليج، ولكن تلك المحاولات محدودة. ومن بين تلك الأنابيب ما يعرف بـ «خط التابلاين» وهو خط أنابيب عملاق يمتد لمسافة 1648 كيلومتراً. افتتح في العام 1950 لنقل النفط السعودي من حقول المنطقة الشرقية (القيصومة) إلى ميناء صيدا على البحر الأبيض المتوسط، مما شكّل حلقة وصل حيوية لإمداد الأسواق الأوروبية عبر الأردن وسوريا ولبنان. وهناك أنبوب أبوظبي للنفط الخام الذي يمتد لمسافة 406 كيلومترات، ويربط حقول «حبشان» في أبوظبي بميناء «الفجيرة» على خليج عمان، وتبلغ سعته التصديرية 1.5 مليون برميل يومياً. وهناك خط أنابيب شرق-غرب السعودية الذي يمتد من المنطقة الشرقية وينقل النفط إلى ميناء «ينبع» على ساحل البحر الأحمر، مع دراسات لتوسيع طاقته الاستيعابية. كما أن هناك أنبوب النفط العراقي عبر السعودية الذي يمتد بطول 1568 كيلومتراً من حقول الزبير في العراق وصولاً إلى مدينة ينبع السعودية، برغم أن تشغيله توقف منذ عقود ولا يزال قيد الدراسة لإعادة التأهيل. وهناك مشاريع مقترحة تدرسها دول الخليج لإنشاء مسارات إضافية، بما في ذلك شبكة تمرّ عبر صحراء الربع الخالي وصولاً إلى سواحل بحر العرب. أمّا الآن فما يزال مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس هي المعابر الأساسية للنفط الخليجي. فبرغم البحث المتواصل عن بدائل للوقود العضوي (النفط) والغاز، ما تزال هذه السلعة تمثل الخيار الأول للطاقة في العالم. ومنذ عقود تواصلت البحوث عن تلك البدائل، وأصبح بعضها مصدرا مهمّا للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية. وتمثل مصادر الطاقة البديلة والمتجددة حالياً قرابة 15% إلى 20% من مزيج الطاقة العالمي، بينما لا يزال الوقود الأحفوري (النفط، الغاز، والفحم) يهيمن على النسبة الأكبر (أكثر من 80%).
ويجدر التأكيد على أن استخدام المضائق المائية سلاحا في الصراعات الدولية ليس جديدا. فقد استُخدمت الممرات المائية والمضائق الاستراتيجية كأسلحة فاعلة في الحروب، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط. وتُستخدم هذه الممرات للسيطرة على حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، أو شلّ حركة الاقتصاد عبر فرض الحصار البحري وقطع خطوط الإمداد. وفي أوقات الصراع تعمد الدول أو الجماعات إلى إغلاق المضائق الحيوية لمنع عبور السفن التجارية وناقلات النفط، مما يشكّل سلاح ردع وضغط اقتصادي. ومن الأمثلة التاريخية البارزة لاستخدام المضائق في الصراعات السياسية إغلاق مضائق «تيران» (في المياه الإقليمية الفاصلة بين مصر والسعودية) في حرب 1967. كما تُعد الألغام من أكثر الأسلحة البحرية فاعلية نظرا لتكلفتها المنخفضة وقدرتها على شلّ الحركة في الممرات المائية وإجبار السفن على تغيير مساراتها. وعند اشتداد الصراعات تُزرع الألغام في المياه الإقليمية أو الممرات الدولية لإعاقة الملاحة وفرض حصار بحري على موانئ العدو. وفي الشهور الأخيرة من الحرب العراقية – الإيرانية استُخدمت الألغام لعرقلة حركة السفن خصوصا النفطية في مياه الخليج، وقامت الأساطيل الأمريكية بعدها بمصاحبة السفن الكويتية لحمايتها من الاستهدافات الإيرانية التي كانت تستخدم صواريخ من بينها «سيلك وورم» الصينية وهاربون الأمريكية وإكسوسيت الفرنسية التي اشتراها الشاه قبل الثورة.
يمثّل مضيق هرمز الشريان الرئيس للملاحة الدولية كونه الممرّ الذي تعبره الناقلات العملاقة المحمّلة بنفط كبريات الدول النفطية في العالم
وهكذا تتضح أهمّيّة النفط اقتصاديا وسياسيا، بحيث أصبحت مصادره ووسائط نقله ومصانع تكريره على رأس الاهداف في الحروب. فلا يمكن الاستمرار في ممارسة الحياة الطبيعية من قبل الشعوب بدون وجود الطاقة التي تمثل عصب الحياة. وفي حالة الحرب تعمد الدول لشلّ حركة مناوئيها بحرمانهم من الطاقة خصوصا النفط. ولذلك عمدت أوكرانيا لاستهداف البنية التحتية للطاقة في روسيا منذ الأيام الأولى للحرب بين البلدين. وفي الأسبوع الماضي أظهر تحليل أجرته قناة «الجزيرة» القطرية، استنادا إلى صور أقمار صناعية وبيانات من مصادر مفتوحة، أن البنية التحتية الروسيّة للطاقة تعرّضت لأكثر من 30 هجوما أوكرانيًّا خلال يونيو/حزيران الماضي والنصف الأول من يوليو/تموز الجاري. وخلال شهر ونصف، واصلت القوات الأوكرانية استراتيجيتها الرامية إلى وقف الإمدادات، عبر تنفيذ ضربات مكثفة ومباشرة استهدفت منشآت الطاقة داخل روسيا. وفي الأسبوع الماضي أثار هجوم أوكراني جديد نُفّذ بطائرة مسيّرة على ناقلة نفط روسية خلال دخولها القناة التي تربط بحر آزوف بالبحر الأسود، مخاوف جدّيّة من تداعيات الهجمات المتواصلة على البنى التحتية ووسائل نقل إمدادات الطاقة عبر البحرين الأسود وآزوف.
إن أمن مضيق هرمز وسلامة الملاحة فيه ضرورة لضمان وصول الطاقة للغرب. ولذلك فإن بقاءه مفتوحا للملاحة يصب لمصلحة الأطراف المتحاربة. فليس من مصلحة إيران أن تغلقه لأنها تسد أحد أهم منافذ نفطها. كما أن الغرب سوف يتضرر كثيرا إذا أغلق هذا الممر الحيوي.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لم تُكتشف حديثا، بل كان يحظى بأهمية قصوى منذ قرون. ويمتد تاريخ الصراع على هذا المضيق قرونا؛ بدءاً من السيطرة البرتغالية عام 1507، مروراً بالعهد الصفوي في العام 1622، ثم الهيمنة البريطانية حتى العام 1971. وفي العصر الحديث، تصاعدت حدة التوترات لتشمل حرب الناقلات في الثمانينيات، والصراع الإيراني الغربي، وصولاً إلى أزمة إغلاق المضيق الأخيرة وتبعاتها على الملاحة الدولية. فالفرقاء يعلمون أن غلق المضيق لا يحتاج جهدا كبيرا لأن سعته لا تتجاوز الثلاثين كيلومترا، وهي مسافة قصيرة يسهل استهدافها بالغلق من قبل الأساطيل العملاقة التي تمتلكها الدول. بل أن العالم مستعدّ لخوض حرب كبرى لضمان بقاء هذا المضيق مفتوحا، على غرار حرب السويس قبل سبعين عاما. وتدرك إيران هذه الأهمّيّة، وكذلك سلطنة عمان التي تشترك مع إيران لتنظيم الملاحة فيه. كما أن دولا أجنبية مثل الصّين لا تقبل بإعاقة الحركة فيه لكي لا تتضرّر تجارتها العملاقة مع منطقة الخليج. وتقول الأرقام المتوفرة أن ما بين 40% إلى 45% من واردات الصين النفطية يمر عبر هذا المضيق، حيث تتصدر الصين قائمة مستوردي النفط عبره بحصة تصل إلى 38% من إجمالي الشحنات. ويشكل هذا الممر الحيوي شرياناً استراتيجياً لاقتصادها، مما يجعل أي اضطراب فيه تهديداً لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وتمر عبر مضيق هرمز، حسب وكالة الطاقة الدولية شحنات تقارب 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، تعادل نحو 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، ويتجه قرابة 80% منها إلى آسيا.
الحديث عن احتمالات غلق مضيق هرمز أثار قلقا واسعا لدى الدوائر المرتبطة بالنفط، وأثر ذلك على أوروبا وبقية أنحاء العالم، ودفع السياسيين المعنيين بالأزمة للمشاركة في النقاش حول تداعيات ذلك.
٭ كاتب بحريني