الجزائرـ “القدس العربي”: تحتفي الجزائر هذا العام بذكرى مرور 70 سنة عن مؤتمر الصومام (20 أغسطس 1956) المحطة الأبرز في تاريخ الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي وهجمات الشمال القسنطيني سنة قبل ذلك (20 أغسطس 1955)، وهي مناسبة مزدوجة تتكثف فيها الرسائل السياسية سواء من قبل السلطة أو المعارضة كما تبرز فيها نقاشات الهوية والتصورات العامة للدولة.
وفي رسالته هذه السنة، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن هجومات الشمال القسنطيني وانعقاد مؤتمر الصومام شكلا محطتين بارزتين في مسار الثورة التحريرية، مشيرا إلى أن الشعب الجزائري يستحضر من خلالهما تضحيات المجاهدين والشهداء وما وصفه بالدروس التاريخية التي تظل حاضرة في الذاكرة الوطنية.
وأوضح تبون أن ما تختزنه المناسبة من دلالات يرتبط بـ”العبقرية” التي ألهمت جيل نوفمبر، والتي مكنته من صون شعلة الثورة ومواكبة ضرورات التطور والتوسع والانتشار، في إطار الأهداف التي حددها بيان أول نوفمبر.
وأضاف أن الثورة واجهت المخططات الاستراتيجية للسلطات الاستعمارية التي كانت تراهن، بحسبه، على الاحتفاظ بالجزائر تحت الاحتلال والإبقاء على سيطرتها عليها، واستخدام مختلف الوسائل للحيلولة دون تطلع الشعب الجزائري إلى العيش في الحرية والاستقلال.
وبخصوص هجومات الشمال القسنطيني، قال تبون إنها جسدت بقيادة الشهيد زيغود يوسف، أسمى القيم تحت راية جبهة وجيش التحرير الوطني. وأشار إلى أن هذه الهجومات خلفت “دروسا تاريخية عظيمة” وصفها بأنها “نبراس للحاضر والمستقبل”، معتبرا أنها أظهرت أن الجزائر كانت وستبقى “معتصمة بحبل التماسك والتلاحم والوحدة الوطنية”.
وفي حديثه عن مؤتمر الصومام، قال تبون إنه استشرف مشروعا متكاملا لتنظيم وإدارة الثورة في أبعادها العسكرية واللوجيستية والتنظيمية. وأضاف أن المؤتمر تناول أيضا البعد التشريعي من خلال إقامة مؤسسات تترجم فحوى الثورة في مختلف المجالات، ولا سيما المجالات العسكرية والسياسية والإعلامية، إلى جانب “التبشير بها في المحافل الدولية”.
وبحسب الرئيس الجزائري، فإن مؤتمر الصومام كان بذلك “مؤطرا للمشروع الثوري في جميع أبعاده” لمواجهة القوة الاستعمارية الفرنسية المدعومة من حلف شمال الأطلسي. وأضاف أنه أبدع “توازنا جديدا بين أطراف المعركة، تخطيطا وتنظيما”، معتبرا أن ثورة التحرير الوطني أصبحت، من خلال هذه المحطات، “الرقم الذي غيّر معادلة الاستعمار التقليدي ليس في الجزائر فحسب، ولكن لدى كل المستضعفين في الأرض”.
وخارج الرسالة الرئاسية، استعادت السلطات هذه المناسبة من بوابة علمية وأكاديمية، من خلال الإشراف على الملتقى الدولي “ثقافة المقاومة بين التاريخ والذاكرة والمخيال”، الذي افتتح بولاية بجاية وبمشاركة عدد من الباحثين والمؤسسات المعنية بالتاريخ والذاكرة.
وقال وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت، في كلمته خلال افتتاح الملتقى، إن مؤتمر الصومام، شكل “المنعطف الخالد” في مسار الثورة، ووصفه بأنه كان بمثابة وقفة لتقييم المسار الثوري وإعادة هيكلة أطره، بما سمح، وفق طرحه، بتوسيع آفاق الثورة وتحسين تنظيمها ورفع قدرتها على مواجهة الاستعمار.
وأضاف أن المؤتمر أتاح للثورة “فسحة من التأمل وإعادة الهيكلة”، قبل أن يساهم في بلورة تنظيم قال إنه كان كفيلا بضمان شروط مقارعة الاستعمار وتحقيق النصر والسيادة.
وتأتي هذه المقاربة الرسمية في وقت لا تزال فيه ذكرى مؤتمر الصومام تفتح، كل عام، مساحة لنقاشات تتجاوز الحدث نفسه إلى أسئلة السياسة والدولة والهوية. فالمؤتمر الذي انعقد في قرية إفري أوزلاقن بولاية بجاية شرق الجزائر، بعد أقل من عامين على اندلاع الثورة، لم يكن مجرد اجتماع عسكري، وإنما شكل محطة لإعادة تنظيم الثورة وتحديد هياكلها وتوزيع المسؤوليات بين مختلف مناطقها.
ومن أبرز ما ارتبط بالمؤتمر ما عرف لاحقا بمبدأ “أولوية السياسي على العسكري” و”أولوية الداخل على الخارج”، وهما مبدآن ظلا حاضرين في النقاش السياسي الجزائري، بالنظر إلى ما حملاه من تصورات بشأن طبيعة قيادة الثورة ثم الدولة لاحقا وآليات اتخاذ القرار واستقلالية الحركة الوطنية عن التأثيرات الخارجية.
وفي المقابل، ظل مؤتمر الصومام محل قراءات نقدية منذ سنوات الثورة نفسها، خصوصا من جانب شخصيات اعتبرت أن بعض مخرجاته مثلت انحرافا عن مسار الثورة أو محاولة لإعادة توجيهها سياسيا. وكان الرئيس الأسبق أحمد بن بلة من أبرز الشخصيات التي عارضت توجهات المؤتمر، قبل أن يتحول الخلاف حول الصومام إلى جزء من الصراعات السياسية التي طبعت تاريخ الثورة وما بعد الاستقلال.
ويعود هذا الجدل إلى الواجهة بصورة مختلفة في كل ذكرى، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتقييم ما حدث في صيف 1956، وإنما أيضا بكيفية قراءة ذلك الحدث اليوم، وبالمرجعية التي ينبغي أن تستند إليها الدولة الجزائرية في تعريف تاريخها وهويتها ومشروعها السياسي.
وفي العام الماضي، تزامنت ذكرى مؤتمر الصومام مع طرح بيان سياسي وقّعته شخصيات حزبية وأكاديمية وحقوقية ومدنية من التيار الديمقراطي، دعا إلى حوار وطني شامل، مستحضرا ما اعتبره الموقعون روح الوحدة الوطنية والسيادة الشعبية التي أقرها مؤتمر الصومام.
وربط أصحاب البيان بين استحضار المؤتمر وبين قضايا سياسية معاصرة، معتبرين أن مبادئ مثل أولوية السياسي على العسكري، وأولوية القانون على السلطة الشخصية أو الفئوية، وأولوية الديناميكيات الداخلية على التأثيرات الخارجية، لا تزال صالحة للنقاش في الجزائر.
كما طرح الموقعون تصورا لدولة مدنية ديمقراطية قائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة، مع التشديد على الوحدة الوطنية القائمة على التنوع الثقافي واللغوي.
وينتظر أن تظهر هذه السنة أيضا قراءة سياسية للمناسبة من جانب أحزاب في المعارضة، منها جبهة القوى الاشتراكية “الأفافاس”، التي أعلنت تنظيم وقفة ترحمية ووضع إكليل من الزهور في إفري أوزلاقن يوم 20 أغسطس معتبرة أن إحياء الذكرى يتجاوز واجب الوفاء للذاكرة إلى استحضار “رؤية سياسية للجزائر، وتصور للأمة، وطموح تاريخي” لا تزال أبعاده حاضرة بعد سبعة عقود.
وقالت القوى الاشتراكية إن استذكار هذه الأحداث المؤسسة يمثل، بالنسبة إليها، تأكيدا للوفاء للروح التي حملتها والقيم التي ألهمت الكفاح من أجل الاستقلال، معتبرة أن معاني الاستقلال تكتمل حين تقترن بالحرية، والعدالة، والديمقراطية، والكرامة.
وفي مقابل هذه القراءة السياسية، تفتح ذكرى الصومام أيضا نقاشا متكررا حول الهوية والمرجعية الوطنية. وكان مقال للرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، ذي التوجه الإسلامي، قد أثار جدلا العام الماضي، بعدما انتقد ما اعتبره محاولات للتنصل من الهوية التي رسخها بيان أول نوفمبر فيما يخص “إقامة الدولة الجزائرية ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، من خلال التركيز على مرجعية مؤتمر الصومام.
وذهب مقري إلى وضع بيان أول نوفمبر في موقع الوثيقة المؤسسة التي حددت أهداف الثورة ومرجعيتها الفكرية والدينية والحضارية، معتبرا أنه يمثل وثيقة إجماع وطني جمعت مختلف التيارات والمناطق، بينما وصف مؤتمر الصومام بأنه محطة تنظيمية لإعادة هيكلة الثورة وتوسيع نطاقها.
وأثار هذا الطرح ردودا من شخصيات وفاعلين في التيار الديمقراطي، رأوا فيه قراءة أيديولوجية للتاريخ ومحاولة للفصل بين وثيقتين ومحطتين متكاملتين في مسار الثورة. واعتبر القيادي في التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان بن الصيد أن مؤتمر الصومام أسهم في إنقاذ الثورة من الفوضى وإرساء قيادة جماعية، كما ربط بين إرث المؤتمر وبين تصور حزبه للجزائر باعتبارها جمهورية ديمقراطية واجتماعية.
ولا يتوقف النقاش عند العلاقة بين نوفمبر والصومام، بل يمتد إلى سؤال أوسع حول تعريف الهوية الوطنية وموقع مكوناتها. وقد اكتسب هذا النقاش أهمية إضافية خلال السنة الجارية، في ظل نقاشات سياسية ومجتمعية حول اللغة الفرنسية ومكانتها ومستقبل المدرسة الجزائرية وهويتها في ظل الإصلاحات التي أعلن عنها وزير التربية محمد الصغير سعداوي.