يدخل الزائر إلى نصب هوهنشونهاوزن التذكاري في برلين، وهو سجنٌ سابق ارتبط بتاريخ الاعتقال السياسي في ألمانيا الشرقية، ليجد نفسه أمام سجنٍ آخر: صيدنايا، على بعد 30 كيلومتراً شمال دمشق. لكن هذا الانتقال لا يتم عبر صورٍ أرشيفية أو شهاداتٍ منفصلة فقط، بل عبر نظارات الواقع الافتراضي التي تتيح له التجول في زنازين صيدنايا وممراته، وعبر مسارٍ يجمع الوثائق والخرائط والتحليل المعماري وإعادة البناء وشهادات الناجين، في محاولةٍ لفهم كيف اشتغل هذا المكان بوصفه منظومةً متكاملة للقتل خلال حكم عائلة الأسد في سوريا.
يُقام معرض «سجن صيدنايا: عمارة القمع والقتل في سوريا» بوصفه معرضاً توثيقياً تفاعلياً ينجزه متحف السجون، ويقارب السجن باعتباره مسرحَ جريمة ينبغي توثيق بنيته وتاريخه لفهم ما جرى داخله، في الخفاء، على مدى عقود. ولهذا يعتمد المعرض على الشهادات والوثائق والخرائط وإعادة البناء الافتراضي، لا ليقدّم روايةً عن السجن فحسب، بل ليشرح كيف عمل المكان نفسه كأداةٍ للعزل والتعذيب والإعدام. وتضيف إقامة المعرض في هوهنشونهاوزن طبقةً أخرى من المعنى، لأن المكان نفسه مكرّس لتاريخ السجن والاضطهاد السياسي في ألمانيا، ما يفتح حواراً بين تجربتين مختلفتين تتقاطعان عند أسئلة القمع والذاكرة والعدالة. هكذا، لا يبدو المعرض حدثاً ثقافياً عادياً في برلين، إنما كمحاولةً لتحويل مكانٍ صُمم يوماً للإخفاء والإنكار إلى مادةٍ عامة للفهم والتوثيق ومساءلة العنف في أماكن مختلفة من العالم.
وفي هذا السياق، يقول عامر مطر، مدير متحف السجون: «المعرض جزءٌ من عملنا لتوثيق المظالم التي شهدتها سوريا، وزيادة الوعي بها، ومحاسبة المسؤولين عنها، باستخدام أدوات الصحافة الاستقصائية من أجل العدالة، وبالدرجة الأولى، ومن أجل عائلات عشرات آلاف المفقودين. نريد أن نساند مسار مواجهة الماضي في سوريا، وهو مسار لم يتقدم حتى الآن إلا ببطء.»

سجون شتازي
لا تنفصل دلالة المعرض عن تاريخ المكان الذي يستضيفه. فـهوهنشونهاوزن «Gedenkstätte Berlin-Hohenschönhausen» كان، بين عامَي 1945 و1989، جزءاً من منظومات القمع المتعاقبة في ألمانيا الشرقية، إذ استُخدم أولاً معسكراً خاصاً للاستخبارات السوفياتية، ثم سجن تحقيق سوفياتياً، قبل أن يتحول منذ عام 1951 إلى سجن التحقيق المركزي التابع لوزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية. وبعد إغلاقه مع نهاية النظام الشيوعي، أُعيد افتتاحه عام 1994 بوصفه نصباً تذكارياً ومركزاً لتوثيق تاريخ الاعتقال السياسي. وفي هذا السياق، يقول مدير النصب، د. هيلغه هايدماير: «يمثل هذا المعرض، بالنسبة إلينا، فرصةً مرحباً بها لتوسيع تناولنا لقضايا الديكتاتورية والقمع من منظور ألماني إلى منظور دولي. ففي المقر السابق لوزارة أمن الدولة، نعرض معلومات عن القمع والعدالة السياسية مستندين إلى تجربة ألمانيا الشرقية مثالاً. وللأسف، فإن هاتين القضيتين تبدوان اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى».
تاريخ وعمارة العنف

يبدأ المعرض بجدارية كواحدةً من أهم مفاتيح قراءة سجن صيدنايا، لأنها تجمع بين مستويين متلازمين: التاريخ والعمارة. ففي قسمها الأول، يقدّم الخط الزمني سرداً مكثفاً للمحطات الأساسية في تاريخ صيدنايا، من بدء بنائه عام 1981 وافتتاحه رسمياً عام 1987، مروراً بـ«استعصاء اللبن» عام 1989 واستعصاء 2008 الدموي، ثم سنوات الثورة السورية وما رافقها من إعدامات وعنف وقتل، وصولاً إلى اقتحام السجن وتحرير المعتقلين في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وبهذا المعنى، يظهر صيدنايا في الجدارية جزءاً من تاريخ القمع السياسي في سوريا وتحوّلاته عبر العقود.
أما في قسمها الثاني، فتقدّم الخريطة المعمارية التفصيلية تشريحاً بصرياً دقيقاً للمبنى الأحمر، بأجنحته وطوابقه المختلفة، وتكشف توزيع الزنازين الجماعية والانفرادية، وغرف الحرس والمراقبة، وقاعة التفتيش، وغرفة الزيارة، وساحة التهوية، والمطبخ، وحتى منصة الإعدامات. أهمية هذا الجزء في أنه يدرس السجن معمارياً بوصفه منظومةً كاملة: المساحات، والارتفاعات، وأبعاد الزنازين، والعلاقة بين الممرات والأجنحة، ونقاط المراقبة، والمناطق الخارجة عن مجال الكاميرات، بما يوضح كيف استُخدم المكان نفسه أداةً للسيطرة والعزل والعقاب. كما تسمح هذه القراءة بفهم حياة السجناء داخل المبنى. هكذا، تبدو الجدارية كدراسةً معمارية وتاريخية تقرأ صيدنايا من الداخل، وتكشف كيف اشتغل السجن بوصفه فضاءً صُمم لتنظيم الحياة اليومية للمعتقلين والتعذيب والموت معاً.
إعادة بناء شروط الإحساس بالسجن
في قلب المعرض، تبرز كتلةٌ نحتية ضخمة من الحديد، بطول خمسة أمتار وعرض أربعة أمتار، أنجزتها الفنانة السورية هبة الأنصاري، وهي معتقلة سابقة خلال الثورة السورية، لتتحول إلى واحدٍ من أكثر عناصر العرض كثافةً من حيث الدلالة والتجربة الحسية. لا تسعى هذه الكتلة إلى تمثيل الزنزانة تمثيلاً مباشراً، إذ لا تقوم على جدرانٍ مغلقة، إنما على هيكلٍ مفتوح من الأعمدة والأرضية الحديدية، يضع الزائر داخل حدٍّ واضح من دون أن يعزله فعلياً. وبهذا المعنى، ينطلق العمل من التعامل مع الفراغ بوصفه عنصراً بنائياً، لا غياباً للمادة، بل وسيطاً يعيد تنظيم العلاقة بين الجسد والمكان، ويخلق توتراً بين الإحاطة المادية والانفتاح البصري.
داخل هذا الحيّز، يجلس الزوار على أغطية بنية اللون مفروشة على الأرضية الحديدية، في استحضارٍ مباشر للأغطية التي كان سجناء صيدنايا ينامون ويعيشون عليها. ومن هناك، يشاهدون الجولة الثلاثية الأبعاد بعد ارتداء نظارات الواقع الافتراضي، فيما تبقى أجسادهم داخل الكتلة النحتية وتبدأ أعينهم بالتجول داخل الزنازين الجماعية والفردية، والممرات، والفراغات الداخلية للسجن. هذه التجربة لا تضع الزائر في موقع السجين، لكنها تقرّبه من إدراك المساحات التي عاش فيها المعتقلون، وضيق حيّزهم اليومي، وشكل تنقلاتهم داخل بنيةٍ صُممت للعزل والضبط والعقاب.
هنا تتداخل فضاءاتٌ عدة ومجازاتٌ عدة في لحظةٍ واحدة: الجالس على غطاءٍ يذكّر بحياة السجناء اليومية، داخل هيكلٍ حديدي يستدعي الإحاطة والقيد، يجد نفسه في الوقت نفسه يتجول بصرياً داخل سجنٍ كامل، يقرأ مساحاته، ويفهم تنقلات السجناء داخله، ويقترب من الزنازين بوصفها أماكن للعيش القسري والعزل والعقاب.
وما يتيحه هذا العمل، إذاً، هو إعادة بناء شروط السجن والإحساس به. فالعزل هنا يمكن أن يُعاش من دون جدران، والقيد يمكن أن يُدرك من خلال تنظيم الفراغ لا عبر إغلاقه، وثقل الكتلة ينتقل من المادة إلى الإدراك. بذلك، تتحول الكتلة النحتية إلى عملٍ قائم بذاته، يضع المتلقي بين حضورٍ جسدي مباشر داخل بنيةٍ حديدية، وتجربةٍ مكانية موازية تتشكل عبر الصورة، ليكشف كيف يمكن للسجن أن يُفهم بوصفه حيّزاً مغلقاً، ومنظومةً تصوغ علاقة الإنسان بالمكان والخوف والعزلة.
شهادات من داخل السجن


يقدّم قسم الشهادات مجموعةً من المقابلات المصورة التي وثّقها متحف السجون مع ناجين من سجن صيدنايا اعتُقلوا في فترات متباينة،صورت داخل السجن نفسه ابتداءً من 15 كانون الثاني/يناير 2025، أي بعد أيام قليلة من تحريره، ما يمنحها قيمةً استثنائية بوصفها وثائق أُنجزت في لحظةٍ كان فيها المكان لا يزال محتفظاً بأثره المباشر. بعض الشهود كانوا بين من خرجوا ليلة اقتحام السجن في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فيما غادر آخرون قبل ذلك عبر وساطات أو مسارات حقوقية مختلفة. وتكشف هذه الشهادات، من خلال التجارب الشخصية للناجين، شكل إدارة السجن، ونظام الطعام والطبابة، وأساليب التعذيب الممنهجة، كما تساعد في بناء معرفة أدقّ بما جرى داخله، بما في ذلك ما يتصل بقضية الإعدامات. هكذا، تتحول الشهادات إلى أرشيفٍ حيّ يسند الذاكرة ويدعم مسارات العدالة والمساءلة.
أرشيف رسائل مهربة
يقدم هذا القسم الأرشيف الشخصي للمعتقل السابق عهد الشيخ حسن، الذي قضى سنوات من حياته في سجن صيدنايا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. يضم الأرشيف رسائل سرية هرّبها إلى زوجته، يروي فيها يومياته وتأملاته وتجربته داخل السجن، وتشكل هذه الكتابات شهادة نادرة على الحياة خلف الجدران. كما يعرض مقتنيات صنعها أو استخدمها خلال فترة اعتقاله، من بينها كتب من مكتبة السجن، وحُليّ صنعت داخل المعتقل، ومنزل خشبي صغير أرسله إلى طفليه. يكشف هذا الأرشيف عن البعد الإنساني لتجربة السجن، ويمنح صوتاً فردياً لذاكرة جماعية منسية.
بين سوريا وألمانيا
يستمر معرض «سجن صيدنايا: عمارة القمع والقتل في سوريا» من 26 آذار/مارس حتى 27 أيلول/سبتمبر 2026، وهو مفتوح يومياً. يُقام المعرض بتعاون بين متحف السجون وأمم للتوثيق والأبحاث ونصب برلين-هوهنشونهاوزن التذكاري، فيما يجري تطوير برنامجٍ موازٍ للفعاليات والجولات، يشمل جولاتٍ للطلاب وأياماً مدرسية. كما يتضمن المعرض برنامجاً أسبوعياً من النشاطات واللقاءات الموجّهة إلى الجالية السورية في ألمانيا وإلى طلاب المدارس والجامعات الألمانية، بهدف تعريفهم بتاريخ السجون في سوريا وبأشكال القمع التي عاشها السوريون على مدى عقود. ويمنح هذا البرنامج المعرض بعداً تعليمياً ومجتمعياً يتجاوز حدود المشاهدة، إذ يفتح المجال أمام جمهورٍ أوسع لفهم ما جرى داخل هذه السجون بوصفها جزءاً من تاريخ العنف السياسي في سوريا، كما يتيح نقل معاناة السوريين إلى المجتمعات التي استضافتهم في المنفى والمحنة، وبناء مساحةٍ مشتركة للإصغاء والمعرفة والذاكرة.
