نوفيلا «أشواك حديقة تورينغ»… حيث يفشل الذكاء الاصطناعي


لم تقم علاقات بين المرأتين تالا وعلياء، الموظفتين في شركة واحدة. لم تكلم إحداهما الأخرى إلا أثناء مرورهما، ولم تخرجا معا لتناول القهوة حين يتيح ذلك دوامُ العمل. أعني أن شيئا بينهما لم يحدث ليتولّد منه سردّ روائيّ. كما أنهما لم تقيما صلات، أو علاقات مع زملاء العمل، إذ اكتفت كل منهما بمجرّد التنافس الذي استدعاه التكوين الشخصي المختلف لكل منهما، وهما متطرّفتان في ذلك، كما لو أن إحداهما تكوّنت ضدّ الأخرى، أو اختارت أن تكون عكسها. وكان ينبغي لذلك أن تنقسم مادةّ الكتاب بالتساوي بينهما، أي ألا تغلب الواحدة منهما الأخرى، فتكون هي المتبنّاة من قِبَل الكاتبة.
تالا تؤثر الحياة الهادئة والانكفاء الموصل إلى إطفاء الرغبات الخاصة، والاندفاع لمساعدة الآخرين. أما علياء، فما يشغلها هو دوام سطوتها على من حولها، وقد وجدت في انضمام تالا إلى العمل في الشركة وازعا جديدا لتغذية تلك السطوة. لكنهما لم تتواجها إلا مرّة واحدة، حين ردّت تالا مدافعة عن نفسها ضد محاولة زميلتها الحطّ من شأنها، لم يحصل شيء بعد ذلك بينهما، إذ تحولت المواجهة إلى ما يشبه صراعا تخوضه كل منها ضد نفسها. لم تعودا امرأتين متنازعتين، بل تحولتا إلى أن تواجه كل منهما نفسها، راغبتين هكذا في أن تتحوّل كل منهما إلى ما هي عليه الأخرى، فتصير هذه تلك وتصير تلك هذه. علياء تسعى إلى إيلاء نفسها وسعادتها وتعاطفها مع الآخرين محل اهتمامها، وتالا تنتقل إلى تحقيق النجاح في العمل والسيطرة من خلاله.
وكان يعينهما في ذلك التبدّل، الذكاءُ الاصطناعي، الذي راح يوجّههما إلى غير ما كانتا عليه، واضعا إياهما في مجال تجاربه. هو الذي بلا مشاعر ولا خيارات خاصة، كان عادلا في قسمة اهتمامه عليهما بالتساوي، متحوّلا أثناء ذلك إلى شخصية ثالثة في الكتاب، خُصّصت لها فصول فيه. لكنه مثلهما في ذلك لجهة انفصاله عنهما، مبقيا الرواية في ما هو دون الحد الأدنى من اللقاءات، أو المصادمات، التي يتولّد منها السرد. هما، معه، تحولّتا إلى أن تكونا طرفين في دراسة حالة، كما في لغة الأبحاث الرائجة، بل إنه، لمزيد من إبعادهما عن أيّ خصوصية تميّزهما، أعطى لكل منهما رقما: (17-ي لتالا) و(18-ع لعلياء). أما موضوع حالتهما فمتابعة التغيرات الداخلية والخارجية، في حياة كل منهما، إن جرى وضع كل منهما في موضع الأخرى.
من الصفحات الأولى للنوفيلا يخطر للقارئ إمكان أن تكون المرأتان حالة واحدة، أي أن المرأتين المنفصلتين هنا تُكنّيان عن التنازع القائم في حياة امرأة واحدة.
كل من البشر، وليس النساء وحدهنّ، يتنازع فيه نوعا الحياة، وقد يبلغ ذلك حدّ الانفصام. وهذا ما قامت به الكاتبة بجعل بطلتيها تترك ما هي عليه لتصير المرأة الأخرى، وإذ بدأتا ذلك شعرت كل منهما بسهولة ذلك الانتقال إلى الطرف الآخر، فسعدت يارا بنجاحها في الانتقال إلى أن تكون مجيدة في عملها ومنظمة في باقي حياتها، وكذلك كان حال علياء التي عرفت أنه يمكن لها أن تكون محبّة ومتسامحة ومقبلة على الحياة.
لكن الذكاء الصطناعي لم يتأخر في الإعلان عما بدأ يطرأ على البيانات الخاصّة بكل من المرأتين، بالنسبة المئوية طبعا. لم تدم بهجة المرأتين بما أخذه إليهما ذلك التحول، فسريعا ما صارت تنبئ تلك البيانات عن اضطراب العناصر الحيوية لدى كلّ منهما، مثل أن تظهر في البيانات كلمات مثل القلق والتساؤل ثم الخوف والغرابة، ما سيوصلهما في النهاية إلى إقرار فشل كل منهما بالانقلاب الذي ذهبت إليه..
وقد حرصت الكاتبة على إبقاء لغتها خالصة من التعاطف مع مشاعر بطلتيها، إذ استبدلت ذلك بشمول تفاصيلها لتصل إلى ما هو جار في العالم، وصولا إلى سنة 2026 الحالية وما آلت إليه الحرب على غزة . لم تشأ أن تلوّن تجربتها بمسحة عاطفية من أي نوع، تاركة قارئها أقرب إلى إحدى التجارب من الأخرى، أي أنها لم تسع إلى الكشف عن إمكان تزوّد الذكاء الاصطناعي بحساسيات إنسانية، كما قرأنا وشاهدنا في أعمال سينمائية وأدبية. ولم يتوقّف قارئ النوفيلا عن التساؤل حول متابعته لمجريات سرد تقصّد ألا يضفي أيا من التفاصيل المتعلقة بمعاناة البشر وملاحقة ما يستجد على مصائرهم، وذلك على نحو ما تسعى الأعمال الروائية إلى فعله.
*نوفيلا رنا حايك «أشواك حديقة تورينغ» صدرت عن دار هاشيت- أنطوان في 125 صفحة سنة 2026.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *