تصاعد الاحتقان الاجتماعي بين مطالب النقابات وضغوط الأحزاب



الطاهر الطويل

الرباط ـ «القدس العربي»: في سياق اقتصادي دولي متقلب، تعيش الساحة الاجتماعية بالمغرب على وقع توتر متزايد تعكسه مؤشرات الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين. وبين تصاعد الأصوات النقابية المنتقدة للسياسات الحكومية، وتحذيرات الأحزاب السياسية من تداعيات الوضع القائم، تتعقد معادلة التدبير العمومي في ظل رهانات الحفاظ على التوازنات المالية من جهة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحّة من جهة أخرى. وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لإيجاد حلول ناجعة ومستدامة قادرة على امتصاص الاحتقان وإعادة الثقة.
في هذا الإطار، عبّرت نقابة «الاتحاد المغربي للشغل» عن استيائها العميق من استمرار الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، معتبرة أن الوضع الراهن يتسم باحتقان غير مسبوق نتيجة الغلاء المهول للمعيشة والارتفاعات المتوالية لأسعار المواد الأساسية والخدمات. وانتقدت النقابة ما وصفته بـ»تحجج الحكومة» بالتقلبات الدولية لتبرير التدهور المستمر للقدرة الشرائية، محذّرة من تفشي ظاهرة «تجار الأزمات» الذين يستفيدون من اختلالات السوق وسلاسل التوريد، في ظل ضعف المراقبة وغياب الصرامة في تطبيق القوانين.
وطالبت الهيئة النقابية، في بيان لها، بإقرار قانون مالي تعديلي يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية الطارئة، إلى جانب إطلاق حوار اجتماعي جدي خلال جولة نيسان/أبريل، يستجيب لتطلعات الطبقة العاملة. وشددت على ضرورة الزيادة العامة في الأجور في مختلف القطاعات، بما يشمل الوظيفة العمومية والبلديات والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، مع الرفع من معاشات التقاعد وإقرار حد أدنى للمعاش لا يقل عن الحد الأدنى للأجر. كما دعت إلى مواصلة التخفيض الضريبي على الأجور وتنفيذ توحيد الحد الأدنى للأجر بين القطاعين الصناعي والفلاحي.
واختتم البيان بدعوة العمال المغاربة في كل القطاعات، إلى المزيد من التعبئة وجعل مناسبة فاتح أيار/مايو لهذه السنة محطة احتجاجية ضد الغلاء الفاحش وانتهاك الحقوق والحريات النقابية، دفاعا عن الكرامة والحقوق.
وفي جانب الأمن الغذائي، اقترحت النقابة حزمة من التدابير المستعجلة، من بينها الإلغاء الجزئي للضريبة على القيمة المضافة على المواد الأساسية، والتخفيض من رسوم الاستهلاك الداخلي، وتفعيل آلية تسقيف أسعار المحروقات وتحديد هوامش الربح، إلى جانب اتخاذ إجراءات زجرية صارمة ضد المضاربين والوسطاء. كما شددت على أهمية إقرار ضريبة تصاعدية على الثروة في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز التضامن بين الفئات.
وعلى المستوى الحقوقي، عبّرت النقابة عن رفضها لما وصفته باستمرار التضييق على العمل النقابي، مطالبة بتعليق العمل بالقانون التنظيمي للإضراب ومراجعته عبر حوار مسؤول، ومنددة بحالات تسريح العمال وعدم تسليم وصولات الإيداع النقابي. كما أكدت رفضها تحميل الأجراء تبعات سوء تدبير صناديق التقاعد، داعية إلى إصلاحها وفق مقاربة عادلة ومنصفة تضمن استدامتها دون المساس بحقوق المنخرطين.
في السياق ذاته، سجّلت «المنظمة الديمقراطية للشغل» بدورها استمرار ما وصفته بنموذج تدبيري «تكنوقراطي جاف» يفتقر إلى البعد الاجتماعي، معتبرة أن السياسات المعتمدة ساهمت في تفاقم معدلات التضخم التي تجاوزت، وفق تقديراتها، 25 في المئة بالنسبة للمواد الأساسية، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 30 في المئة. وأشارت إلى أن هذه التطورات أدت إلى تآكل الطبقة المتوسطة واتساع دائرة الهشاشة والفقر، بما يعمّق الفوارق الاجتماعية ويهدد التماسك المجتمعي.
وانتقدت المنظمة محدودية برامج التوظيف، معتبرة أن مبادرات مثل «أوراش» و»فرصة» لم ترق إلى مستوى التحديات، ولم تنجح في استيعاب البطالة المرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات. كما نبّهت إلى ما وصفته بتسليع الخدمات الاجتماعية، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج وتحمل الأسر جزءاً كبيراً منها، إلى جانب ما اعتبرته توجها نحو فتح قطاع الدواء لغير المهنيين، بما قد يهدد الأمن الصحي والدوائي للمواطنين.
وفي هذا السياق، دعت المنظمة إلى تبني إجراءات ملموسة، تشمل الزيادة في الأجور ومعاشات التقاعد وربطها بمستوى التضخم، وإرساء عدالة ضريبية حقيقية تستهدف الأرباح الكبرى والثروات، مع تخفيف العبء عن الأجراء والمقاولات الصغرى والمتوسطة. كما شددت على ضرورة محاربة الاحتكار وتسقيف هوامش الربح، ودعم المواد الأساسية، واستكمال ورش الحماية الاجتماعية، من خلال تعميم التأمين الإجباري عن المرض وتقليص مساهمة المواطنين في تكاليف العلاج.
من جانبه، حذّر حزب «التقدم والاشتراكية» من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لاستمرار موجة الغلاء، مؤكدا أن الأوضاع الحالية أثقلت كاهل الأسر والمقاولات، وأسهمت في ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات مقلقة. وانتقد الحزب ما اعتبره غياب إجراءات حكومية حازمة، معتبرا أن الاكتفاء بتبرير الوضع بالعوامل الخارجية لا يعفي من المسؤولية، داعيا إلى اتخاذ تدابير استثنائية مؤقتة، وأخرى هيكلية تعزز الطلب الداخلي والسيادة الاقتصادية.
واقترح الحزب، ضمن مخرجات مكتبه السياسي، تسقيف أسعار المحروقات وتحديد هوامش الربح، ورفع الضرائب على الشركات الكبرى المستفيدة من الاستيراد والتوزيع لتعويض خسائر الميزانية، إلى جانب تعزيز القدرات التخزينية ومحاربة المضاربات والاحتكار. كما دعا إلى تحسين علاقة الحكومة بالبرلمان، عبر احترام أدواره الرقابية والتشريعية والتفاعل الإيجابي مع مبادرات المعارضة.
في المقابل، أكدت الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» على أهمية اعتماد الشفافية والتواصل المسؤول مع المواطنين، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية وانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد المغربي. ودعت إلى تفعيل المراقبة الصارمة للأسواق، خصوصا فيما يتعلق بالمواد الغذائية والمحروقات، لضمان عدم استغلال الظرفية لتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما شددت على ضرورة مراجعة آليات تحديد أسعار المحروقات، التي قد تفتح المجال لتفاهمات غير معلنة بين الفاعلين، مشيرة إلى وجود اختلالات في نقل تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، حيث لا تنعكس الانخفاضات بنفس الوتيرة التي تُسجَّل بها الزيادات. واعتبرت أن إصلاح هذا القطاع يظل مدخلا أساسيا لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *