مجلس الدولة يرفض أي تسوية سياسية خارج الاتفاق الليبي والبعثة الأممية تدعو لمعالجة الأزمة القضائية


طرابلس – «القدس العربي»: قرر المجلس الأعلى للدولة في ليبيا رفض أي تسوية سياسية تُجرى خارج إطار الاتفاق السياسي المعتمد بموجب الإعلان الدستوري وتعديلاته، مؤكداً عدم الاعتداد بأي تمثيل للمجلس في أي مفاوضات أو تسويات سياسية ما لم يكن ذلك بتفويض صريح ومسبق صادر عن المجلس. وجاء القرار في وقت دعت فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا السلطات المعنية إلى التعاطي مع مقترحات لجنة الوساطة الخاصة بالأزمة القضائية، في محاولة لتجنب مزيد من الانقسام داخل مؤسسات الدولة.
وأصدر المجلس الأعلى للدولة القرار رقم «4» لسنة 2026 بشأن ضوابط تمثيله في المسارات السياسية، وذلك في ختام جلسته العامة رقم (116) التي عُقدت في مقر المجلس بالعاصمة طرابلس برئاسة رئيس المجلس محمد تكالة، وبحضور النائب الأول حسن حبيب والنائب الثاني موسى فرج والمقرر بلقاسم دبرز وعدد من أعضاء المجلس. ونصت المادة الأولى من القرار على رفض المجلس لأي تسوية سياسية تتم بالمخالفة لنصوص الاتفاق السياسي الليبي المعتمد ضمن الإعلان الدستوري وتعديلاته. وأكد المجلس أن أي مسار سياسي أو تفاوضي لا يلتزم بهذه المرجعية القانونية لن يحظى باعترافه أو مشاركته.
كما شددت المادة الثانية من القرار على أنه لا يُعتد بأي تمثيل للمجلس الأعلى للدولة في أي تسوية أو مفاوضات ما لم يكن ذلك بتفويض صريح ومسبق يصدر بقرار رسمي خلال جلسة عامة مكتملة النصاب. ويهدف هذا الإجراء إلى منع أي تمثيل غير رسمي للمجلس في المسارات السياسية التي قد تُدار خارج الأطر المؤسسية المعتمدة.
وأوضح المجلس في المادة الثالثة أن أي تصرف أو تمثيل يتم بالمخالفة لأحكام القرار لا يترتب عليه أي التزام قانوني في حق المجلس الأعلى للدولة، ويُعد في حكم العدم قانوناً. وأكدت المادة الرابعة أن القرار يدخل حيز التنفيذ من تاريخ صدوره مع دعوة الجهات المعنية إلى الالتزام بمضمونه وتنفيذه.
وأشار المجلس في ديباجة القرار إلى أن هذه الخطوة تأتي انطلاقاً من اختصاصاته في إبداء الرأي في السياسات العامة والمشاركة في المسارات السياسية المرتبطة بالشأن الوطني. كما أكد أن الهدف من القرار هو ضمان احترام الأطر القانونية المنظمة للعمل السياسي ومنع أي تمثيل غير مشروع للمجلس خارج القنوات المؤسسية.
وخصصت الجلسة العامة للمجلس لمناقشة عدد من الملفات الحيوية المرتبطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، إلى جانب مناقشة ملفات الفساد والتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، فضلاً عن بحث السبل الكفيلة بتخفيف الأعباء عن المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وناقش أعضاء المجلس مستجدات المشهد السياسي والجهود المبذولة لدفع العملية السياسية نحو تحقيق الاستحقاق الانتخابي، إضافة إلى ما وصفوه بمحاولات فرض تسويات موازية خارج الأطر الرسمية المتوافق عليها. واعتبر المجلس أن مثل هذه المسارات قد تشكل تهديداً للأمن والاستقرار السياسي في ليبيا إذا لم تستند إلى توافق وطني واضح.
وفي سياق متصل، أكد المجلس الأعلى للدولة أن ملف الفساد والتجاوزات الإدارية والمالية داخل مؤسسات الدولة يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي. وشدد على أن مكافحة هذه الظاهرة تأتي في صدارة أولوياته لما لها من تأثير مباشر على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.
وأشار المجلس إلى أنه يعمل على تفعيل عدد من اللجان المتخصصة لمتابعة أداء المؤسسات الحكومية ورصد التجاوزات المالية والإدارية. وتختص هذه اللجان بمتابعة عمل الوزارات والهيئات العامة وإحالة أي شبهات فساد إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين.
وكان المجلس الأعلى للدولة قد شكل في وقت سابق عدداً من اللجان لمتابعة ملفات حساسة، من بينها لجنة لمتابعة ملف النفط وما يرتبط به من تجاوزات، ولجنة لمتابعة التجاوزات في مصرف ليبيا المركزي، إضافة إلى لجنة لمتابعة أداء الشركة العامة للكهرباء، ولجنة لمتابعة وزارة التربية والتعليم وخاصة ما يتعلق بملف الكتاب المدرسي.
وفي موازاة هذه التطورات السياسية، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جميع السلطات المعنية إلى التعاطي السريع والبناء مع المقترحات التي قدمتها لجنة الوساطة المكلفة بمعالجة الأزمة القضائية في البلاد. وأكدت البعثة أن اللجنة تضم نخبة من الشخصيات القضائية والقانونية والبرلمانية الليبية وأن مبادرتها تأتي في إطار جهد وطني مستقل. وقالت البعثة في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية إن اللجنة قدمت خلال شهر آذار/ مارس الماضي ثلاثة مقترحات اعتُبرت الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقلال السلطة القضائية وضمان وحدتها ونزاهتها. وأوضحت أن هذه المقترحات جاءت استجابة لمتطلبات المرحلة الانتقالية وللحاجة إلى تعزيز الاستقرار المؤسسي في البلاد.
وشددت البعثة الأممية على أن دورها في هذا المسار اقتصر على تقديم دعم فني محدود في حال طلب منها ذلك، مؤكدة أنها لم تشارك في اجتماعات اللجنة أو في مشاوراتها مع الأطراف الليبية. وأوضحت أن مخرجات اللجنة تمثل حصيلة مشاورات موسعة مع الجهات القضائية والقانونية المعنية. ودعت البعثة جميع الأطراف إلى التعامل مع هذه المقترحات بحسن نية والعمل على تنفيذها بما يساهم في إنهاء الانقسام داخل السلطة القضائية واستعادة وحدتها، مشيرة إلى أن استمرار الخلافات قد ينعكس سلباً على مسار العدالة وسيادة القانون في ليبيا.
وتعود جذور الأزمة القضائية في ليبيا إلى الخلاف الذي اندلع عقب تفعيل المحكمة الدستورية العليا في مدينة بنغازي في تموز / يوليو الماضي استناداً إلى القانون رقم (5) لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب. وقد نص القانون على تحويل المحكمة العليا في طرابلس إلى محكمة للنقض، الأمر الذي اعتبرته الدائرة الدستورية غير دستوري وقضت ببطلانه.
وتفاقم الخلاف لاحقاً بعدما أصدرت المحكمة الدستورية العليا في بنغازي أحكاماً اعتبرت أن المحكمة العليا في طرابلس لا تملك صلاحية النظر في الطعون الدستورية. كما تصاعدت الأزمة إثر تصريحات لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح دعا فيها إلى تنحي رئيس المحكمة العليا المستشار عبد الله بورزيزة وتعيين بديل له.
وفي المقابل، ردت الجمعية العمومية للمحكمة العليا في طرابلس ببيان شديد اللهجة اعتبرت فيه تلك التصريحات تهديداً لركائز العدالة وسيادة القانون. وحذرت من أن استمرار مثل هذه المواقف قد يقود البلاد إلى حالة من الفوضى القانونية والتسلط، مؤكدة استمرارها في نظر الطعون الدستورية إلى حين إقرار دستور دائم ينظم عمل القضاء الدستوري في البلاد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *