بطريرك الموارنة يتهم إيران باستباحة سيادة لبنان… ويبكي متأثراً


بيروت -»القدس العربي»ووكالات:‏‎ ‎ احتفل المسيحيون اللبنانيون، الذين يتبعون التقويم الغربي، الأحد، بـ«عيد الفصح ‏المجيد» عبر إقامة القداديس في مختلف المناطق، على وقع العدوان الإسرائيلي ‏المستمر على البلاد‎.‎‏ و«عيد الفصح» هو نفسه «عيد القيامة» ويرمز إلى قيامة السيد ‏المسيح بعد صلبه، وفقا للمعتقد المسيحي‎.‎
وفي بكركي (شرق)، ترأس البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي قداس عيد ‏الفصح بحضور رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون، ومشاركة عدد من الوزراء ‏والمطارنة والكهنة والراهبات‎.‎‏ وبعد قراءة من الإنجيل، ألقى البطريرك الراعي عظة ‏أحد القيامة قال فيها إن «لبنان يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات، وتتداخل ‏فيها التحديات».‏
وأشار إلى أن الاعتداءات والحروب، «أمر مرفوض من الدولة ومن الشعب، لأنها ‏تمسّ كرامة الإنسان وتضرب استقرار الوطن، ولا يمكن أن تُقبل كأمر واقع».‏
وأكد أنه «لا يحمي لبنان إلا الدولة، الدولة القوية، العادلة، القادرة، وجيشها وقواها ‏الأمنية هم الضمانة الحقيقية للاستقرار». ‏
جنوباً، احتفل المسيحيون الذين لم يغادروا قراهم الحدودية، في رميش وعين إبل، ‏بأحد القيامة من خلال إقامة القداديس والصلوات‎.‎‏ وفي صيدا (جنوب)، أعرب راعي ‏أبرشية صيدا المارونية المطران مارون العمار خلال ترؤسه قداس عيد الفصح عن ‏أمله بوقف الحرب، وإحلال السلام
وفي البقاع (شرق)، قال رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين ‏الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم خلال قداس الفصح أن «قيامة المسيح هي ‏الضمانة الأكيدة بأن الشر لا ينتصر والظلم لا يدوم وأن الحياة أقوى من كل موت».‏

المسيحيون لبنان يحتفلون بعيد الفصح على وقع العدوان الإسرائيلي

في طرابلس (شمال)، ترأس رئيس أساقفة أبرشية طرابلس وسائر الشمال للروم ‏الملكيين الكاثوليك، المطران إدوار ضاهر، قداس عيد الفصح المجيد في كاتدرائية ‏القديس جاورجيوس في محلة الزاهرية – طرابلس‎.‎‏ وقال المطران ضاهر في العظة ‏إن «لبنان اليوم يشبه القبر: ظلامٌ، انتظارٌ، وصمت… لكننا نؤمن أن القيامةَ ممكنة».‏
وعلى أصوات الغارات والمواجهات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي و»حزب الله»، ‏أحيا مسيحيو القرى الحدودية عيد الفصح وصلّوا لقيامة لبنان من تحت أثقاله وأن ‏يتدحرج الحجر عن صدر وطن تعب من الحروب. وينتظر اهالي هذه القرى ‏الحدودية زيارة راعوية وتفقدية يقوم بها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس ‏الراعي بعد الفصح على رأس وفد من المطارنة الموارنة استكمالاً لزيارات السفير ‏البابوي المونسنيور باولو بورجيا.‏

الراعي يبكي

وخاطب البطريرك الراعي في عظته الرئيس عون بالقول «حضوركم ‏يضفي على العيد معنًى وطنياً وروحياً عميقًا. فيطيب لي، مع إخواني السادة المطارنة ‏والآباء، أن أقدم لكم التهاني بالعيد ممزوجة بالدموع على ضحايا الحرب المفروضة ‏علينا بين حزب الله وإسرائيل، وعلى البيوت والمؤسسات المدنية والدينية المهدمة، ‏وعلى مئات الألوف من اللبنانيين المشردين من دون مأوى في أصعب فصول السنة، ‏وعلى آلاف الجرحى. وقلبكم على الصامدين بقلق في بلداتهم طالبين العيش بسلام، ‏وهم يرفضون هذه الحرب المفروضة عليهم. ولكن من حقهم، بحكم الواجب ‏الدولي‎ ‎فتح ممرات إنسانية‎ ‎تحميهم من الحصار، وتنقل إليهم المواد الغذائية والأدوية ‏والحاجات الأساسية. بحكم كل من‎ ‎اتفاقية جنيف الرابعة‎ ‎لعام 1949 بموادها 23، ‏‏55، 56 و59؛‎ ‎والبروتوكول الإضافي الأول‎ ‎لعام 1977 بمادتيه 54 و70؛‎ ‎وقرار ‏مجلس الأمن‎ 1701 ‎بمادته 11 (د)».‏

المفتي‭ ‬قبلان‭ ‬يرد‭ ‬على‭ ‬الراعي‭ : ‬الرب لا‭ ‬يساوي‭ ‬بين‭ ‬الطاغية‭ ‬والمظلوم

وأضاف الراعي باكياً ‏‎»‎نحن نعلم وجعكم، فخامة الرئيس، على رؤية شعبكم المشرذَم، ‏المبدَّد، وهو كخراف لا راعي لها. ونعرف أيضًا مساعيكم ليلًا ونهارًا لإيقاف الحرب ‏وويلاتها ودمارها، ولاستعادة سيادة لبنان على كامل أراضيه، ولإعادة الحياة ‏الطبيعية إلى الدولة ومؤسساتها، ولضخ الحياة في العناصر الاقتصادية والمالية ‏والاجتماعية، ولمساعيكم لدى الدول الصديقة من أجل المساهمة في تحقيق مطالبكم ‏باسم لبنان وشعبه‎.‎‏ لكننا، مع فخامتكم وهذا الجمهور من المؤمنين،‎ ‎نؤمن إيمانًا ‏ثابتًا‎ ‎بأنّ المسيح القائم من الموت‎ ‎سيقيم لبنان من حالة الموت إلى الحياة، وسيقيم كل ‏إنسان من موت قلبه بالخطايا والحقد والبغض وروح الشر إلى حالة قيامة بالنعمة ‏الإلهية، وإلا لكان إيماننا، بحسب تعبير بولس الرسول، باطلًا، ولكنّا موتى بخطايانا، ‏ولكان تبشيرنا باطلًا. أجل،‎ «‎فيسوع الذي صُلب قد قام‎» (‎مر 16: 6‏‎). ‎ولذا لم يعد ‏للموت الكلمة الأخيرة، ولم يعد القبر نهاية الإنسان، بل صار معبرًا إلى الحياة‎.‎‏
المسيح ‏بقيامته فتح أمام البشرية أفقًا جديدًا. لم تعد حياتنا محكومة بالخوف، ولا مستقبلنا ‏مرهوناً باليأس. القيامة هي إعلان أن الله أقوى من الشر، وأن المحبة أقوى من ‏الكراهية، وأن النور ينتصر دائماً على الظلمة. القيامة ليست حدثًا مضى وانتهى، بل ‏هي حضور دائم. هي دعوة لكل واحد منا أن يخرج من قبره الخاص: من الخوف، ‏من الحقد، من الانقسام، من الأنانية، ومن كل ما يُميت الإنسان في داخله. هي دعوة ‏لنقوم مع المسيح، ولنحيا حياة جديدة، حياة الرجاء‎. ‎لقد قام المسيح مرة واحدة، ولكن ‏قيامته مستمرة في كل قلب يؤمن، وفي كل إنسان يختار الحياة بدل الموت، ‏والمصالحة بدل الخصام، والمحبة بدل الكراهية».‏
وتابع «لبنان يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات، وتتداخل فيها التحديات. دمار ‏وقتل وتهجير، اعتداءات وتعديات مستمرة على الأرض والسيادة، أزمات اقتصادية ‏ومالية واجتماعية أثقلت كاهل المواطنين، تراجع في مؤسسات الدولة، وواقع عام ‏أدخل البلاد في حالة من القلق والجمود‎.‎‏ وهذه الاعتداءات، وهذه الحروب، هي أمر ‏مرفوض من الدولة ومن الشعب، لأنها تمسّ كرامة الإنسان وتضرب استقرار ‏الوطن، ولا يمكن أن تُقبل كأمر واقع‎.‎‏ لكن القيامة تقول لنا: ليس هذا هو المصير‎.‎‏ ‏الواقع مهما اشتد لا يُلغي الرجاء. والأزمات مهما تعاظمت لا تقفل الطريق‎.‎‏ لبنان ‏ليس بلداً للموت، بل للحياة‎.‎‏ هو بلد قام عبر تاريخه مرات عديدة، وكل مرة نهض من ‏تحت الركام‎.‎‏ واليوم، هو مدعو إلى قيامة حقيقية، قيامة ثابتة، قائمة على الحق ‏والحياة. مدعو، لكي يعيش بسلام دائم ويؤدي دوره وسط الأسرة العربية والدولية، ‏وأن ينعم بنظام‎ ‎الحياد الإيجابي، المعترف به من الأسرة الدولية، كما طلبتم، فخامة ‏الرئيس، في خطاب القسم».‏
وختم الراعي «المسيح قام مرة واحدة، وفتح باب الحياة،‎ ‎ولبنان‎ ‎مدعو أن يقوم قيامته ‏الصادقة الثابتة الحقيقية، قيامته التي تعيد إليه رسالته، وتثبت حضوره، وتؤكد دوره ‏‎.‎إن القيامة الوطنية تبدأ من الداخل‎:‎‏ من إنسان يرفض الاستسلام،‎ ‎من ضمير حي ‏يتمسك بالحقيقة،‎ ‎من إرادة صادقة تعمل للخير العام‎.‎‏ تبدأ من مواطن يكون ولاؤه ‏لوطنه قبل أي انتماء آخر،‎ ‎ومن مسؤول يحمل الأمانة بصدق، ويجعل مصلحة الوطن ‏فوق كل اعتبار‎.‎‏ فلا يحمي لبنان إلا الدولة‎.‎‏ الدولة القوية، العادلة، القادرة‎. ‎وجيشها ‏وقواها الأمنية هم الضمانة الحقيقية للاستقرار‎.‎‏ نحن أبناء رجاء،‎ ‎ونؤمن أن لبنان ‏قادر أن يقوم، لأن فيه إرادات حيّة، ولأن فيه إيماناً عميقاً بأن الحياة أقوى من كل ‏موت».‏

من يدحرج الحجر؟

وتحت عنوان «من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟»، كان البطريرك الراعي وجّه ‏رسالة الفصح التي أكد فيها «أن الكنيسة تتابع جهودها ليستعيد لبنان سلامه وسيادة ‏أراضيه وقراره السياسي الحر»، معتبراً أنه «يعيش وضعًا كيانياً خطيرًا بفعل ‏استباحة سيادته من إيران بواسطة حزب الله، وبفعل الاعتداءات الإسرائيلية على ‏أراضيه. فلبنان متمسك بخطاب قسم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، والبيان ‏الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، وقرارات الحكومة اللبنانية في 5 و7 ‏آب/أغسطس 2025 و2 آذار/مارس 2026، وبقرارات مجلس الأمن الدولي ذات ‏الصلة 1559 و1680 و1701. فلنصلِّ، في زمن القيامة من أجل قيامة لبنان، إنسانًا ‏وشعبًا ووطنًا».‏

رد قبلان

ورداً على البطريرك الراعي، أصدر المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان بياناً ‏توجه فيه «للشريك الأبدي بهذا البلد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة ‏الراعي المحترم»، وقال: «المحسوم بطابوية السماء أن الرب لا يساوي بين الطاغية ‏والمظلوم ولا يُوحد الميزان بين المجرم والضحية، ومن يفعل ذلك إنما يضرب صميم ‏الناموس، وليس بناموس الله إلا الحق بلا باطل، والخير بلا شرّ، والحق الأبدي لا ‏يقول إلا الحق ولا يصدر منه إلا الخير والرحمة والعدل والإنصاف، ولا يحكم إلا بما ‏عهدناه من مواثيقه التي تدور مدار تأكيد حق المظلوم والمحروم والضحية بوجه ‏الجلاد والمجرم والطاغية وما أشبه هذه الصورة الظالمة بكيان الإرهاب إسرائيل، ‏وما أشبه الحق والخير والعدل بحزب الله ومقاومته الشريفة».‏
وأضاف المفتي قبلان «إيران بهذا المجال عنوان كرامة الله وتعاليمه التي تعكس لنا ‏حقيقة ناموس المسيح ومحمد، وإلا ماذا نقول بحق دولة أخلاقية مثل إيران تفاوض ‏مرتين وبكلتا المرتين تغدر بها واشنطن وتل أبيب فتخوض حرب الدفاع بوجه أسوأ ‏طغاة هذا العالم وأسوأ نماذج الغدر، والغدر من الشيطان، والشيطان في النار، ولا ‏يجوز السكوت أو الدفاع عن الشيطان أو تبرير فعله الشيطاني».‏
وختم: «ها هي فتيان الرب بجبهة الجنوب اللبناني تبذل أشلاءها دفاعاً عن عين إبل ‏وعيتا ورميش والقوزح وعلما وشمع والبياضة وعيترون ومارون الراس وحاصبيا ‏طلباً للحق ودفاعاً عن نفوس وقرى ووطن يحبه الله ويحبه المسيح ومحمد بوجه أسوأ ‏طغاة الأرض وأخطر قَتَلة الأنبياء والخلائق، وحزب الله ليس إسرائيل الإرهابية، ‏والفارق بينهما كالفارق بين الناموس والشيطان، ولن يساوي الرب بينهم».‏
وفي السياق، كتب رئيس الحكومة نواف سلام عبر حسابه على منصة ‏‏»أكس»: «فصح مجيد للمسيحين الذين يتبعون التقويم الغربي وللبنانيين جميعاً… ‏ودعوتي إليهم اليوم ان يستلهموا من كلمات غبطة البطريرك مار بشارة بطرس ‏الراعي بالأمس: «القيامة تعلّمنا أن الحجر لا يبقى، وان ما يبدو مستحيلاً يمكن ان ‏يتغير. إن القيامة الوطنية تبدأ من الداخل، من إنسان يقرر أن يقوم، أن يتمسك ‏بالحقيقة، أن يعمل من أجل الخير العام».‏
وليل السبت – الأحد، شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على قرى ‏جنوب لبنان ما أدى لسقوط عدد من الضحايا‎.‎
ويأتي الاحتفال بعيد الفصح في لبنان على وقع عدوان إسرائيل الموسع عليه ضمن ‏تداعيات العدوان الذي تشنه تل أبيب وواشنطن على إيران، منذ 28 فبراير/ شباط ‏الماضي، والذي خلف آلاف القتلى، أبرزهم المرشد الأعلى علي خامنئي‎.‎
وفي 2 مارس/ آذار الماضي، دخل حزب الله (حليف إيران) على خط المواجهة ضد ‏العدوان الإسرائيلي، إذ استهدف موقعا عسكريا شمالي إسرائيل، ردا على هجماتها ‏المتواصلة على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، واغتيال المرشد الأعلى علي ‏خامنئي‎.‎
وفي اليوم ذاته، وسعت إسرائيل هجماتها على لبنان عبر غارات جوية على الضاحية ‏الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب البلاد وشرقها، كما شرعت يوم 3 مارس في ‏توغل بري محدود بالجنوب‎.‎‏ وأسفر العدوان الإسرائيلي على لبنان حتى السبت عن ‏استشهاد ألف و422 و4 آلاف و294 جريحاً، وفق وزارة الصحة اللبنانية‎.‎



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *